صغيرات "يحلمن" بالختان... لتتحول الجريمة إلى عيدٍ منتظر

الأربعاء 21 أكتوبر 202004:02 م


الختان جريمة نصّ على عقاب مرتكبها القانون المصري، وأي قانون يعترف بحقوق الإنسان، سواء كان المرتكب طبيباً أم السيدة التي تختص في أمور النساء "الداية"، ولا شك أيضاً بخطورة تبعات هذه العملية المجحفة على ضحاياها، على أجسادهن الغضة ونفسياتهن الهشّة، ولكن كيف تنتقل هذه القناعة من الأم الى صغيرتها، التي لا تتعدى التسع سنوات في معظم الأحيان، بشكل سلس وبسيط، بشكل مثير للتعجب؟ كيف تتحول الصغيرة الى مؤيدة لعملية تشويه عضوها التناسلي، مؤيدة لنزفها وتشويه روحها للأبد هكذا؟ كيف تنتظر اليوم الذي سيُقطّع فيه جسدها بشغف طفولي، كيف تتحول الجريمة داخلها الى عيد منتظر؟

طهرنا هند!

ما زالت عادة ختان الإناث قائمةً بقوة رغم كثرة الحديث عن مخاطرها وتجريمها قانونياً، ما زالت طقساً ريفياً لا يخلو منه أي بيت فيه فتاة. لكن الأعجب من ذلك هو تصالح الفتيات الصغيرات مع هذا الجرم واحتفائهن به!

هند عبد الرحيم، تسع سنوات، لا يتعدى وزنها الـ 20 كيلو على ما أذكر، أكاد أفقد وعيي حين أستعيد شكل تلك الصغيرة الناعم إلى أقصى حد وخبر ختانها يتسلل الى أذني، قدمت لي يومها والدتها قطعتي شوكولا، وحين سألتها عن المناسبة قالت وعيناها ترقصان من الفرحة: "طهرنا هند يا أستاذة". كنت أعلم جيداً أن ظاهرة الختان ما زالت موجودة، بالأخص في مجتمع ما زال متمسكاً بكل العادات والتقاليد الموروثة، بالذات العادات التي تخص المرأة، لكن ما كنت أجهله أن الختان قريب مني إلى هذا الحد، قريب جداً كأنه إحدى ستائر البيت أو مزروعات البلكونة.

ما زالت هذه العادة قائمة بقوة رغم كثرة الحديث عن مخاطرها، وعرض ضحايا هذه الجريمة أمام الرأي العام وتجريمها قانونياً، ما زالت طقساً ريفياً لا يخلو منه أي بيت فيه فتاة، هذا ما تيقنت منه بنفسي، ولكن الأمر الذي أثار تعجبي هو تصالح الفتيات الصغيرات مع هذا الجرم أو كيفية جعلهم متصالحات معه من قبل الأهل.

ظلت صورة هند الصغيرة عالقةً برأسي طوال ذلك اليوم، صرت أتخيل جسدها النحيل الغارق في بيجامتها الملونة بلون الدم، وجديلتها الرفيعة الطويلة، مقطوعة ترقد قربها كجثة. عشت يوماً أتخيل تفاصيل ضعفها وقلة حيلتها، حتى ساقني شعور الألم من أجلها والأسف على ما حدث لها لإحضار هدية صغيرة وزيارتها، كانت دمية "باربي" التي تعشقها كل الصغيرات، وددت أن أترك في ذاكرتها التي تشوهت بالختان بقعة ضوء صغيرة.

استقبلتني والدتها وعلى وجهها حيرة واضحة لسبب زيارتي الغريب، سألتني إن كنت بحاجة لها اليوم لتساعدني في أعمال المنزل، فأجبتها بجملة واحدة: فين هند؟

جلست في صالون بيتهم المتواضع، وحولي ثلاث فتيات أصغر من هند، رحت أتخيل مصيرهن حين يبلغن سنوات هند، قطع شرودي أخيراً دخول هند للصالون. كانت منتصبة العنق، جديلتها تحولت الى تسريحة الكعكة، نظرتها شامخة تكتسي بالكبرياء، سلمت عليّ بيد ثابتة، شعرت حينها وكأنني أسلم على "سعاد" والدتها، وكأن طفولتها قطعت مع الجزء المقطوع في الختان.

جلست شاردةً، متخبطةً بين ما حدث لها وما رأيتها عليه، ثم صفعتني بجملة لأدرك الواقع المرير: "مش تباركيلي يا طنط، أنا اطهرت".

حضنتها والدتها بقوة وهي تقول لي: " مش قولتلك هند بخير... وبقت كبيرة وحلوة".

مددت يدي التي بدأت ترتجف من الصدمة بعلبة الدمية. رقصت عيناها فرحاً عندما لامستها، الطفلة التي بداخلها خرجت دون أن تعبأ بأمها وعاداتهم، ثم تماسكت فجأة، شكرتني ومدت يدها باللعبة لإخوتها، مبررة لي وهي تبتسم بكبر مصطنع، أنها الآن أصبحت فتاة كبيرة، وهذه الألعاب للصغيرات فقط.

ثم طلبت من أخواتها الصغيرات اللواتي يتشاجرن على اللعبة، الذهاب للعب في الشارع مع الصغيرات مثلهن، لأن وجودهن هنا غير صحيح، فلا يجب أن يسمعن حديث الكبار التي اعتبرت هند نفسها منهم أخيراً.

تستعجل الصغيرات الختان كي يدخلن الحياة ويحققن أحلامهن بمجالسة النساء الكبيرات وتكحيل العيون ووضع مساحيق التجميل، كأنه البوابة التي تفصل بينهن وبين أحلامهن البسيطة، لذا يحتملن الألم لأجل الأمل

أدركت حينها خيوط رفيعة للسترة التي تجعلهن متصالحات مع قطع أجسادهن، هند الريفية الصغيرة التي شاءت الأقدار أن تجعل كل أحلامها وطموحتها متقوقعة داخل اكتمال أنوثتها، أصبحت تحاول استعجالها لتصبح جزءاً من الحياة التي تؤجل كل ما تتمناه فيها حتى تصبح كبيرة، تستطيع أن تجلس مجالس النساء المحرومة منها بحجة أنها ما زالت صغيرة، لتستطيع أن تكحل عينيها في العيد وتضع على وجنتيها مساحيق التجميل التي تخص الكبيرات، لتستطيع أن ترتدي ثياب البنات في بيت زوجها المستقبلي، الذي سيمكنها خوض تجربة السفر والخروج ورؤية الشمس بعيداً عن بيتها ومدرستها، كل هذا لن يحدث لها سريعاً إلا حين تخضع للختان ثم البلوغ، وكأنها البوابة التي تفصل بينها وبين أحلامها البسيطة، فلا بأس حينها  باحتمال شي من الألم لأجل الأمل.

"هو أنا مش كبيرة ولا إيه؟"

زرت في العيد السابق بيت خالي، في قرية داخل إحدى مراكز مدينة المنيا في صعيد مصر، لدى خالي فتاة واحدة عمرها عشر سنوات هي أكبر أولاده. رحبت بي زوجة خالي بشكل حافل، وقبل أن نجلس على انفراد طلبت من رحاب إعداد الشاي، دقائق وجاءت رحاب الصغيرة في عباءة بيت قصيرة الأكمام وهي تلف شعرها في تسريحة الكعكة، وفي الطبق ثلاثة أكواب شاي، نعم فقد أصبح لها كوب مخصوص يحضر بجوار أكواب ضيوف والدتها.

بدأت الأفكار تتصاعد الى رأسي ولكنني نفضتها بسرعة، فلم أتوقع أن "البل" قد وصل إلى ذقني مثلما يقال في الأمثال الشعبية. كانت الصغيرة تبادل أمها نظرات تريد من خلالها شيئاً، والأم تبادلها الابتسامات لتهز رأسها قائلة بصوت جهوري أخيراً: "خلاص يا بت هقولها ... مش تباركي لرحاب، طهرناها قبل العيد"، وضعت كوب الشاي على الصينية بعنف جعله يتصبب خارج الكوب، وأنا أراقب ابتسامة الفخر التي ارتسمت على وجه الفتاة وأمها تلقي علي الخبر.

وجهت كل حججي العلمية والدينية حول ما يحرم هذه الفعلة لزوجة خالي، التي ظننتها متعلمةً وواعية وأماً مثالية كما يبدو، فهي معلمة مدرسة في أول الثلاثينيات وهذه الأفعال لا تليق بمن مثلها، متعلمة ومعلمة وصغيرة السن وأفكارها منطقية، بين حجج دفاعها غير المنطقية، التي تختمها كل مرة أنسف لها حجتها بالمنطق: "دي عاداتنا... وبعدين دي نضافة للبنت... وبعدين مهي زي الجن قدامك... وبعدين ما أنا وأمك وخالاتك وعماتك وعيالهم اطاهرنا وعايشين زي الفل... وبعدين...".

لم تؤذني حقاً كل حججها بقدر ما آذاني ما صبته على أذني رحاب بصوتها الثابت: "أنا كنت هزعل من ماما عشان أنا الوحيدة في أصحابي اللي ما كنتش اطهرت... هو أنا مش كبيرة ولا إيه؟"

ثمن الحياة الكريمة

في حملة توعية ضد ختان الإناث، عرضت على مديرتي أن نتبنى الموضوع في الريف، لأن هذه الظاهرة لا تتواجد في المدينة بكثرة، فقصت لي حكاية بنت أخت زوجها، التي تعيش في إحدى قرى وجه بحري في مصر، على سبيل يأسها من محاربة هذه العادة. الفتاة تدعى علا، وبشكل ما حصلت على زوج ثري من الخليج، وكانت زيجتها هي الأفضل بين زيجات العائلة كلها، وأصبحت الصغيرات في العائلة ينتظرن يوم ختانهن حتى يفزن، بعد سنوات قليلة، بعريس من الخليج ثري مثل عريس علا، الذي فضلها عن بنات بلده لأنها مختونة بالتأكيد، لكونها مصرية.

ختان الإناث ليس إلا واحداً من العادات المتخلفة التي تساوم الفتيات على حقوقهن البسيطة جداً في الحياة، فيرضين بقطع جزء من أجسادهن ليحيى ما تبقى منه حياة كريمة

لم تعد تتوقف مأساة هذه العادة البشعة على من يقوم بها ومن يتقبلها ويسعى لها فقط في مصر، بل وصلت الى حد تكوين جمهور مؤيد لها حتى في البلاد العربية المجاورة التي لم تدرج هذه العادة فيها. وبرغم تطور وسائل الإعلام وانتشار ثقافة تصحيح العادات السلبية في كل مجتمع، وانفتاح العالم بأكمله على بعضه، وتدخل الجمعيات النسوية وحقوق الإنسان بشكل أكبر وأكثر تأثيراً في المجتمع، إلا أنك ستجد من يستطيع خلق منحى غير مقبول بالمنطق أو العلم، قد يكون مبنياً على هواجس أو تصورات شخصية ليبارك هذه الجريمة.

فقد عانت طويلاً وبشكل غير معقول الطبيبة المصرية جيلان خضر، التي تعمل طبيبة بشرية في إحدى الدول العربية، بسبب السؤال المتكرر لها عن حقيقة كونها مختونة أم لا! وحين كانت تجيب بـ "لا"... كانت تصعقها مفاجأة أن هذه العادة غير الموجودة في هذه الدولة التي تعمل فيها، يحبذها أهل البلاد ويباركون من يفعلها.

وكانت مفاجأتها تزداد حين يوجه هذه المباركة طبيب أو طبيبة مثلها، بحجة أنها عادة جيدة، تعمل على الحفاظ على المرأة. أما عن رأي الرجال، وبشكل أوضح، الرجل الأكثر تصالحاً مع نفسه، أو ربما الأكثر جرأة، فكان يعبر عن حقيقة إعجابه بهذه العادة، كونها تساهم في إطالة مدة وصول المرأة إلى النشوة الجنسية كما رسخ في اعتقاده، الذي يشبه تصورات مراهق عن الجنس نتيجة حكايات من حوله .

تأكدت حينها أن النجاة من عادات المجتمع تحتاج لصدفة كونية، وأن الناجي عليه أن يكون ممتناً لنجاته، وأن محاولات التوعية هي محاولات عبثية حقاً أمام عمق وصلابة حجة التقاليد، فالأمر أصبح أكبر بكثير من كونه سلب جزء من جسد المرأة بطريقة قاسية، كبير ومعقد لدرجة أنه جعلها تقبله وتنتظره وتتمنى حدوثه، تساومهن العادات المتخلفة على حقوقهن البسيطة جداً في الحياة، فيرضين بقطع جزء من أجسادهن ليحيا ما تبقى منه حياة شبه كريمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard