بيت ابن خلدون المعروض للبيع في فاس... إرث ضائع أم أسطورة؟

الاثنين 25 أكتوبر 202105:31 م

لافتةٌ تَعْرِضُ بيع ما تزعم أنه "رِيَاضُ ابن خلدون". لافتةٌ كانت كافيةً لتثير الجدل الكبير في المغرب، ودفعت إلى تدخّل وزارة الثقافة، التي أوقفت عملية البيع، خوفاً من أن يتحول تراث وطني إلى ملكيّة خاصة. لكن هل البيت حقاً هو الدار التي عاش فيها ابن خلدون سنوات من عمره، حيث تعلَّم، وعلَّم وجاور سلاطين المغرب، وعلية القوم، أم مجرد أسطورة؟

بيت "فوق العادة"

كان لا بد من إعلان البيع، لنتذكّر أن هناك مبنى يرتبط بشخصية تاريخية بارزة في فاس، ويُفترض أن يكون في الأصل متحفاً معروفاً لدى الجميع؛ لأن المتاحف تنشأ لتُزار في العادة.

في المدينة العتيقة في فاس، وتحديداً في حيّ "الطالعة الكبيرة"، يقع المنزل الذي أثار الجدل، لأن مالكيه يزعمون أنه كان مأوى المؤرّخ السياسي، وأبي علم الاجتماع عبد الرحمن بن خلدون، صاحب "المقدّمة" الشهيرة.

بقيمة أربعة ملايين درهم (442 ألف دولار)، حُدّد ثمن المنزل الذي يُفترض أن يكون تراثاً وطنياً، لأن جدرانه، على حد زعم مالكيه، شاهدة على مرحلة من تاريخ ابن خلدون، ومؤلفاته، وفكره.

بيت معروض للبيت في فاس يزعم مالكوه أنه كان مسكن ابن خلدون يثير الجدل في المغرب ودفع وزارة الثقافة لإيقاف العملية. فهل هو بيت العلاّمة أم مجرد أسطورة؟

غير أن عملية بيع المنزل توقّفت، بعد تدخّل وزارة الثقافة، بسبب الضجة الكبيرة التي أثارتها في وسط المهتمين. فيما بدأت مصالح الوزارة بإنجاز بحث معمّق، وحفرياتٍ، للتأكد من كون المبنى تراثياً فعلاً.

مصدر مسؤول في وزارة الثقافة، رفض الكشف عن هويته، أكد أن "المديرية الجهوية لقطاع الثقافة في جهة فاس مكناس، باشرت، بتعليمات من وزير الثقافة المهدي بنسعيد، تحقيقاً مُعمّقاً، وبحثاً تقنياً، بالتنسيق مع المصالح المختصة".

ورأى المصدر نفسه، في تصريح لرصيف22، أنه "من الصعب الجزم بصحة ما يُتداوَل حول هذا البيت، في ظل غياب الوثائق المكتوبة، أو الشواهد المادية، التي تؤكد أن هذا المسكن كان فعلاً مسكناً للعلّامة ابن خلدون، بما في ذلك كتابات ابن خلدون نفسه".

كما أن المبنى المذكور، "لا يتطابق مع نمط البناء والزخرفة التي عُرفت بها الدّور المرينية، بل توحي هندسته بأنه يرجع إلى الفترة الحديثة"، يوضح المصدر نفسه.

على الرغم من ذلك، فقد "أصدر الوزير تعليماته بضرورة التدخّل العاجل، لإنقاذ هذه الدار بتدعيم جدرانها أوّلاً، ثم إدراجها ضمن برنامج ترميم الدور الآيلة للسقوط، في المدينة العتيقة في فاس"، يستطرد المتحدث نفسه.

لعلّ الوزارة أرادت استباق أي مشكلة، لأنه سبق أن طُمست معالم كثيرة في المملكة من الوجود، على الرغم من أنها تحكي ماضيها، وسيرة العديد من رموز العلم والسياسة والحرب، من أبناء البلد، أو ممن مرّوا بها، واستقروا فيها.

ولعلّ تاريخ ابن خلدون الذي ترحّل بين البلدان، يظل أسوأ من تاريخ كثيرين، على الرغم من شهرته المنقطعة النظير في العالم. ففي تونس نفسها، حيث وُلد ابن خلدون، يجد السائح، والزائر، والمؤرّخ، صعوبةً في الوصول إلى البيت الذي ترعرع فيه العلاّمة الذي يعدّه البعض مؤسساً لعلم الاجتماع. إذ إن تونس العتيقة بشوارعها الضيّقة، أشبه بمتاهة، وإذا لم تسعفك إشاراتٌ ولافتات، فإن الوصول إلى البيت، من شبه المستحيلات لغير أبنائها. لكن لنعد إلى بيت فاس، الذي على الرغم من أنه أحيا الغضب لفقدان معالم تاريخية منه، إلا أنه يطرح الكثير من الأسئلة حول الحقبة التي يعود بناؤه إليها، وهل هو حقاً البيت الفاسي لابن خلدون ؟

تساؤلات عمرانية

مختصون عدة في التاريخ والآثار، رأوا أن مبنى الطالعة الكبيرة في فاس، "ينتمي إلى فئة من الدور العادية الموجودة بكثرة في العاصمة الروحية للمغرب".

يقول أستاذ التاريخ وعلم الآثار في الكلية المتعددة التخصصات، في تازة، منير أقصبي: "لا يتوفر المبنى على مواصفات الرياض، وليس له قيمة فنية، أو معمارية، متفرّدة. كما أنه لا يُوفّر أشكالاً زخرفية، أو نقوشاً كتابية تساعدنا على تأريخ تشييده في القرن الرابع عشر الميلادي؛ أي زمن مرور ابن خلدون بفاس".

في حديثه لرصيف22، شدد أستاذ التاريخ وعلم الآثار، على أن "نصوص الإخباريين، أو الجغرافيين القدامى، وحتى كتب المناقب والتراجم، لا تشير إلى المكان الذي كان يقطن فيه العلامة ابن خلدون في فاس"، مضيفاً أن "الرواية الشفهية تبقى غير كافية للحسم في حدث وقع قبل مئات السنين".

لا تشير كتب التاريخ إلى بيت ابن خلدون في فاس. لكن أسرة من المدينة قرّرت بيع بيت في المدينة العتيقة قائلة إنه بيت صاحب "المقدمة". هل هي حقيقة أم مجرد ادعاءت؟

كما دعا المفتش الأسبق للمباني التاريخية والمواقع في فاس، إلى ضرورة "طرح الوثائق العدلية التي يدَّعِى مالكو المنزل امتلاكها، للفحص من قبل خبراء، من أجل الحسم في هذا الأمر، قبل الحديث عن قيمة المبنى التراثية"، مستدركاً أنه "إن وُجدت، فستكون قيمة رمزية وتاريخية كبيرة".

وأضاف أقصبي، أن " هذا المنزل لم تتطرق له أي دراسة تاريخية أو معمارية، ولم يدخل في عمليات الجرد التي شملت أهم معالم المدينة".

فاس وعِبرُ ابن خلدون

لكن الكتابات التاريخية لم تغفل عن حضور ابن خلدون في فاس، خصوصاً أن الرجل دخل غمار السياسة، وتقلّد العديد من الوظائف التي كانت سبباً في تنقّلاته المتكرّرة بين إفريقيا (تونس حالياً وهي بلد مولده)، والمغرب، والأندلس، والجزائر، ومصر.

يحكي أستاذ التاريخ والحضارة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية التابعة لجامعة مولاي إسماعيل في مكناس، محمد البركة، أنه عندما "زالت دولة الوزير محمد بن تافراكين في تونس سنة 753هـ/ 1352م، ترك ابن خلدون تونس، ورحل متجولاً في البلاد، إلى أن استقر في بسكرة في الجزائر، ثم في قسنطينة. وفي عام 755هـ/ 1354م، هاجر إلى فاس بصحبة السلطان أبي عنان المريني، سلطان المغرب الأقصى، تاركاً أهله في قسنطينة".

في مرحلة أولى، امتدت عقداً من الزمن تقريباً، "استقر ابن خلدون في فاس التي كانت آنذاك عاصمة العلم في الغرب الإسلامي، وعاصمة بني مرين، وهناك انتظم في المجلس العلمي للسلطان أبي عنان، وألزمه السلطان حضور الصلوات معه، ثم استعمله في وظيفة التوقيع والكتابة لديه، وهو لم يبلغ الثانية والعشرين من عمره بعد"، يضيف محمد البركة، في حديثه لرصيف22.

وأوضح المصدر نفسه، أن ابن خلدون ظل في منصبه قرابة عامين، حتى اتُّهِم بالتآمر مع الأمير محمد صاحب بجاية على أمير المغرب، فأمر السلطان بالقبض عليه، وحُبِس عام 758هـ/ 1357م، وظل في سجنه قرابة سنتين، ثم عفا عنه، وأعاده إلى الوظيفة ذاتها، وقضى فيها نحو أربع سنوات. كما أسند إليه السلطان وظيفة ثانية هي وظيفة المظالم، والتي كانت تحتاج إلى علوٍّ وتمكّن".

كما سجّل البركة، أن ابن خلدون، "عكف في أثناء مقامه في فاس، على النظر، والقراءة، ولقاء المشايخ من أهل المغرب، ومن أهل الأندلس الوافدين في غرض السفارة"، مشيراً إلى أنه "كان يذهب إلى مكتبات فاس، ليوسّع من قراءته، ولتحقيق رغبته العلمية. وفي هذه الفترة، كتب كتابه العبر، قبل التنقيح والتهذيب في تونس".

في المرحلة الثانية، "استقر ابن خلدون في فاس، في فترة 774- 776هـ/ 1372- 1374م، معزَّزاً مكرّماً عاكفاً على العلم والتدريس. وفي عام 776هـ/ 1374م، نشبت فتنة سياسية في المغرب، انتهت بخلع السلطان السعيد المريني، واستيلاء السلطان أبي العباس على فاس. وقد وشى البعض بابن خلدون، فاعتُقل حيناً، ثم أُفرج عنه، فرحل عبر المغرب الأقصى إلى الأندلس، تاركاً أسرته في فاس، ودخل غرناطة، ولمّا لم يسمح له سلطان فاس بطلب أهله، غادرها عائداً إلى المغرب"، يؤكد البركة.

العلاقة بالمغرب هذه، وتحديداً بفاس، رحيلاً ثم عودة، قد تكون دفعت بالعلامة ابن خلدون للاستقرار في أكثر من بيت. وفي انتظار هذا، تُطرح التساؤلات حول الدار الفاسيّة التي أصبحت تثير اهتمام البعض، وشكوك البعض الآخر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard