"القريب الفقير"... ما الذي ينتظره مثقفو المغرب من الوزارة الجديدة

الجمعة 15 أكتوبر 202105:41 م

"في الحقيقة، وصل بي اليأس والعدمية إلى عدم الانتظار"؛ هذه العبارة لأحد روّاد الشعر المغربي، قد تلخّص وحدها رأي الكثيرين من المثقفين المغاربة، الذين أصابهم اليأس من وزارة الثقافة المغربية، مع تعدد الوجوه والتيارات التي ينتمي إليها الوزراء المتلاحقون...

لم يُرِد الشاعر أن يردّ على استطلاعنا آراء المثقفين المغاربة، حول ما ينتظرونه من الوزارة الوصية على القطاعين، الثقافي والفني، في المغرب، في عهد الحكومة الجديدة، لكن آخرين وافقوا.

فما هي آليات التعامل مع هذا "القريب الفقير"، كما تُنعت الثقافة، التي تنتهجها النخبة الثقافية والفنية في المغرب؟ هل بـ"في انتظار غودو" لبيكيت، كما يرى الشاعر اليائس من الواقع؟ أم بمسؤولية المثقف العضوي، وفقاً للتصور الغرامشي؟

الرأسمال الثقافي

اختارت الشاعرة وداد بنموسى أداة الإشعار بحساسية الوضع الثقافي والفني، قبل أن يُزجّ به في حقيبة تواريه عن الاهتمام العام، وذلك بتوجيه رسالة مفتوحة إلى رئيس الحكومة المغربية، تقول فيها: " فهل ستخيبُ ظنَّ شعب متعطش لانتصارات طال انتظارها؟". تكشف الشاعرة أن دواعي مراسلتها رئيس الحكومة، هي أنها لاحظت التغييب التام خلال حملته الانتخابية لأي برنامج ثقافي يهدف إلى إنعاش قطاع الثقافة، الذي ظل أمداً طويلاً صاحب أضعف ميزانية على مر الحكومات.

وتستطرد الشاعرة في تشريح الجسد الثقافي والفني، لتضع المبضع في عمق الجرح، قائلةً: "لقد أهين الفنان، وغُيِّبَ المثقف، لأنهما دائماً كانا يعيشان على الهامش، في انتظار عناية صحية ملكية في نهاية المشوار. ما نرجوه ونتمناه كله، هو أن يُخَصَّ قطاع الثقافة بالاهتمام نفسه الذي تناله بقية القطاعات، وأن يُراهن على من سينقذ الثقافة، والمثقفين، والفنانين".

"أُهينَ الفنان، وغُيِّبَ المثقف، لأنهما دائماً كانا يعيشان على الهامش، في انتظار عناية صحية ملكية". ما الذي ينتظره المثقفون المغاربة من الحكومة الجديدة؟

ترى بنموسى أن على الحكومة الجديدة "مراجعة الميزانية الهزيلة للقطاع، لأنها أمر حتمي وعاجل، حتى يتمكن من سيتولى أمر هذا المجال من رسم خريطة طريق جديدة تعطي الإشعاع لبلادنا، وتصالحها مع تاريخها العريق، فضلاً عن خلق إستراتيجية حقيقية لصناعة ثقافية يمكن من خلالها أن نلْحَق القطار السريع الذي بات يعكس صورة المغرب الحديث".

بنموسى التي أشادت بكفاءة رئيس الحكومة في إنجاح المشاريع الاقتصادية، أبرزت ضرورة ربط الثقافة الوطنية بعجلة الرأسمال الاقتصادي اليوم، حتى يتحول قطاع الثقافة إلى دينامية حيوية منتجة، ومجالٍ لإيجاد فرص عمل لا حصر لها.

وأكدت بنموسى على أملها في النهوض بالقطاع، خاصةً بعد تعيين الوزير الشاب محمد المهدي بنسعيد، قائلةً: "إن طبيعة تكوينه المعرفي والأكاديمي تؤهله لنظرة مغايرة واستشرافية للأفق الثقافي والفني في بلادنا"، وعبّرت عن أملها في "أن يرُجّ البحيرة الساكنة، ويحدث انقلاباً غير مسبوق في هذا القطاع الذي لا يقل أهمية وشأناً واعتباراً، عن غيره من القطاعات المهمة. فمنذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي لم تنظّم الدولة مناظرة وطنية للثقافة المغربية، ولعل التوصيات الصادرة عن هذه المناظرة سنجدها مشروعة إلى حد اليوم، ولربما الكثير منها ما زال ضمن المطالب المستمرة إلى يومنا هذا".

الفن لا يُقتَل

أطلقت قبل أسابيع حركة "ما تقتلوش الفن في المغرب" (لا تقتلوا الفن في المغرب)، مبادرة من فعاليات ثقافية وفنية مغربية، ومن بين مؤسسي هذه الحركة، المخرج المسرحي أمين ناسور، أحد الوجوه البارزة في المشهد المسرحي المغربي الحالي.

يكشف المسرحي لرصيف22، عن اختيار الحركة لبيان "وقّعه الغيورون على الفن في المغرب، وذلك للاحتجاج على استمرار السكتة القلبية المفتعلة التي يعيشها المجال الفني، وكل ما يترتب عنها من رتابة حياة، وتعطيل لولوج مواطنينا الفن والثقافة، وعطالة مهنيينا".

وأضاف المسرحي أن الفنانين يرغبون في "إنهاء إغلاق المؤسسات الثقافية في وجه المغاربة (بسبب إجراءات مواجهة كورونا)، على الرغم من أن الحكومة أجازت فتحها، والتمادي في إلغاء الملتقيات والمهرجانات الوطنية، عوض الاجتهاد في صيغ تنظيمها وتدبيرها، بما يتناسب مع الظرفية".

وأضاف الفنان أن الكثيرين من الممارسين، يعانون من "المماطلة في الإعلان عن برامج الدعم الفني، بمختلف مجالاته، في استهانة واضحة بحق المهنيين في العمل والإبداع، مع الاستمرار في إلغاء المسابقات الفنية، علماً أن فترات الحجز المنزلي، على اختلافها، كانت محفزاً لانتعاش الإبداع والخلق".

وأضاف ناسور قائلاً: "إن انتظاراتنا كبيرة من الوزير الجديد الذي عُيّن على رأس الوزارة، خاصةً مع ما يعرف عنه من حيوية في المجال الثقافي الرياضي، والجماعي، ونأمل أن يأتي بعقلية جديدة تنسف العقليات القديمة، وذلك بإشراك المهنيين في التدبير الثقافي والفني، وعدم تغييبهم في مختلف مراحل المشاورات، وذلك بهدف تطوير القطاع، ليجعل من الفاعل الفني والثقافي شريكاً فعّالاً في النهوض بالمشهد الثقافي والفني في المغرب".

المحاسبة السينمائية

يعدّ المخرج السينمائي عز العرب العلوي، السينما، أحد الحقول الثقافية المنتمية للدبلوماسية الموازية لأي بلد، إذ تقدّم برأيه "للآخر، فكرةً عن بلد ما، وعن حياة شعبه، وهمومه، وثقافته، ومستواه الاجتماعي والفكري". وقال السينمائي إن العاملين في القطاع ينتظرون الكثير من الوزير محمد المهدي بنسعيد".

وعن هذه الانتظارات، يقول: "كوني مخرجاً سينمائياً ولج هذا الميدان منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي، ومهتماً بالقطاع السمعي البصري في بلادنا، لدي بالتأكيد انتظارات جمة من الوزير". وأوضح أن "المركز السينمائي المغربي، يحتاج إلى إعادة هيكلة لجنة دعم إنتاج الأعمال السينمائية، وطريقة تنصيب أعضائها، بحيث تصبح العضوية نتيجة لانتخابات شفافة ونزيهة من طرف الفاعلين في القطاع السينمائي، من سينمائيين، ونقاد، ومنتجين، لا أن تكون العضوية عبر التعيين العشوائي لأسماء قد تكون أحياناً غير مطّلعة على مشكلات هذا القطاع".

وهذا الأمر يشمل أيضاً لجنة اختيار الأفلام، للمشاركة في المهرجانات السينمائية الوطنية، بحيث يكون أعضاؤها منتخبين من طرف أصحاب الاختصاص، لا أن يتم تعيينهم بشكل مباشر.

إصلاح وزارة الثقافة، والمؤسسات التابعة لها، وإنهاء الشللية، والانفتاح على العاملين في القطاع... بعض مطالب المثقفين المغاربة

ويؤكد العلوي على نقطة مهمة يتمنى من الوزير الاهتمام بها، وهي تصنيف المخرجين حسب "مستويات"، بحيث يتم خلق صناديق دعم خاصة بهم، حسب الفئات. ويرى العلوي أنه "لا يصح أن يتقدم من راكم تجربة مهنية لسنوات عديدة، وامتلك خبرة طويلة، مع مخرجين مبتدئين، أو هواة، وهذا ليس تنقيصاً من قيمة هؤلاء، بقدر ما هو تثمين لجهد الكثيرين ممن أفنوا حياتهم في هذا الميدان، وأعطوا الكثير، وفي الوقت نفسه، ضمان للاستمرارية، ودعم للمبتدئين، من خلال صندوق خاص بهم يخوّل لهم فرصاً أكبر".

ناهيك عن مسألة أخرى ترهق كاهل العاملين في هذا الميدان، وتوقعهم في دواليب البيروقراطية المعيقة لتقدّم الفن والسينما في بلادنا، وهي حسب المخرج: "كثرة الوثائق والرخص المطلوب تقديمها. فمن المفترض تخفيف هذا العبء، خاصةً على الشركات التي تتوفر مسبقاً على اعتماد من طرف المركز السينمائي المغربي، فهذا عملها اليومي، وهي لا تحتاج إلى طلب رخصة قبل أي عمل، بقدر ما تحتاج إلى إخبار فحسب للجهة المسؤولة، قبل بدء التصوير".

وركّز العلوي على إشكالية توزيع الأفلام السينمائية، وذلك عبر خلق مكتب التوزيع والتسويق للفيلم المغربي.

كما ينادي المخرج "بضرورة ربط المسؤولية بالمحاسبة، في ما يخص المناصب الإدارية السينمائية، حول من استفاد من الدعم، وكيف وظّفه؟ وهذا سيكون من دون شك، في صالح القطاع السينمائي خاصةً، والسمعي البصري عامةً، للرفع من مستواه، حتى يكون في مستوى المنافسة العالمية.

هيمنة الشللية

يرى الفنان التشكيلي سمير السالمي أن المثقف اليوم ينتظر من وزارة الثقافة حكمة رشيدة تولي الأولوية للفكر، والإبداع، اللذين ينهضان بالإنسان، ويخدمان قضايا الأمة، ويتيحان تكافؤ الفرص على أساس من روح الابتكار، والمبادرة، والحد من هيمنة الشللية، والمؤسسات الفاقدة للمصداقية، على الحقل الثقافي (من نقابات وجمعيات واتحادات ومقاولات).

ويرى أن على الوزارة أن تسهر على تدبير الدعم، والمنح، والعروض، والمعارض، بما ينصف الشباب المبدعين من أصحاب المشاريع والمبادرات الثقافية والفنية من جهة، وبعدلٍ بالنسبة إلى مبدعين مكرّسين حقيقيين تم استبعادهم عن النشاط الثقافي، لأسباب غير ثقافية".

وأضاف أنه من جهة أخرى، يجب "الانتصار لحرية التفكير، والإبداع، وللقيم الثقافية الكونية المتمثلة في التسامح، وحقوق الإنسان، والبيئة... وللقيم الحضارية المغربية المتأصلة في التاريخ، والمنفتحة بإبداع وحداثة على المستقبل.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard