مستشفيات الأمراض النفسية في المغرب... بعض الأمل والكثير من المعاناة

الجمعة 15 أكتوبر 202105:25 م

"أُصِبت بانهيار عصبي سنة 2000، ورأت عائلتي أن وضعي النفسي خطير، فاضطرت إلى نقلي إلى مستشفى ابن رشد للأمراض العقلية، لمتابعة حالتي النفسي". هكذا بدأ مصطفى يحكي لنا عن علاقته بالطريق الشاقة للطب النفسي، ليضيف: "فور وصولي، أُدْخِلت إلى قاعة الكشف، وأعطتني الممرضة مهدّئاً، لأن حالتي كانت تستدعي ذلك. مكثت مدة ثلاثة أيام فقط، في المستشفى، لتخرجني عائلتي بسبب الحالة المزرية التي كانت تعاني منها المؤسسة آنذاك. كان الممرضون يصرخون في وجه المرضى، ويوجهون إليهم أبشع الإهانات، والضرب، لذلك رأت عائلتي أنّ حالتي تزداد سوءاً، ما دفعهم إلى عرض حالتي على طبيب مختص في عيادة خاصة، تتبّع حالتي تسع سنوات".

جهود حكومية ولكن...

بعد تسعة أعوام، تغيّر الكثير في وضع جناح الأمراض النفسية، في المستشفى الجامعي ابن رشد، الأكبر في مدينة الدار البيضاء، والذي كانت له صورة سيئة في المغرب، وتُضرب به الأمثال، ليُختزل اسمه في "تْرَانْتْ سِيسْ"، نسبةً إلى رقم الجناح 36.

لكن، حين عاد مصطفى إليه، ليحصل على متابعة طبية، بعد هذه الأعوام كلها، وجد أن الكثير من الأشياء تغيّرت: "قفز ‘ترانت سيس’ قفزةً نوعية، مقارنة مع وضعه سنة 2000. فالآن، هناك عناية خاصة، والمستشفى نظيف على عكس الماضي"، يحكي لنا مصطفى.

وتؤكد أخته التي حضرت لحظة دخوله المستشفى عام ألفين، حكايته قائلةً: "وقَّعْت على وثيقة، ليمكث في المستشفى حتى تستقر حالته النفسية والعقلية، لكنني لم أستطع التحمّل. وَضْعُ المستشفى المهترئ، والأوساخ التي في كل مكان، وعدم وجود رعاية صحية جيدة، اضطرتني إلى إخراجه منه، وعرضه على طبيب خاص".

قبل أشهر قتل نزيل مستشفى للأمراض النفسية نزيلاً آخر. أمر أثار علامات التساؤل في المغرب حول وضعية المستشفيات التي تستقبلهم

منذ ذلك التاريخ، جرت مياه كثيرة في مجال الصحة النفسية المغربية، إذ إن الدولة المغربية تحاول مواجهة ظاهرة ضعف المؤسسات التي تقدم الرعاية الصحية للمغاربة، وهو ما لاحظناه في أروقة الجناح. فقسما النساء والرجال حصلا على معدات حديثة، وتبدو النظافة في أروقة المستشفى باديةً للعيان، كما شيد مستشفى جديد في مدينة تيط مليل (في ضواحي الدار البيضاء)، يضم بدوره تجهيزات حديثة.

وفي الوقت الذي تؤكد فيه إحصائيات رسمية أصدرتها وزارة الصحة المغربية، أن 40 بالمئة من المغاربة الذين تتجاوز أعمارهم 15 عاماً، يعانون من اضطرابات نفسية متفاوتة، قد تتحول في غياب المراقبة والمتابعة الطبية، إلى أمراض نفسية وعقلية حادة، تحاول المؤسسات الصحية تجاوز النقص في الإمكانيات، والطواقم الطبية، على الرغم من أن أخباراً عن تجاوزات، وعن عدم حصول المرضى على الرعاية الكافية، تُتداول في وسائل الإعلام.

الجهود الحكومية تظل رهينة النقص الحاد في الأطباء المختصين في الأمراض النفسية والعقلية أيضاً. إذ ذكرت دراسات أن المغرب يتوفر على 197 طبيباً نفسياً فقط، يعملون في القطاع العمومي، وهو رقم ضعيف بالنظر إلى المعدل العالمي، إذ يُفترض، حسب المعايير الدولية، توافر 3.66 طبيباً مختصاً، لكل مئة ألف نسمة، في حين لا يوفر المغرب سوى أقل من مختص، أي 0.63، لكل مئة ألف نسمة.

أقدم المستشفيات يتداعى

بالإضافة إلى "ترانت سيس" الذي يشكل جزءاً من ذاكرة مدينة البيضاء بشكل خاص، يوجد مستشفى اقترن اسمه بالمدينة التي بُني على أرضها، وهو مستشفى الرازي للأمراض النفسية والعقلية، في برشيد (40 كيلومتراً شرق الدار البيضاء)، وأضحى معلماً تاريخياً في المدينة، حتى أن الموسيقى الشعبية قرنته بـ"علاج الجُنُون".

سنة 1918، اختار المستعمر الفرنسي برشيد، ليشيّد فيها أكبر مستشفى للأمراض النفسية والعقلية، والذي سرعان ما احتل المرتبة الأولى إفريقيّاً، بطاقة استيعابية تتجاوز ألفي سرير، وليشكل طوال عقود، إشعاعاً جهوياً ووطنياً وقارياً، خاصةً أن مساحته كانت تضم أكثر من 52 هكتاراً، مع 27 جناحاً، في كل واحد ما يقارب مئة نزيل يتحدرون من مختلف المدن المغربية، وكان من بينهم كذلك بعض العرب من الجزائر، ومصر، والعراق.

"كان الممرضون يصرخون في وجه المرضى، ويوجهون إليهم أبشع الإهانات، والضرب، في مستشفى ابن رشد في الدار البيضاء. لذلك قررت عائلتي  عرض حالتي على طبيب  في عيادة خاصة للأمراض النفسية"

وقد لاقى هذا المستشفى شهرة وطنية ودولية، وكان يعمل فيه مئات الموظفين، وطاقم طبي جلّه من فرنسا. أبرز الحالات التي كانت تعالج في مستشفى الرازي، تعلقت بالإدمان على المخدرات، إذ بلغت 7323 حالة مسجلة خلال الفترة الممتدة من 1936 إلى 1956.

لكن اليوم، فقد المستشفى بريقه، وتحول إلى مستشفى يثير الجدل في الأوساط الطبية في المملكة، إذ تعاني البنية التحتية للمستشفى من وضع كارثي، بسبب الإهمال واللامبالاة اللّذين طالاه، ويؤثران سلباً على نزلائه، صحياً، ومعنوياً.

وبعد أن كان مجهّزاً بأحدث المعدّات الطبية، أصبح يعرف الآن غياباً كبيراً لها، مع ضعف جودة الوجبات المقدمة للنزلاء، وكذلك الانعدام الكلي للمساحات الخضراء، التي تساعد المريض على التغلب على مرضه.

ويتوافد على مستشفى الرازي للطب النفسي في برشيد، العديد من المرضى، بعضهم جاء للاستشفاء فيه بسبب أزمة صحية، والبعض الآخر لعيادة الطبيب، من أجل الحصول على وصفة للأدوية، أو حقنة. وقد تسمع، إن زرت المستشفى، صرخات مسترسلة بين الفينة والأخرى، للنزلاء، إناثاً وذكوراً.

وعلى الرغم من تزايد المقبلين عليه، بحكم أنه مستشفى يلجأ إلى خدماته مرضى من مختلف مدن المغرب، فهو يعاني من عجز واضح في الموارد البشرية، وتشكو نقابات الممرضين، والأطر الصحية، من الأوضاع المزرية التي يعملون فيها.

وتقول وسائل إعلام مغربية إن منظمات من المجتمع المدني في المدينة، تطالب وزارة الصحة، بنقل مستشفى الرازي إلى مكان آخر، بعيداً عن الأحياء السكنية، وأن يتوفر على الظروف المناسبة للعلاج جميعها، والسبب أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، تصدرت عناوين الصحف حادثة قتل اهتز على وقعها المستشفى، حين أجهز أحد النزلاء على آخر.

وحسب العاملين في المؤسسة الصحية، فإن حوادث كهذه، تنتج عن قلة الموظفين الذين يُطلب منهم رعاية أعداد أكبر من طاقتهم من النزلاء، وهذا يؤدي بهم إلى إغلاق الأبواب عليهم، من دون مراقبة، ومن دون متابعة عن قرب، لصد أي خلاف قد يحدث بينهم.

القانون المتهالك

الاختلالات الكبرى التي تشكو منها منظومة الطب النفسي والعقلي، تكتوي بنارها شريحة واسعة من المواطنين (النساء، والأطفال، والمسنّين، والمدمنين)، وهي أكثر المجموعات عرضة للخطر، فضلاً عن أن غياب العدالة في مجال الولوج إلى العلاج في الطب النفسي والعقلي، وضعف التكافل والحماية الاجتماعية والصحية، وهدر حقوق أساسية للمواطن المصاب بأمراض نفسية وعقلية، مردّها إلى غياب قانون خاص بالأمراض النفسية والعقلية.

وقدّم وزير الصحة المغربي السابق الحسين الوردي، سنة 2017، لمجلس النواب، مشروع القانون الذي يهدف لمكافحة الاضطرابات العقلية والنفسية، وضمان الحماية للمرضى، والالتزام بحقوق الإنسان الخاصة بهذه الفئة المجتمعية.

وكان الوردي قد أكد على أن الغرض من تضمّن نص المشروع عقوباتٍ لمن يعتدي على المرضى، ليس للمعاقبة بالسجن والغرامة المالية فحسب، بل لترسيخ الطابع الحقوقي لهذه الشريحة من المرضى، وصيانة حقهم الدستوري والقانوني في التعامل الإنساني معهم.

وهدفَ مشروع القانون لمراجعة شاملة لقانون سابق حول الوقاية من الأمراض العقلية، ومعالجتها، وحماية المصابين بها، لأن المراجعة فرضها عدم مواكبته لتطور حماية الحقوق والحريات الأساسية لفئة الأشخاص المصابين بالاضطرابات العقلية، في الاتفاقيات الدولية، وفي تشريعات الدول المتقدمة.

ووضع مشروع القانون عقوبات سجنية تتراوح بين عام وخمسة أعوام، وغرامات مالية، لـ"كل من أخضع شخصاً مصاباً باضطرابات عقلية، لمعاملة غير إنسانية، أو مهينة، تسبب له معاناة جسدية أو نفسية".

وطالت العقوبات السجنية أيضاً مدراء المستشفيات المخصصة للمرضى العقليين والنفسيين، إذ إن كل مسؤول "قد أهمل وضع مريض عقلي، أو نفسي، تحت الملاحظة الطبية، يعاقَب بالسجن من سنة واحدة إلى ثلاث سنوات".

وتُطبَّق العقوبة نفسها، على أي شخص "حرّض، أو ساعد مريضاً خاضعاً للاستشفاء، على الهرب من المؤسسة العلاجية، أو حاول تحريضه، أو مساعدته على ذلك".

ظلّ المشروع حبراً على ورق، ونُسي في الرفوف إلى جانب العديد من المشاريع التي وُضعت للدفاع عن الأوضاع المزرية التي يعرفها قطاع الصحة في المغرب، ولم تنجح حكومة سعد الدين العثماني في تمريره.

ويؤدي غياب الرعاية الصحية داخل المستشفيات، إلى انتشار العشرات من المرضى النفسيين في شوارع المدن المغربية، حيث يعيشون بلا مأوى، وهم من الجنسين. ويجد هؤلاء المواطنون أنفسهم في الشارع، بعد أن يتخلى عنهم ذووهم، بسبب كلفة الرعاية المرتفعة، وغياب البنية التحتية لعلاجهم، ومتابعة حالتهم النفسية. هكذا يصبحون عرضةً لقساوة الشارع، ولانتهاكات أخرى قد تصل إلى الاعتداءات الجنسية والاغتصاب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard