"تلاشى عقل أبي وأصبح جسداً"... مريض الزهايمر وأبناؤه وبناته

الأربعاء 20 أكتوبر 202105:24 م

خالد السيد، مهندس (35 عاماً)، قال لي مرة، إن أكثر ما يتمناه في حياته هو أن تموت أمه، بسبب حبه الشديد لها، نطق العبارة متحسراً، ومتألماً، أكثر منه قاسياً.

تعاني والدته من مرض الزهايمر في مرحلته الثالثة والأخيرة، وذلك منذ ستة أعوام. وهو وحيد ووالده متوفّىً، وليس لديه أقارب آخرون، لذا فهو المعيل الوحيد لوالدته.

تسأل عن والده الذي توفي قبل 20 عاماً وتناديه كأنه موجود.

الأمر صعب بالنسبة إليه من الناحيتين النفسية والعاطفية، والدته أحياناً تسأل عن والده الذي توفي قبل 20 عاماً وتناديه كأنه موجود، فيحاول تشتيت تفكيرها إلى أن تنسى سؤالها، يقول لها إن أباه في السوق أو مسافر، حتى تنتقل إلى موضوع آخر، إلى أن تعود إلى نفس السؤال فيما بعد، ويكرر الكذبة ذاتها.

خالد، وهو واحد من مقدمي الرعاية لحوالى 400 ألف مريض الزهايمر في مصر، في كل مرة ينتقل فيها إلى محافظة أخرى بسبب عمله كمهندس، يتحتم عليه أن يصطحب والدته، ويستأجر شقة ليعيشا فيها.

ذاكرة طفل

"يبدأ مريض الزهايمر في نسيان تفصيل هنا وتفصيل هناك من ذكرياته القصيرة المدى، يحدث الأمر ببطء وثبات، ثم يتطور إلى أنه يفشل في بعض الأحيان في التعرف على أصدقائه أو زوجته، وقد يضل الطريق في أماكن مألوفة. ثم يبدأ الدخول في نوبات غضب، ويتطور الأمر أكثر، ويضع الريموت ومفاتيح السيارة في الثلاجة، ثم يبدأ في رؤية أشياء ليست موجودة، لكنه يتجاهلها ويعرف أنها من علامات التدهور المعرفي، ثم تبدأ الذكريات في التلاشي حتى تصير ذاكرته، ذاكرة طفل"، وفقاً لقول الدكتور جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي لرصيف22.

أكثر ما يتمناه خالد في حياته هو أن تموت أمه، بسبب حبه الشديد لها

ويتابع فرويز: "ثم تظهر السلوكيات المخلة أو غير اللائقة، ويصبح الأمر صعباً على مقدمي الرعاية الطبية".

يحكي خالد أنه استيقظ في إحدى المرات ليجد والدته وقد ألقت باللابتوب الخاص بها وأشياء أخرى من نافذة في الطابق الرابع، فانفجر غاضباً، وانفجرت هي باكية بشدة كطفلة، حتى أنه خاف، أو في تلك المرة التي سها فيها عنها، وتركت البيت، وظل يبحث عنها يومين كاملين إلى أن وجدها في أحد شوارع محافظته أسيوط.

ضغوط مثل هذه هي التي دفعته إلى أن يتمنى موت والدته، بحسب قوله.

بحسب معهد الصحة الوطنية الأمريكي، يعاني مقدمو الرعاية الصحية لمرضى الزهايمر من مستويات أعلى من التوتر والاكتئاب والقلق وتدهور حالتهم الجسدية، وتصبح مناعتهم أضعف، ويزيد استخدامهم للأدوية نتيجة عوامل الضغط التي يواجهها مقدم الرعاية من سلوكيات المريض غير المناسبة، مثل تخريب الأشياء والتجوال ليلاً، والانفجارات العاطفية.

برغم أن مصر ليس فيها سوى 400 ألف مصاب بالزهايمر، وهو عدد قليل نسبياً مقارنةً بأرقام الأمراض الأخرى (تسعة ملايين مريض سكر)، وهؤلاء، بحسب الدكتور فرويز يعاني 60% منهم الاكتئاب.

ووفقاً للدكتور فرويز، فإن المشكلات الأبرز التي تصيب مقدم الرعاية لمريض الزهايمر ناتجة عن كم الضغوط الهائل التي يواجهها، وتصل أحياناً إلى حد اتهامه بالاغتصاب أو السرقة.

قصة خالد لا تختلف عن قصة يارا، التي ترثي مستقبلها بسبب رعاية والدها المريض.

أحباؤنا يتلاشون

بدأ والد يارا السيد، وهي موظفة في إحدى شركات المحاسبة، بتكرار الكلمات كثيراً، ثم راح ينسى التفاصيل الأهم، مثل أسماء أحفاده، ويخطئ في أسماء أبنائه، ثم أخذ ينسى الأماكن والأحداث الجديدة، غير أنه كان يتذكر التفاصيل القديمة مع إخوته وأبيه وأمه وزوجته، وبات لا يستطيع تدبر أمور نفسه، و"صار غريباً"، بحسب تعبيرها.

أصعب ما في الأمر، تقول يارا، هو أنك تشاهد عقل من تحب يتلاشى ببطء، ثم يصبح مجرد جسد، والأصعب أنه يستمر إلى النهاية، حتى أنك قد تضطر للتخلي عن عملك كي تتفرغ لرعايته، كما فعلت هي.

في فيلم The Father كان أنتوني هوبكينز يرفض الاعتراف بمرضه في البداية. مرّ بصراع مريض ألزهايمر مع نفسه بوضوح، إذ تبدأ مواقفه مع ابنتيه في الاختلاط عليه، ثم يحاول أن يجعلها متماسكة بأن يشرح لنفسه بعقلانية ما يدور، وتزداد الأمور اختلاطاً عليه فلا يعود قادراً على مواجهتها، فيشعر وكأن كل أوراقه تسقط من بين يديه، فيبدأ في نوبات الغضب والبكاء، ثم يعود طفلاً يبحث عن الهداية والأمان برفقة والدته التي ماتت قبل عشرات السنين.

الصعوبات المادية

تواصل رصيف22 مع إحدى دور رعاية مرضى الزهايمر "دار الأمل"، ومقرها في الزمالك وعابدين بمحافظة القاهرة، وهي ترعى مريض الزهايمر 24 ساعة متواصلة، من توفير وجبات الطعام إلى التمريض وقضاء الحاجة أو الاستحمام.

إضافة إلى ذلك توفر الدور رفقة للمريض حتى لا يشعر بالوحدة. الرفقة مكوّنة من زملائه نزلاء الدار، الذين يعانون أيضاً الزهايمر، كما توفر الدار أخصائيين لمتابعة حالة المرضى يومياً، والتنزه.

وتوفر الخدمات نفسها لمرضى الزهايمر في منازلهم، لكنها ليست أعلى جودة من تلك التي في الدار نفسها، بحسب مسؤول "دار الأمل".

يقول الدكتور فرويز إن هناك مشكلة كبيرة تواجه ذوي مريض الزهايمر، الذين يريدون إيداع مريضهم دار الرعاية، وهي التكلفة المرتفعة. ومقدارها 15 ألف جنيه (955 دولاراً أمريكياً) في الشهر أو 1000 جنيه لليوم الواحد (64 دولاراً)، إضافة إلى المشكلات المادية، فأنت لا تعرف من سيعتني بوالديك، ولا مدى خبراته ولا سلوكياته، وهل هو أمين أم لا، بحسب فرويز.

بالفعل كانت تلك الأمور كلها عقبة أمام يارا، التي أرادت في البداية، الاستعانة بإحدى تلك الجمعيات لمساعدتها على رعاية والدها ثلاثة أيام في الأسبوع، لكن الجمعية طلبت عن اليوم الواحد أكثر من 500 دولار.

"أصعب ما في الأمر أن تشاهد عقل من تحب يتلاشى ببطء، ثم يصبح مجرد جسد"، تقول يارا، بعد أن عثرت على جمعية لمرضى الزهايمر، طلبوا منها أكثر من 500 دولار عن اليوم الواحد

في النهاية يضطر الغالبية إلى الاهتمام بالمريض بأنفسهم، وهو ما يحملهم فوق طاقتهم، ويضعهم في تلك المنطقة القاسية بين الشعور بالذنب في حال التخلي عن المريض أو الاضطرار للعناية به والتضحية بمستقبلهم أو صحتهم.

لذلك تنتشر على فيسبوك مجموعات تهتم بتقديم المعلومات حول الدعم النفسي لمرضى الزهايمر ومقدمي الرعاية لهم، رغم ذلك فإن هذا الأمر غير مألوف بين المصريين.

تقول منال، إحدى المشاركات في تلك الغروبات، إن مثل تلك المجموعات في أحسن الأحوال تعطيك إحساساً بأنك لست وحدك في تلك المأساة.

يُذكر أن في العالم نحو 50 مليون مريض الزهايمر، ومن المتوقع أن يصل الرقم إلى 75 مليوناً عام 2030، لكن المأساة ليست في الرقم بقدر ما هي في رعاية مريض والسهر على راحته.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard