الحوار المرتقب في تونس... اتهامات لسعيّد بتعطيل المسار الديمقراطي

الثلاثاء 12 أكتوبر 202103:21 م

بعد شهرين من الإجراءات الاستثنائية التي اتّخذها الرئيس التونسي قيس سعيّد، بحل الحكومة، وتجميد عمل البرلمان، والتي خلقت نوعاً من الارتباك في بعض الأوساط السياسية التونسية، وعند الشركاء الخارجيين، جاء بيان قصر الإليزيه ليعيد الأمل في إمكانية حلحلة الوضع. إذ أعلنت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس التونسي سينطلق في إجراء حوار وطني يضع من خلاله خريطة طريق واضحة، في ظل وضع سياسي واقتصادي واجتماعي صعب.

وقال مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في بيان له، إن الرئيس التونسي أبلغه بأنه سيكون هناك حوار وطني، وبأن حكومة جديدة ستتشكل خلال الأيام القادمة، وهو ما حدث فعلاً بإعلان تركيبة حكومة نجلاء بودن.

مثّلت هذه الإشارات رسالة طمأنة للداخل والخارج، لكن الأسئلة التي تبقى مطروحةً هي: هل سيكون هناك حوار فعلاً؟ ومع من سيتشاور قيس سعيّد؟ وما هي البرامج المطروحة بعد أن أكد سابقاً أنه لن يتحاور مع الفاسدين، وأولئك الذين يتاجرون بقوة الشعب التونسي، ومقدّراته؟

صمت متواصل

على الرغم من تأكيد بيان الرئاسة الفرنسية أن هناك حواراً وطنياً سيُجرى في تونس، إلا أن رئاسة الجمهورية التونسية التزمت الصمت، وهو ما يفتح باب التساؤلات على مصراعيه، حول هل أن قيس سعيّد جاهز لوضع خريطة طريق واضحة لإنقاذ البلاد من المنزلق الخطير الذي وصلت إليه؟ وهل هو جاهز للجلوس مع خصومه حول طاولة المفاوضات لأجل مصلحة البلاد؟

يرى مراقبون أن بيان البنك المركزي التونسي بخصوص الشح الحاد في الموارد المالية الخارجية، كان بمثابة الصفعة التي ستفرض على سعيّد التسريع في الانفتاح على بقية الفرقاء التونسيين، من أجل إيقاف النزيف الاقتصادي والاجتماعي.

تعليقاً على هذه التطورات، قال أمين عام الحزب الجمهوري، والنائب السابق في المجلس التأسيسي (البرلمان)، عصام الشابي، إن الإجراءات الاستثنائية، وما جاء بعدها من أحداث وخاصة المرسوم رقم 117 ليوم 22 أيلول/ سبتمبر الماضي، أظهر أن قيس سعيّد استغلّ الظرف الصعب الذي تمر فيه البلاد، وحاجة التونسيين إلى الإصلاح، للاستئثار بالحكم، والانقلاب على الدستور، وتجميع السلطات كلها بين يديه.

ويضيف الشابي، أن رئيس الجمهورية لا يؤمن بالحوار، وثقافته ليست ثقافة حوار، لأنه لا يمتلك تجربة سياسية تسمح له بالتعاطي مع المختلفين معه، والبحث عن حلول للأزمات التي تمر فيها البلاد، مذكّراً بأن سعيّد سبق له أن رفض، في السنة الماضية، مبادرة اتحاد الشغل (منظمة وطنية)، التي دعا فيها إلى تنظيم حوار وطني.

ويُعد الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي يضم مليون عضو، لاعباً رئيسياً مؤثراً في الساحة التونسية. وكان قد رحّب بتحرك سعيّد في 25 تموز/ يوليو، لكنه دعاه إلى العمل ضمن إطار الدستور.

وكانت قرارات الرئيس سعيّد في تموز/ يوليو الماضي، بتجميد اختصاصات البرلمان، ورفع الحصانة عن النواب، وترؤس النيابة العامة، وإلغاء هيئة مراقبة دستورية القوانين، وإصدار تشريعات بمراسيم رئاسية، وإقالة رئيس الحكومة، على أن يتولى هو السلطة التنفيذية، بمعاونة حكومة يعيّن هو رئيسها، قد أثارت الخوف من تركيز السلطات كلها بين يديه.

كما أعرب أمين عام الحزب الجمهوري عن أسفه لما يقوم به رئيس الجمهورية، من خلال تداوله في الشأن الداخلي مع رؤساء، ووزراء خارجية، ووفود برلمانية أجنبية، وإقفاله باب الحوار أمام التونسيين، ويضيف الشابي أن رئيس الدولة "يريد أن يقيم نظاماً شبيهاً بنظام الجماهيرية الليبية سابقاً، لأنه لا يؤمن بالتعددية الحزبية، والتمثيل النيابي".

وأوضح الشابي أن "الطريق الوحيد لحل الأزمة، هو الحوار، وكل يوم تأخير سيكون ثمنه باهظاً أكثر على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية جميعها، مستدركاً أن الحوار يجب أن يكون بين أطراف النزاع، وليس بين الجهات المتوافقة".

الحوار مطروح

في المقابل، يقول الكاتب والمحلل السياسي مراد علالة، إن الحكومة التي أُعلن عن تركيبتها الاثنين 11 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، "ستكون مجبرةً على فتح قنوات الحوار مع المنظمات الوطنية، والجهات السياسية، لأن الوضع الاجتماعي والاقتصادي حرج، ومعقد، ولا يحتمل مزيداً من التأجيل".

وكان الرئيس سعيّد قد كلّف المتخصصة في الجيولوجيا، نجلاء بودن (63 عاماً)، بتشكيل حكومة، واضعاً حدّاً لانتظار دام أكثر من شهرين، منذ تاريخ الخامس والعشرين من تموز/ يوليو، الذي قرّر فيه تعليق أعمال البرلمان، وإقالة رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي.

ويؤكد علالة، في تصريحه، أن فترة الإجراءات الاستثنائية التي اتّخذها سعيّد، طالت نوعاً ما، وهناك نوع من التململ والقلق في الداخل والخارج، وهذا لا يتناسب مع الوضع العام في البلاد، وانتظارات التونسيين، كما من شأنه أن يفتح باب التصعيد من الداخل، والتدخل من الخارج.

وأوضح أن الحوار لن يكون كما في السابق، مثل جوار عام 2013، وهو الحوار الذي قاد إلى صياغة دستور جديد، وتنظيم انتخابات رئاسية وتشريعية، أو حتى مثل حوار قرطاج1، وقرطاج2.

"يرى قيس سعيّد أن مهمته هي إرساء عالم طهراني خالٍ من الفساد والتجاوزات، ومشروعه مبني بالأساس على تغيير نظام الحكم". فهل هو قادر على إطلاق الحوار الوطني الذي أعلنت عنه الرئاسة الفرنسية؟

وحسب قراءته، يقول علالة: "إن لجنة الإصلاح السياسي التي قال عنها رئيس الجمهورية، هي التي ستفتح قنوات الحوار مع الأطياف السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، في مسائل عدة، منها تغيير النظام السياسي والانتخابي، وغيرها من الملفات العالقة".

ومنح سعيّد نفسه صلاحية "إعداد مشاريع التعديلات المتعلقة بالإصلاحات السياسية، بالاستعانة بلجنة يتم تنظيمها بأمر رئاسي".

استبعاد حركة النهضة

من جهة أخرى، قال رئيس حركة الشعب زهير مغزاوي، في تصريح لإحدى الإذاعات المحلية (موزاييك)، إنه التقى رئيس الجمهورية قيس سعيّد في مناسبات عدة، وأعلمه بأنه سيدعو إلى حوار إثر إعلان تركيبة الحكومة.

يرى السياسي عصام الشابي أن سعيّد لا يؤمن بالحوار، وثقافته ليست ثقافة حوار، لأنه لا يمتلك تجربة سياسية تسمح له بالتعاطي مع المختلفين معه، والبحث عن حلول للأزمات. فهل سيكون الحوار الوطني في تونس مستحيلاً؟

وأضاف المغزاوي أن ''حركة النهضة (ذات الأغلبية في البرلمان)، لن تُوجَّه إليها الدعوة للمشاركة في الحوار، لأنها جزء من المشكلة، ولأنها المسؤولة عن الخراب في البلاد''، وفق تعبيره.

وكان رئيس الجمهورية قد أكد خلال لقاء جمعه بالأمين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي، أنه لا حوار مع الفاسدين، من دون اتهام أي جهة معينة، مشيراً إلى أن الحوار لا يمكن أن يكون على شكل الحوار السابق، كما لا يمكن أن يكون هدفاً في حد ذاته، بل يجب توفير الأسباب والشروط كلها، لنجاحه.

وفي ظل هذه الأزمة، والصراعات التي لا تنتهي، يتخوف عدد كبير من التونسيين من المزيد من تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، إذ بلغت نسبة البطالة 17.8%، خلال الثلث الأول من عام 2021.

سعيّد انطلق في تحقيق مشروعه

من جهته، قال النائب المجمدة عضويته في البرلمان، مصطفى بن أحمد، إنه لا يمكن في أي حال من الأحوال، أن يكون هناك حوار وطني، مشيراً إلى أن الرئيس سعيّد انطلق فعلياً في تطبيق المشروع الذي تبنّاه منذ البداية، وتجاوز صلاحياته مستغلاً عجز الحكومة، والصورة السيئة التي أرسلها البرلمان من خلال كثرة الصراعات.

ويؤكد بن أحمد، أن رئيس الجمهورية يرى أن مهمته هي إرساء العالم الطهراني الخالي من الفساد والتجاوزات، مضيفاً أن مشروعه مبني بالأساس على تغيير نظام الحكم الذي يسميه بالديمقراطية المباشرة، أي أن الشعب نفسه هو من يجب أن يضع الخطط، والإستراتيجيات الفكرية والاقتصادية، وأن يكون البناء قاعدياً، وأن يكون هناك عدل بين الأغنياء والفقراء.

ويوضح القيادي في حركة تحيا تونس، أن رؤية قيس سعيّد لحل المشكلة الاقتصادية، هي من خلال إجبار رجال الأعمال، وأصحاب الأموال الذين راكموا الثروة على حساب الشعب، على أن يستثمروا أموالهم في المناطق المحرومة والمهمشة.

وقال بن أحمد، إن الشعب التونسي متأزم من الأوضاع وهو في حاجة إلى حلول عاجلة، قبل القيام بأي حوار، لأنه إن كان هناك حوار، فسيكون مثقلاً بخيباته وفشله، لذلك يجب القيام بإجراءات اقتصادية عاجلة جداً، من أجل تجاوز الأزمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard