تونس، كي لا يتكرّر الموت الذي حصل في سوريا ومصر

الثلاثاء 27 يوليو 202106:32 م

مرّت إحدى عشر سنة منذ وفاة إبراهيم قاشوش، المعروف بـ"قاشوش الثورة السورية"، كان صوت القاشوش ممثِّلاً لأولى لحظات الثورة في سوريا، وكانت حنجرته أولى الحناجر التي نادت بإسقاط حكم البعث وحكم الأسد، وكانت أغانيه الثورية تبعث فينا أملاً بالخلاص. لكنني الآن، وأنا أستعيد ذِكرياتي الأولى مع القاشوش، أذكر إحدى الحوارات مع أحد أصدقائي العراقيين سنة 2011 مع بدايات الثورة السورية.

كنّا متحمِّسين لفكرة إسقاط حكم البعث-الأسد في سوريا، وكان صديقي العراقي قد خبر الحرب وخبر ويلاتها ومآلاتها، وكان ينبّهني دائماً إلى أنه لا يمكن للحرب أو للثورة المسلحة أن تكون الطريقة المناسبة للخلاص من النظام في سوريا، وأن الثورة المسلحة لن تقدّم لسوريا إلّا ما قدّمه الأمريكي لبغداد بعد إسقاطها بسنوات.

هل أصاب صديقي العراقي بما توقّعه لمستقبل الثورة السورية؟ وصلتُ، كما الكثير من السوريين، سنة 2016 إلى الاقتناع بصعوبة إسقاط بشار الأسد، ووصلنا، أنا وهو، إلى اتّفاق أن الطريقة الأمثل للخلاص من الديكتاتوريات، هي إمّا في موت الديكتاتور أو في اغتياله مع تجهيز مسبَق من نوعٍ ما. فموته لا يكفي، لأن الدولة العميقة ستكون كفيلة بتحنيطه وبتسليم وريثه كما حصل بعد موت حافظ الأسد وتسليم بشار، أو بإنتاج مثيله كما حصل في مصر بعد "تنحّي" مبارك والانتهاء إلى انقلاب السيسي.

كنّا متحمِّسين لفكرة إسقاط حكم البعث-الأسد في سوريا، وكان صديقي العراقي قد خبر الحرب وخبر ويلاتها ومآلاتها، وكان ينبّهني دائماً إلى أن الثورة المسلحة لن تقدّم لسوريا إلّا ما قدّمه الأمريكي لبغداد بعد إسقاطها بسنوات

"انقلب" الرئيس التونسي البارحة على السلطتين التشريعية والتنفيذية في تونس، وفكرة الانقلاب وحدها كافية لتلمّس أسباب ومآلات ما يحدث. ويبقى السؤال الدائم: إلى متى تعيش دول منطقتنا بين نقيضين: إمّا في ظلال دولة عميقة مستبدّة وفاسدة، وإمّا بهيئة دولة هشّة وضعيفة لا ترتكز على أيّة قواعد دستورية أو سيادية يتمّ فيها الانقلاب "متل شربة المي"؟

المثير للتفكير أن الرئيس قيس بن سعيّد كان قد التقى الرئيس المصري منذ فترة، هل للموضوع من صلة؟ هل تونس على أبواب حرب أهلية جديدة وساحات اعتصام جديدة تشبه اعتصام رابعة؟ أم يكون الشعب التونسي قادراً على ضبط النفس وعلى توجيه الإرادة الشعبية في مسارات دستورية وانتخابية، تؤسّس لشيء جديد وعلى قواعد صلبة جديدة؟ هل بدأ سيناريو رابعة باعتصام الغنوشي أمام مقرّ البرلمان التونسي؟

لا يمكن أن يكون للموت سبب، كما لا يصحّ أن يكون الموت فعلاً إراديّاً

الاشتباكات بدأت بالفعل أمام مقرّ البرلمان، وبصوت صديقي العراقي أقول، وبصوتي السوري أيضاً، وبصوت اليمني والمصري والليبي: لا يمكن أن يكون طريق الدم هو الطريق المناسب للتغيير. الدماء لا تأتي إلا بالدماء، ولا بدّ لبرلمانات هذه المنطقة أن تحقّق ما أُسّست لأجله من صناديق وأصوات، من خلالها فقط يكون التغيير. وأنا هنا أكتب بعاطفتي، لا بمعرفتي بالحياة السياسية التونسية.

لكنّ رفض الدماء ورفض الموت ورفض مآلات اللجوء والمخيّمات ورفض الاغتراب القسريّ لا يحتاج إلى معرفة سياسية بقدر ما يحتاج إلى القدرة على تنبُّؤ ما يمكن للديكتاتور (أو من يطمح لأن يكون ديكتاتوراً بمساعدة خارجية!) فعله في سبيل تحقيق ما يريد. هل أدعو للرضوخ لقرار الرئيس التونسي وإلى التسليم بانقلابه على الدولة التونسية؟ أم أنني أدعو لتأجيل المعركة، لتحويلها من معركة بالدمّ إلى معركة بالدستور وبالقانون؟

لا شكّ بأن ملايين التونسيين يؤيّدون الرئيس التونسي، ولا شكّ أن ملايين أخرى من التونسيين تقف ضدّه. هذا الانقسام وهذه المعادلة هي قنبلة دموية وعلى التونسيين تفكيكها وتأجيل أثرها إلى وقتٍ ما وفعل دستوري من نوع آخر.

لا يهمّ من يحكم تونس، أكان إخوانياً أم علمانياً أم كان من عباءة النظام القديم، ما يهمّ بالفعل هو الطريقة التي سيأتي بها هذا الحاكم، هل هي طريقة دستورية انتخابية، أم أنّها طريقة انقلابية، أم دموية، أم أنّه سيأتي من خلال الانتخابات بنتيجة 95.1 بالمئة؟

شاهدتُ البارحة الإعلامي عمرو أديب فرحاً وهو يهلِّل للرئيس التونسي لقضائه على آخر عواصم الإخوان العرب، وشاهدتُ أحد الإعلاميين الآخرين وهو يحرِّض التونسيين على الخروج إلى الشوارع ويدعوهم إلى اعتقال الرئيس قيس بن سعيّد. وسمعتُ مسبقاً الكثير من الإخوان المصريين المقيمين خارج مصر يدعون إخوان الداخل المصري إلى الثورة وإلى الخروج إلى الشوارع مع كلّ ذكرى للثورة المصرية أو لاعتصام رابعة، ورأيتُني قبل الـ 2016 أنادي سوريّي الداخل بالثورة وإنْ على استحياء لتواجدي في الخارج.

لا يهمّ من يحكم تونس، أكان إخوانياً أم علمانياً أم كان من عباءة النظام القديم، ما يهمّ بالفعل هو الطريقة التي سيأتي بها هذا الحاكم، هل هي طريقة دستورية انتخابية، أم أنّها طريقة انقلابية، أم دموية

الأصوات كثيرة والكلام هيّن والتنظير السياسي أهون، لكنْ من يمكنه تحمُّل تبعات الحروب؟ ومن يمكنه إرسال نفسه للموت والتشريد والتجويع واللجوء؟ من كان يريد فعلاً دعوة التونسيين إلى الثورة بأحد الاتِّجاهين، ضدّ الرئيس التونسي أو ضدّ الإخوان، فليحجز لنفسه بطاقة طائرة مع أوّل رحلة إلى تونس، وليذهب هناك وليصرخ كيف شاء.

هل أنا من أولئك الانهزاميين ومن بقايا وفلول الثورات وممّن فشلوا بثوراتهم فراحوا يحذّرون الآخرين من الثورة ومن نهاياتها؟ قد أكون، لكنّني أعلم أنه لا يوجد سبب واحد في هذا الكوكب يدعونا لإسالة قطرة دمّ واحدة. لا يمكن أن يكون للموت سبب، كما لا يصحّ أن يكون الموت فعلاً إراديّاً.

أمّا دمك فسيكون بعد موتك شمّاعة لدماء أخرى، وسيكون اسمك عنواناً لحروب لن تنتهي. سيأتي أناس وسيحمِّلونك أهدافاً وغايات لم تكن لتعرفها ولم تكن لتؤيّدها. أمّا بخصوص الأسد والسيسي وسواهما، فالوقت، عاجلاً أم آجلاً، سيذهب بهم إلى صفحات الماضي المنسيّة، وسيكون للأجيال القادمة أن تبني هذه البلاد من تحت قبب برلماناتها.

إذا كان طريق التغيير هو ذلك الطريق الذي مرّت به اليمن وسوريا ومصر وليبا، فماضي تلك الدول لا شك أفضل من حاضرها. أعرف وأؤمن بأنّ أهداف الثورة السورية قد تكون حقيقة مرئية سنة 2030 أو 2035، وأننا سننتهي أخيراً من الحكم البعثي، لكنّ عشرين سنة من الموت والتجويع والتشرّد واللجوء لملايين من البشر تضعنا أمام معادلة صعبة، من جرّبها وعاشها لا يتمنّاها لسواه.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard