الثقافة والغناء وتعبيد الطغيان... مناشدات المثقفين لبناء الديكتاتورية في تونس

الاثنين 2 أغسطس 202103:31 م

من لم يحفظ عبارة الألماني المنتحر جوزيف جوبلز، وزير الدعاية السياسية النازي في عهد هتلر "كلما سمعت كلمة مثقف تحسست مسدسي". كانت عبارة تشير إلى موقف الديكتاتورية من المثقف الحر، لكن جوبلز لم يتحدث عن حقيقة الدور الآخر الذي تلعبه الثقافة في أزمنة الديكتاتورية عندما تعبد له طريق التمكين.

لم ينتظر المشهد الثقافي والفني في تونس ساعات، بعد ما حصل من أحداث سياسية، ليخرج علينا مناشداً الرئيس، في مشهد ذكرنا بمناشدة المثقفين للدكتاتور زين العابدين بن علي، للترشّح إلى ولاية أخرى غير شرعية قبل الثورة. وانتشرت قائمة الإمضاءات كالنار في الهشيم على شبكات التواصل الاجتماعي، بعد أن خرجت تحت مسمى بيان "30 شخصية وطنية"، لا ندري من أعطاهم هذه الصفة دون غيرهم. وتحولت هذه القوائم إلى قوائم شعبية: كلٌ يريد أن يلتحق بالوطنية التي يكفي أن تمضي لتصبح ضمنها، ويكفي أن تمتنع عن الإمضاء لتكون خارجها.

لم يعط المثقف التونسي فرصة لنفسه حتى الفرصة التي أعطاها الرئيس لنفسه ليفهم نفسه ويناشد نفسه أو يتراجع، وهي فترة ثلاثين يوماً، بل إن الرئيس قال إنها اجراءات وقتية واستثنائية، تنتهي بانتهاء أسبابها وربطها بالخطر الداهم، بينما تسابق المثقفين في تونس إلى تحويلها إلى أبدية والمطالبة بخارطة طريق، وكأنهم بذلك يخلعون عليها الشرعية الكاملة. وانطلقت حملات التخوين والعنف في مواقع التواصل الاجتماعي، وإخراج المعارضين أو حتى المتسائلين من الملة الوطنية. وانتشرت ثقافة "الوشاية عمل وطني"، عبر التقاط صور التدوينات المخالفة لما سماه الحقوقي، جوهر بن مبارك، بـ"الفونطازم".

لطيفة على الخط والخطأ الجسيم

أطلقت بسرعة المغنية المقيمة بمصر، لطيفة العرفاوي، أغنية اعتبرتها وطنية، تقول بعض كلماتها "والي موش عاجبو على برا". إن حق الاختلاف أو حتى الانحراف النسبي في إبداء التفاعل والانفعال سيبقى مقبولاً لو ظلت الأغنية على حساب المغنية فقط، لكن الخطير أنها نزلت بالتزامن على حساب رئيسة ديوان الرئيس، والتي لم تنشر شيئاً منذ تهنئتها للشعب بعيد الجمهورية تموز/جويلية 2021، تاريخ بداية الأحداث وإعلان القرارات الجديدة، نزول الجيش للشارع وتعليق أعمال البرلمان بعد تفعيل وتأويل الفصل 80.

لم ينتظر المشهد الثقافي والفني في تونس ساعات، بعد ما حصل من أحداث سياسية، ليخرج علينا مناشداً الرئيس، في مشهد ذكرنا بمناشدة المثقفين للدكتاتور زين العابدين بن علي، للترشّح إلى ولاية أخرى غير شرعية قبل الثورة

ظل قسم كبير من الشعب وهو يتابع تصريحات الرئيس قيس سعيد متفائلاً قليلاً بالعودة للمسار الديمقراطي، فهو لم ينفك يؤكد على حماية حرية التعبير والمسار الديمقراطي، وأن الاجراءات الاستثنائية فقط لحماية المؤسسات، إلا أن تبني هذا الخطاب الاقصائي في هذه الأغنية من رئيس الديوان الرئاسي أصاب الناس بالرعب. ماذا يعني "الي موش عاجبو على برا"؟ أليس هذا تهديد للمسار الديمقراطي بالكامل؟

إن التهديد بالنفي والطرد، وربما حتى بالتصفية، فكلمة "على برا" حمالة أوجه، يضع النظام في مأزق، لأنها لم تعد جملة على لسان لطيفة العرفاوي، بل على لسان رئيسة ديوان الرئيس والناطقة باسمه.

قد نرجع ذلك إلى محدودية ثقافتها، ولكن مراجعة صور الرئيس قيس سعيد في مصر، وقرب السيدة المديرة من لطيفة العرفاوي التي في الصور معهم، تطرح سؤالا أخطر: هل تم إنتاج هذه الأغنية بطلب من رئيسة الديوان، لكي تتبناها وتنشرها عندها ولم تشاركها حتى من حساب المطربة؟

أين تكمن الخطورة؟

إن الاحتجاج الكبيرة الذي نقرأه من التوانسة على هذه الأغنية وتوظيفها وما تهدد به المختلفين وأصحاب الآراء الأخرى وتهديدها للحريات، يجعل من الرئاسة مطالبة بتوضيح إذا أرادت أن تواصل في رعايتها لحرية التعبير. 

فقد كان الغناء على مدى التاريخ العربي لصيقاً بالدكتاتوريات ويجند لتثبيتها والتغطية على عيوبها، ولا فائدة من التذكير بالذي كانت تفعله أم كلثوم في عهد عبد الناصر، ولا بالذي كان يفعله  عبد الحليم وعلية في عهد بورقيبة، ولا داعي للتذكير بالذي كان يحصل في المقابل للأصوات المختلفة للكتاب والفنانين والشعراء كالشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم...

كان الغناء على مدى التاريخ العربي لصيقاً بالدكتاتوريات، ولا فائدة من التذكير بالذي كانت تفعله أم كلثوم في عهد عبد الناصر، ولا بالذي كان يفعله عبد الحليم وعلية في عهد بورقيبة، ولا داعي للتذكير بالذي كان يحصل في المقابل للأصوات المختلفة كالشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم

إن تهافت المثقفين والفنانين لتقديم الولاء حوّل الأمر إلى حفلة مبايعة تنذر بخطر كبير يهدد التجربة الديمقراطية التونسية، وعلى المشهد الثقافي أن يتعقلن، فهذا المثقف الذي كان طوال سنتين يقول إنه لا يفهم شيئاً من خطاب الرئيس، صار بقدر قادر يفهم كل شيء من دون العالم كله، وقف ليخوّن في بعضه على الهوية، ضمن هيستيريا تبريرية لكل الأخطاء الاتصالية التي تحدث.  هذا المشهد السوريالي الثقافي في ظل مشهد سياسي متحرك يجعلنا نسمع صوت عبد الله القسيمي ملعلعاً: "أيها العقل من رآك".

إن تاريخ تصفية المثقفين من السلطة يوازيه تاريخ كامل لانحطاط المثقف وانبطاحه أيضاً، ولم يتحول زين العابدين بن علي وبشار الأسد ومعمر القذافي وحافظ الأسد ومبارك وعلي عبد الله صالح وصدام حسين، واقترابهم من العم كيم جونغ أون، إلا بفضل هؤلاء الذين يعيشون دائماً في "شوق إلى الديكتاتورية" التي كتبنا عنها هنا قبل عام بعنوان: "حبيبنا كيم جونغ أون... عن الشبق الدامي وشوق العرب إلى الديكتاتورية".

كل ما نتمناه هو التريّث ومراجعة هذا الخطاب الخطير والتصدي له كيلا ننجرف إلى ديكتاتورية أسوأ من سابقاتها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard