"أشعر بأنه يغني خصيصاً لأجلي"... شباب أردنيون يفسّرون عشقهم لجورج وسوف

الاثنين 27 سبتمبر 202103:18 م

في كل مكان، هناك ما نطلق عليه تعبير "أبجديات الحياة". منها ما هو متشابه بين المجتمعات جميعها، ومنها ما يختلف اختلافات بسيطة، حسب خصوصية كل مجتمع. في الأردن مثلاً، هناك أبجديات حياتية كالماء، والكهرباء، والخبز، وجورج وسوف!

وحتى نبتعد عن المبالغة، أو إطلاق الحكم المطلق، لا بد من توضيح أن تلك الأبجدية الحياتية تخص فئة محددة في المجتمع الأردني، وتحديداً الذكور ممن هم في سن الشباب.

لدى بعض الشباب الأردنيين، هناك أبجديات حياتية كالماء، والكهرباء، والخبز، وجورج وسوف!

جاءت فكرة كتابة هذا التقرير، بعد الصور التي انتشرت لحفل الفنان السوري جورج وسوف، يوم الجمعة الفائت، ضمن فعاليات مهرجان "جرش" في الأردن. من يشاهد الصور

والمقاطع المصورة، يتوقف عند أكثر من تفصيل، أهمها أن الحفلة كانت قائمة على صوت الجمهور الذي ملأ المدرج، فكان وسوف يستهل أغنيته بعبارة واحدة، ويكمل جمهوره ما تبقى منها.

ومن التفاصيل الأخرى، الأعداد الكبيرة للحاضرين، ما ضرب بعرض الحائط أوامر قانون الدفاع كلها، الذي يمنع ويحذر من عقوبة التجمعات، مخافة انتشار فيروس كورونا. حتى هذه اللحظة، يوجد تضارب في المعلومات حول العدد الفعلي للذين حضروا الحفل، لكن عيون صحافيين كانوا هناك، استطاعوا أن يقدّروا أنه تجاوز الستة آلاف شخص.

هذا أمر بالنسبة إلى عشاق "سلطان الطرب"، طبيعي، فما هو ممنوع لدى الجميع، مسموح لمحبي "أبو وديع".

"مطرب يلعب على الأوتار كلها"

يميّز مصطلح "أبو وديع"، الأردنيين، في مدى حبهم لجورج وسوف، فمن يسمع عنه، أو لا تستهويه أغانيه، يسميه باسمه كما هو، أما إذا كان منتمياً بكل إخلاص إلى نادي عشاق الوسوف، فبالتأكيد سيناديه بلقب "أبو وديع"، الذي اعتاد كثيرون من محبيه، من مختلف البلدان، استخدامه.

تحدث رصيف22، مع مجموعة من الشبان الأردنيين، سعياً لمعرفة أسباب تعلقهم بـ"أبو وديع". منهم من ربط أغانيه بفترة المراهقة، ومنهم من يذكّره سلطان الطرب بالحب الأول، ومنهم من يرى أن أغانيه لا تقل أهمية عن كريات الدم البيضاء!

هذا التشبيه، جاء على لسان عبد العزيز الياسين (31 عاماً)، فما إن سألناه لماذا يحب جورج وسوف، حتى استرسل دون توقف، في استعراض الأسباب: "أبو وديع لديه أغانٍ للناس كلهم، وللحالات كلها: للصغير، والكبير، وللأم، وللأب، للغني، وللفقير، وللشخص العادي، وللشخص الظالم، وحتى للزعران. هذا الشخص يلعب على الأوتار كلها، وللأوقات كلها".

وأضاف عبد العزيز، الذي يستمع إلى أغاني وسوف، مذ كان في الرابعة عشر من عمره: "أكثر الأغنيات التي أحبها، هي صياد الطيور، وسهرت الليل، ومريم. أحكيلك شغلة؟ عندما يحب شاب فتاة، يحرص أن يُسمِعها أغاني ‘أبو وديع’، حتى لو كانت زعلانة من حبيبها بتبطل زعلانة منه!".

ويؤكد عبد العزيز على أنه يستمع إلى أغنيات وسوف في كل وقت ومكان: "في البيت، وفي السيارة، وأنا باكل، وأنا على التلفون، حتى وأنا بتحمم. من يستمع إلى ‘أبو وديع’، يشعر بأنه صديقه، وبأن صوته يتسلل إلى العقل والقلب والروح، ويكمل كل شيء ناقص، مثل كريات الدم البيضاء".

وختم الشاب حديثه بمفاجأة طريفة، إذ قال: "والدي ملتزم جداً، ولا يستمع نهائياً إلى الأغاني، وإذا سمع صوت أغنية في البيت، يطلب فوراً إيقافها، إلا إذا كانت لجورج وسوف!".

"أبو وديع لديه أغانٍ للناس كلهم، وللحالات كلها: للصغير، والكبير، وللأم، وللأب، للغني، وللفقير، وللشخص العادي، وللشخص الظالم، وحتى للزعران. هذا الشخص يلعب على الأوتار كلها، وللأوقات كلها"

‏صوت و"كاريزما"

"شاغلنا وعنا مشغول وبعدك أغلى حبايبنا". هذا المقطع من أغنية "دبنا ع غيابك دبنا"، يصدح على الدوام في رأس خالد شلبية (36 عاماً)، ويقول إنه منذ مراهقته، كانت الخيارات كثيرة أمامه، بما يخص الاستماع إلى الأغنيات والموسيقى، "ربما حبي للّون الطربي، جعل الوسوف الأهم والأقرب إلى قلبي"، يضيف.

ويستذكر خالد تلك الفترة من حياته جيداً، ويقول: "كنت مراهقاً، بمشكلات مع أهلي، وببثورٍ على الوجه، وبأحلامٍ لا أجرؤ الآن على تذكّرها. وكنت أبحث عن أي فتاة، لأقول لها شعراً رديئاً كتبته على دفاتر خبّأتها، لئلّا يُفتضَح أمري. كان الوسوف هو الوحيد الذي أجد عنده تعبيراً عن الأفكار التي كنت أحس بها، وأشعر حين أستمع إليه، بأنه يقول تماماً ما أود قوله، ومنعتني لغتي القاصرة، وخبرتي الضحلة، من التعبير عنه، كما أريد".

ويكمل الشاب حديثه، بنبرة لا تخلو من العاطفة: "عشت سنوات من الاستماع إليه، في غرفة النوم المغلقة، وعلى وقع كتابة رسائل إلى بنت الجيران، أو قصص حب عشتها في مخيلتي، أو في سيارة السرفيس، وأزقة البلد وحاراته، ومحالّ الكاسيت. كان هذا الشخص، وما زال، ظاهرة لن تتكرر. صوته والكاريزما التي يمتلكها جعلاه محبوباً لدى الجميع من أبناء جيلي، والأجيال السابقة، وحتى اللاحقة".

"أصحاب المزاج الرائق"

يعود بنا العشريني أسامة الطراونة، وهو طالب في كلية الطب، إلى ذكرياته في عشق السلطان "أبو وديع"، مع الأغنية الأولى التي سمعها له، وهي "طبيب جراح"، من ثم "وجدت نفسي أكبر، ودخلت في مرحلة المراهقة، وأحببت ‘أبو وديع’ أكثر فأكثر، خصوصاً عندما تعرفت إلى أغانيه القديمة، مثل حلف القمر، وترغلة، وموال ليلة وداعك".

يكفي أنه، طوال عمره الفني، يغني للمساكين، والمتعبين مثلي. كلماته تشبه كلماتنا ومشاعرنا.

"كبرنا شوي، وصرنا نهتم بتفاصيل أغانيه أكثر"، يقول أسامة، عادّاً أن جورج وسوف وصل إلى "قمة القمة، عندما غنّى كلام الناس. صوته كان واصلاً إلى مرحلة مخيفة فيها!".

لا يعتقد أسامة بأن هناك سبباً واضحاً وراء عشقه لوسوف، "لكن من يستمع إليه، بالتأكيد هو صاحب المزاج الرايق، وكل همه في الدنيا أن يكون ‘مروّق’. هذا الأمر متوفر في مزاج ‘أبو وديع’ وأغانيه. يكفي أن هذا الفنان يجمع الكل، من الأزعر إلى أكثر شخص عاقل ومؤدب، المهم أن يكون شخصاً ذا مزاج رائق".

"حب بالوراثة"

يستمع عمر المحروم إلى "أبو وديع"، منذ أن كان في الحادية عشرة من عمره. يقول: "كنت أنتظر كل سنة ألبومه الجديد، وأجمع مصروفي الذي كان بالكاد يكفيني من أجل شراء ‘كاسيت أبو وديع’".

"طبيب جراح، ودول مش حبايب، وزمن العجايب، وأنت غيرهم، وسلف ودين، وإتأخرت كتير؛ هذه الأغاني كلها، وما قبلها، وما بعدها، أحفظها عن غيب"، يقول عمر، ويضيف: "ابنتي عمرها خمس سنوات، وتعتقد أن اسمه ‘أبو وديع’، حسب ما اعتادت أن تسمع مني، وتعرف أن أباها يحبه جداً، وبدأت ألاحظ أنها باتت تحب أغانيه"، ويختم ضاحكاً: "حب ‘أو وديع’ بالوراثة".

أما أحمد النمري، فيقول ضاحكاً، وهو يحكي عن تجربته مع جورج وسوف، إن أغنية "قلب العاشق دليله"، قد "خربت بيته"، ويتابع مفسراً: "هناك عبارة في الأغنية تقول: ‘دي ملاك كلها إحساس’، وقد تجرأت وأهديتها إلى حنان ابنة الجيران التي كنت أحبها، لكن لم أتوقع أن يكون رد فعلها بأن تهديني أغنية أخرى لسلطان الطرب، ‘عشاق آخر زمن’. ويختم ضاحكاً: "كان عمري وقتها 16 سنة، وعاشق آخر زمن!".

"عمري من عمر تغيّر طبقات صوته"

لم يكن للتقرير أن يكتمل، من دون أن نتحدث مع سائق سيارة أجرة في عمان، مع تمتع سلطان الطرب بشعبية كبيرة بين هذه الشريحة المعروفة بحبها لأغنياته. التقينا سائقاً ستينياً كان يقف في طابور سيارات الأجرة، داخل أحد مراكز التسوق، وعرّف عن اسمه بـ"أبو العز"، وسألناه سريعاً: "لماذا تحب جورج وسوف؟".

"أحلى لحظة بتكون، وأنا مروّح على البيت، بعد 12 ساعة سواقة، من شمال عمّان لجنوبها، وبسمع لـ’أبو وديع’، بشعر إنه بغنّي عشاني، عشان يريّحني، ويفرّحني، وكأنه بقولي يعطيك العافية"

أجاب، بعد أن أخفض صوت المسجل الذي كانت تصدر منه أغنية "روحي يا نسمة عند الحبايب": "بكفي إنه عمري من عمر تغيّر طبقات صوت ‘أبو وديع’"، وأضاف: "كبرنا، وكبر معنا حبنا له، حتى هو شخصياً كبر معنا. عندما تسمعين صوته، ستعرفين لماذا يحبّه سائقو التكاسي. نحبه لأنه تعب وشقي مثلنا، في هذه الدنيا".

وهنا، توقف أبو العز عند هذه العبارة، ودندن بصوت ملؤه التعب، وعيناه باتجاه طابور السيارات التي ينتظر سائقوها خروج زائري مركز التسوق: "عادي يا دنيا عذابك، أنا لا شايفك، ولا عامل حسابك، خليني فيكي أعدّي، لا تاخدي ولا تدي، دا إنت كل الي فيكي، يعدي سابك!".

"من قال لك إن جورج وسوف شقي في الدنيا مثلك؟"، سألناه فأجاب: "ربما لم يذق طعم التعب الذي ذقته، معك حق، لكن يكفي أنه، طوال عمره الفني، يغني للمساكين، والمتعبين مثلي. كلماته تشبه كلماتنا ومشاعرنا".

يتحدث أبو العز، قبل أن ينصرف إلى عمله، عن أجمل لحظات يومه، بشغف وعاطفة: "أحلى لحظة بتكون، وأنا مروّح على البيت، بعد 12 ساعة سواقة، من شمال عمّان لجنوبها، وبسمع لـ’أبو وديع’، بشعر إنه بغنّي عشاني، عشان يريّحني، ويفرّحني، وكأنه بقولي يعطيك العافية"، وينهي حديثه بمقطع من الأغنية ذاتها: "بإيديا طيبت جراح... ريحت الكل ولا برتاح!".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard