"موعد نزوله كان يوم عيد"... ذكريات الكاسيت في مصر

السبت 22 أغسطس 202005:50 م
لم يكن ناصر رمضان، الذي يقترب من نهاية عقده السادس، يعلم أن محله الصغير لشرائط الكاسيت في حي الدقي، في القاهرة، يمكن أن يصبح فارغاً بعدما كان مكتظاً بالزبائن، صيفاً وشتاء، بسبب الطفرة التكنولوجية التي حدثت وأوقفت صناعة شرائط الكاسيت، وأصبحت الموسيقى متاحة لكل من يملك هاتفاً ذكياً يتصل بالإنترنت.

يجلس ناصر، أو كما يسميه زبائنه باسم "ناصر كاسيت" لعمله في شرائط الكاسيت منذ 25 عاماً، وحيداً، يتذكر العصر الذهبي لشرائط الكاسيت، والتحولات التي طرأت على مجال الموسيقى خلال العقود الثلاثة الماضية، في كشك صغير لا تتجاوز مساحته 6 أمتار، يتوسط شارع تكسوه الأشجار يميناً ويساراً، يبدأ ناصر بإزاحة الغبار عن أشرطته، وإعادة ترتيبها من جديد.

"عشت أحلى أوقات المزيكا"

في نهاية الثمانينيات، بدأ ناصر مهنة بيع شرائط الكاسيت في ميدان مصطفى محمود، وسريعاً ما اشترى كشكاً في منطقة راقية في القاهرة، وبدأ رحلته، بعشرين شريطاً.

صُنعت شرائط الكاسيت في الستينيات، وأصبحت عنصراً أساسياً في المنزل، وذلك لسهولة حملها وسعرها الرخيص نسبياً مقارنة بالأسطوانات والجرامافون، ومع ظهور جهاز Walkman من سوني في ثمانينيات القرن الماضي، بدأت صناعة الموسيقى تأخذ شكلاً ثورياً.

"أكثر الشرائط التي بعتها خلال التسعينيات كان شريط "لولاكي" للمطرب الليبي علي حميدة، ولم يأت مثله، العيّل في بطن والدته كان حافظ الأغنية"

عقد التسعينيات يعتبره البعض العقد الذهبي للموسيقى الشبابية، يقول ناصر لرصيف22: "إنه العقد الأروع بالنسبة لي، في البيع والتوزيع أو حتى في إيقاع الموسيقى، ده كان أحلى وقت أصلاً من ناحية بيع أو سمع أو توزيع".

يرى ناصر أن بداية التغيير في الموسيقى بعقد التسعينيات كان أساسها حميد الشاعري: "دخل في مزيكا جديدة خالص، هو عمل علاء عبدالخالق وهشام عباس وفارس ومصطفى قمر وإيهاب توفيق".

"يوم نزول شريط جديد"

"ليلة نزول شريط جديد، كانت تشبه وقفة العيد، نظل منتظرين طوال اليوم لا نغلق"، هكذا يصف ناصر الحدث الأهم في تجارته، موضحاً: "من الساعة 6 صباحاً نذهب إلى الشركة لاستلام عدد الشرائط، وحين أعود إلى الكشك أجد عشرات المستمعين منتظرين الحصول على أول نسخة، مراكز التوزيع ليها كميات غير الكشك والمحل، أنا كنت بشتري من الشركة وبروح استلم بردوا من مركز التوزيع".

يرى ناصر أن عمرو دياب أكثر فناني التسعينيات والألفينيات بيعاً، حتى بعد توقف إنتاج الشرائط: "بصفة عامة، أفضل شرائط تباع كانت للمطرب عمرو دياب، مبنلحقش نبيع الشرائط، في شرائط "ليلي نهاري"، و"أكتر واحد بيحبك"، كرتونة الشرائط كانت بتخلص أول ما بتتفتح، مكنتش بلحق أرصّ الشرائط، بنقعد أسبوعين أو شهر نبيع في عمرو دياب لو نزل شرائط، وفي بداية نزول السي دي، ويأتي من بعده محمد فؤاد ويليهما محمد منير، لكن في فرق بين عمرو دياب ومحمد منير، عمرو الشرائط تخلص في أول شهر، محمد منير أفضل أبيع فيه طول العام".

يشير ناصر إلى أن أكثر الشرائط التي باعها خلال التسعينيات كان شريط "لولاكي" للمطرب الليبي علي حميدة، ولم يأت مثله، قائلاً: "العيل في بطن أمه كان حافظ الأغنية، كنا بنبيع ليل نهار".

لكن ماذا عن أنواع شرائط المطربين، هل كل ألبومات الشرائط واحدة؟ بالطبع لا، هذا ما يقوله ناصر، الذي يصنف المطربين والمطربات إلى نوعين: "في لغة السوق عندنا، في حاجة عندنا اسمها فرشة، مطرب بينزل فرشة بس، يعني يوم نزول الشريط بس، سوا أسبوع أو 10 أيام، لكن في مطرب ممكن يفضل مكمل معاك تبيع شرائط قديمة وجديدة".

التطوُّر نحَّى الكاسيت جانباً

على الرغم من انهيار صناعة الكاسيت في مصر، وسيطرة مواقع الموسيقى الرقمية، المدفوعة منها والمقرصنة، ظلت فئة تسعى وراء الشرائط الكاسيت، متجاهلة الموسيقى الرقمية، يقول ناصر: "أنا ليا كمان زبون بيحب السي دي، هو خياله ودماغه كدة، والموضوع مش مرتبط بالسن، بيكونوا شباب وطلبهم السي دي الأصلية".

يقول ناصر: "سوق الكاسيت بدأ ينهار من سنة 2010، وفي كل عام ينحدر 10%، حتى 2013 أوقفت شركات الإنتاج شرائط الكاسيت، كما أن عدداً كبيراً من شركات الإنتاج أغلقت، بالإضافة إلى انتشار مواقع الأغاني والموسيقى المقرصنة والشرعية".

"شرايط التسعينيات هي الأكثر طلباً، يعني في ناس كتير هدفها تشتري مجموعة كاملة لمطرب ما، وبيكون مزاج عنده يكون عنده مجموعة شرايط للفنان اللي بيحبه، وبيلف الدنيا عشان يجمع الألبومات كلها، وغالباً بيكون إما حميد الشاعري أو جورج وسوف أو محمد منير، أنا مطلوب مني مجموعة شريط وسي دي لعمرو دياب، ممكن يجيلي من اسكندرية دلوقتي"، يقول ناصر.

أحد أبرز المواقف التي طلب فيها زبون من ناصر كانت منذ أسابيع، يقول ناصر: "جاء زبون وطلب مجموعة شرائط كاملة لعمرو دياب، وده صعب جداً أوفره، لأن عمرو عمل مع "صوت الدلتا" و"عالم الفن" و"روتانا"، دلوقتي مبقاش لروتانا في مصر شرائط، كمان صوت الدلتا أغلقت، كدة شرائط راجعين وشوقنا وميال وتقريباً 13 ألبوم ضاع، لأن مصدر الإنتاج توقف".

"أنا أما بمسح الشرايط كل شريط ليه ذكرى معاية، وأنا لو مش بياع كاسيت وليا موقف مع الشريط ده هقلب الدنيا عشان أشتريه، شريط أبحث عنك لكاظم الساهر، له ذكرى عندي: أول يوم عمل وأنا أرتب الشرائط في هذا الكشك دخلت امرأة وسألت عنه واشترته، وكان ذلك أول شريط أبيعه هنا"، يقول ناصر.

"كل شريط ليه ذكرى معاية".

يشير ناصر إلى وجود زبون آخر يفضل الشرائط القديمة، ويعتقد أنه أساس البيع: "ده الزبون اللي بيشتري مني دائماً، بيجي يطلب نجاة، أم كلثوم، عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ، ويفضل شراء مجموعة كاملة أيضاً، وأحياناً يشتري نسختين من الشريط ذاته، وحتى الآن يأتي البعض ويقول: الصوت مكتوم على الكاسيت".

مشاعر تنتقل عبر الشرائط

على بعد مئات الأمتار من كشك الثورة، يستقر الخمسيني يسري شعلان، في ميدان مصطفى محمود، في الجيزة، في مهنته التي ما زالت تصارع للبقاء أمام انتشار الموسيقى الرقمية في الفضاء الإلكتروني.

"الشرايط مش أغاني وخلاص أو موسيقى بتتغنى يترقص عليها في أي حفلة، المراسلات كانت بتتنقل على شرائط من دولة لدولة"، هكذا يصف شعلان وضع شرائط الكاسيت قبل أن يتوقف إنتاجها، مضيفاً: "في فترة الثمانينيات والتسعينيات كان المصريين اللي في الخليج والدول العربية بيسجلوا شرايط يحكوا فيها حالهم وحياتهم لأهلهم، ساعتها كانت تكلفة المكالمة الدولي غالية، كان الشريط بقى بيتم إعادة استخدامه سواء من اللي هنا أو اللي برة".

يقول شعلان لرصيف22، إنه يعلم أن مهنته كأي مهنة تمر بمراحل نمو ثم ازدهار واضمحلال، لأنها تعتمد على سلعة تتطور بين الحين والأخر.

عودة خافتة

الأمر لا يقتصر على استماع نغمات موسيقية وصوت مطرب، هكذا يصف شريف إبراهيم (37 عاماً)، محاسب في إحدى الشركات الخاصة، اعتاد بين الحين والآخر شراء شرائط كاسيت، يرى أن الحالة التي تخلقها له مغايرة عن الموسيقى الرقمية التي يستمع لها عبر الهاتف أو الكمبيوتر.

"الأيام أصبحت سريعة والساعات تمر كالريح"، يضيف إبراهيم لرصيف22: "أشتري شرائط لمطربين قدامى، عشان أعيش معاها نفس الحالة اللي عشتها، أنا بحب ملمس الشريط والورق اللي بيكون جواه، وأما بكون فاضي ورايق بسيب الموبايل وبعيش الجو ده".

"الشريط حالة"

الحالة التي تخلقها شرائط الكاسيت بذكرياتها تسيطر على البعض، تحكي آية أحمد (27 عاماً)، تفاصيل ذكرياتها مع شرائط الكاسيت، حينما كانت تدخل غرفتها، وتطفئ الأنوار، وتشغل الشريط.

تقول آية التي تسكن في القاهرة لرصيف22: "كنت بتبسط أوي، لحد لما ضاع مني أكتر شريط كنت أفضله، للسيدة فيروز، كان شريط "قديش كان في ناس"، اتضايقت أوي، وكنا أما بنطلع مصيف بناخد الشرائط معانا، ونشغل أغاني الزمن الجميل".

كان لآية ذكريات مع الشرائط، خاصة مع فيروز وراغب علامة، حتى أنها كانت تحفظ الأغاني بترتيبها، وتقول: "كمان شريط حكيم بتاع نظرة، والأغنية دي كانت شغالة في سبوعي".

"الموسيقى الرقمية أسهل، وكانت نقلة في المرحلة الأولى من شراء الكمبيوتر وكان الأمر أيسر إذا لم أجد شريطاً، بالإضافة إلى توفير المال"، تقول آية.

"كان المصريين اللي في الخليج والدول العربية بيسجلوا شرايط كاسيت يحكوا فيها حياتهم لأهلهم، كانت تكلفة المكالمة الدولي غالية، كان الشريط وسيلة اتصالات بين كل الناس"

"الجيل الذي يقترب من إكمال العشرين عاماً، من أبرز الأجيال التي شهدت النقلة من الجيل الشرائط البلاستيكية إلى الموسيقى الرقمية"، هكذا ترى نانسي حليم (27 عاماً).

وتضيف نانسي إن محدودية الموسيقى المعروضة أمامنا في فترة إنتاج الشرائط كان لها قيمة عن الأغاني والموسيقى، التي تُنتج، وتُبث على المواقع الإلكترونية.

وتضيف نانسي لرصيف22: "في زمن شرائط الكاسيت، الواحد كان مزنوق في زاوية معينة، بيسمع عدد قليل من المطربين ويعرف ليهم أغاني معينة، وده كان بيدي للمطربين ميزة وعيب، يعني في وجهة نظري الميزة كانت في أن المطرب أو المطربة بيتعبوا على أغنيتين أو تلاتة ويكونوا جمال وباقي الأغاني تكون ضعيفة أو سيئة عشان الشريط يتملي".

أما عن ذكريات الكاسيت، تقول نانسي، إن إحساس واقع الحياة البطيء نسبياً مقارنة بتلك السنوات كان لها وقع جميل على نفوسنا، موضحة: "الموبايل لو تم إعادة ضبطه لوضع المصنع ممكن أن تضيع كل الأغاني، بخلاف الشرائط التي كان لها ذكرى مع كل حدث، وترتبط بأجواء فصول السنة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard