"كأنني أب على الورق فحسب"... معاناة آباء مصريين مع قانون الرؤية

الخميس 16 سبتمبر 202104:57 م

"نحن أشبه بسجناء ضمن جدران قانون لا ينصفنا"، تقول الجدّة السبعينية عايدة، بحسرة، واصفةً معاناتها، هي وابنها، مع رؤية حفيدتها تمارا البالغة من العمر ست سنوات، بعد انفصال الابن وزوجته، قبل ثلاثة أعوام.

"ابني يرى طفلته الوحيدة بموجب قانون الرؤية، داخل نادٍ رياضي، وعلى الرغم من أن موعد الرؤية الأسبوعية، محدد من الثانية ظهراً حتى الخامسة بعد العصر، إلا أن طليقته تأتي بالطفلة عند الثالثة والنصف، وتنصرف عن المقابلة بعد ساعة، لا أكثر"، تشرح السيدة في حديثها لرصيف22، مضيفةً: "مبيعرفش يشبع من بنته، يحضنها، يشوف ملامحها. ابني صعبان عليّ جداً".

وتشير المتحدثة إلى أن والدة الطفلة تتعمد بعض الأفعال المؤذية، في أثناء الزيارة، مثل جلب أقاربها معها، وتحويل الجلسة إلى نقاشات ومشادات، وليس إلى جلسة بين أبٍ وابنته، كما أنها تستغل فترة حضانتها للطفلة، لتزرع في داخلها خوفاً من والدها: "خلال فترات الرؤية الماضية، ظهرت ملامح الرعب على الفتاة، على الرغم من أن ابني يجلب لها ملابس، وألعاباً جميلة. هذا القانون هو عذاب للآباء، وإهانة لهم".

يعيش العديد من الآباء في مصر معاناةً، بسبب "قانون الرؤية"، ويصفونه بأنه "سجن".

وأكدت الجدّة، أن حال ابنها مشابه لحال كثيرين من الآباء المصريين، إذ إن العديد من الأمهات الحاضنات، لا يلتزمن بمواعيد الرؤية، معتقداتٍ أنهن بذلك "يلوين ذراع الطليق"، في حين أن الأطفال هم من يدفعون الثمن الأكبر. وتضيف: "حفيدتي باتت لا ترغب برؤية والدها، معتقدةً أنه لا يحبها، وتركها. ونحن الجدّات الحزينات على حال أولادنا، وأحفادنا، لا أحد يستمع إلى مطالبنا بتغيير القانون".

سجن ومدخل للابتزاز

يعيش العديد من الآباء في مصر معاناةً، بسبب "قانون الرؤية"، ويصفونه بأنه "سجن"، وسلاح تستخدمه بعض الأمهات، بغرض الابتزاز المادي، أو العاطفي.

ينظّم قانون الرؤية، وهو جزء من قانون الأحوال الشخصية، شروط رؤية الأطفال من قبل ذويهم بعد الطلاق، ويكون حق الحضانة عادةً، حتى سن الخامسة عشر، للأم، أو لواحدة من نساء العائلة، ويأتي الأب في المرتبة السادسة عشر في هذه الأحقية، وهي مرتبة طُرح تغييرها لتصبح الرابعة، ضمن مشروع ناقشه مجلس النواب مطلع العام الحالي، من دون إقراره.

أما رؤية الأطفال، فتحق للأب في مكان عام، وفي حالة عدم الاتفاق على مكان الرؤية، تنتقي المحكمة مكاناً، وفقاً للحالة، مع مراعاة أن يكون ملائماً للأطفال، ولا يكبّد الطرفين مشقة كبيرة، مثل أحد النوادي الرياضية، أو الاجتماعية، أو إحدى دور رعاية الأمومة والطفولة التي تضمّ حدائق. وتُفرض غرامة، من ألف إلى خمسة آلاف جنيه، على كل حاضن يمنع صاحب الحق في الرؤية من استعمال حقه، من دون عذر تقبله المحكمة.

ويجب ألا تقلّ مدة الرؤية عن ثلاث ساعات أسبوعياً، بين التاسعة صباحاً والسابعة مساء، ويُراعى قدر الإمكان، أن يكون ذلك خلال العطل الرسمية، وبما لا يتعارض مع مواعيد ارتياد الأطفال للمدرسة.

"القانون يخلق أسراً مشوّهة"

"محروم من ابنتي بفعل فاعل"، يقول أ. و.، وهو أب متضرر من قانون الرؤية.

تزوّج أ. عام 2013، وانفصل الزوجان بعد عشرة أشهر. وبعد فترة وجيزة، رفع قضية لرؤية ابنته الوحيدة، وهو حتى اليوم، يراها في أماكن يصفها بأنها "بشعة"، مثل الستاد الرياضي في دمياط، أو نوادٍ رياضية غير ملائمة، والأهم أنه يلتقيها بشكل غير منتظم على الإطلاق.

ويشرح الرجل حالته لرصيف22: "تستغل زوجتي السابقة ثغرة في القانون، وهي أنه في حال عدم حضورها ثلاث مرات متتالية، لا بد وأن أصبر عليها ثلاث مرات أخرى. وإذا رفعت قضية إسقاط حضانة، ليس بالضرورة أن يحكم القاضي لصالحي، فالقانون على الأغلب لا يحاسب الأم الحاضنة، ويمكنها بكل بساطة الحصول على تقارير طبية مزورة، كحجة لعدم إحضار ابنتي".

أضاف الرجل، عن تعرضه لمضايقات من عائلة زوجته: "لو جاءت، تحضر مع عدد من أفراد أسرتها، وبذلك لا أستطيع الجلوس مع ابنتي كما أريد. أشعر وكأنني أب على الورق فحسب"، مشيراً إلى أن القوانين المصرية مجحفة، فهي تحاسب الرجل حال عدم دفع النفقة، أو أياً من الحقوق المالية الملزم بها بعد الطلاق، لكنها لا تحاسب الأم، وهي تحرمه من رؤية أطفاله، من دون وجه حق.

"تستغل زوجتي السابقة ثغرة في القانون، وهي أنه في حال عدم حضورها ثلاث مرات متتالية، لا بد وأن أصبر عليها ثلاث مرات أخرى. القانون على الأغلب لا يحاسب الأم الحاضنة، ويمكنها بكل بساطة الحصول على تقارير طبية مزورة، كحجة لعدم إحضار ابنتي"

ونوه أ. إلى رفعه قضايا عدة، لإسقاط الحضانة، ولم يأخذ منها حقاً أو باطلاً، حسب قوله، وبعدها قررت الأم الالتزام بالرؤية، لكن في محافظة أخرى، فبات عليه الذهاب في كل مرة، من دمياط إلى القاهرة، لهذا الهدف. "قانون الرؤية تعجيز للآباء، فهو ينتج أسراً مشوهة، وأطفالاً غير مكتملي التربية السليمة الصحية. أنا محروم من ابنتي، وهي محرومة من التعرف إلى عائلة أبيها، لتكون لها سنداً في الحياة".

ويختم الرجل حديثه بنبرة حزينة، وهو يقول إنه لم يستطع الاحتفال بعيد ميلاد ابنته خلال هذه السنوات، إلا مرة واحدة، بعد أن وافقت زوجته السابقة لقاء مبلغ مادي. "على مجلس النواب والمسؤولين تعديل هذا القانون الذي يقضي على أحلام الآباء".

"أرى ابني بحضور زوج أمه"

يعاني أحمد سعيد (36 عاماً)، من إعاقة في قدمه اليسرى، وتزوّج منذ سبع سنوات، بعد قصة حب جميلة، لكن زوجته، بعد الحمل، تغيرت تماماً، كما يقول، وبدأت بمعايرته بوضعه الصحي، ومستواه المادي الذي قالت إنه "غير كافٍ لها".

يحكي قصته لرصيف22، بحزن: "مع بداية حملها، بدأت تقول لي الجملة ذاتها، عند كل شجار بيننا: ‘تحمد ربك إني وافقت عليك، وأنت معاق’. ومع كثرة المشكلات، قررنا الانفصال، وكانت لا تزال حاملاً. ومع أنني دفعت مصروفات الولادة كلها، لم أرَ ابني خلال السنوات الثلاث الأولى من عمره، وكانت المرة الأولى التي ألتقي به فيها، في أحد مراكز التسوق. كنت محروماً منه".

يرى أحمد ابنه، الآن، عن طريق الرؤية في منطقة سكنية، وأحياناً في أحد المقاهي. ومع زواج طليقته مرة أخرى، حكم القانون بحق الحضانة لوالدتها، على الرغم من حالتها الصحية السيئة: "الآن أرى ابني في حضور زوج طليقتي. لكِ أن تتخيلي شعوري، وأنا أراه في فترات متباعدة، مع رجل آخر يربّيه"، ويضيف أن القانون ظلم الرجال في هذه النقطة، فلو أرادت المرأة الزواج مرة أخرى، يجب أن تذهب الحضانة إلى الأب، وليس إلى الجد، أو الجدة، خاصةً لو كنا نتحدث عن طفلة، إذ سيصعب على الأب رؤيتها، وهي تنشأ في كنف رجل غريب: "إنه قانون خطر، ومُهين"، وفق قوله.

حملة مضادة

عام 2011، انطلقت حملة تحت عنوان "تمرد ضد قانون الأسرة"، وهي أكبر تجمع للآباء المحرومين من أطفالهم، بموجب القوانين.

ترصد الحملة، وفق حديث المسؤول الإعلامي عنها طارق الجراحي، لرصيف22، معاناة الأطفال في عدم توفير رعاية مشتركة لهم بعد الطلاق، مشيراً إلى أن أكثر الحالات صعوبة، هي للأجداد والأعمام، إذ يمنع القانون رؤيتهم للأطفال.

أنا محروم من ابنتي، وهي محرومة من التعرف إلى عائلة أبيها، لتكون لها سنداً في الحياة.

وتعمل الحملة على أهداف عدة، كما يشرح الجارحي: الأول هو اصطحاب الطفل/ة لمدة يومين في الأسبوع من قِبل الطرف غير الحاضن، وتقسيم الإجازات الرسمية والأعياد، بين الأب والأم. والثاني استبدال سن الحضانة، ليعود كما كان في القوانين القديمة، سبع سنوات للولد، وتسع سنوات للفتاة، مشيراً إلى أن إحصاءات الحملة تشير إلى ارتفاع نسب الطلاق، منذ رفع هذا السن إلى الـ15، وهو السن الذي يقرر بعده الولد، أو الفتاة، مع من يعيش.

ويتمثل الهدف الثالث والأهم للحملة، في ألا يكون الأب ضمن مرتبة متأخرة جداً في أحقية حضانة الأطفال.

وتعمل الحملة لتحقيق أهدافها، على الضغط على المسؤولين والمشرّعين، والتواصل مع مجلس النواب، لوضع مقترح جديد لقانون الأحوال الشخصية، وأرسلت المقترح بالفعل إلى المجلس، عن طريق النائب السابق محمد فؤاد، لكن حتى الآن لم تتم مناقشته.

"الرؤية تتم في أماكن غير مؤهلة"

تعمل المحامية المصرية بالاستئناف العالي، والمتخصصة في قانون الرؤية، غادة مصطفى، على الكثير من القضايا، لرجال متضررين من القانون المذكور، وتؤكد في حديثها لرصيف22، أن مدة الرؤية المحددة بثلاث ساعات أسبوعياً، غير كافية، ويندر أن يتفق الرجل والمرأة، بعد الطلاق، على هذا الأمر، لما فيه مصلحة الطفل.

وتضيف المحامية: "من مساوئ القانون الحالي، عدم وضع عقوبة على الأم، في حال امتناعها عن تنفيذ الرؤية، كما أن الرؤية غالباً ما تتم في أماكن غير مؤهلة، مثل مراكز الشباب، والنوادي الموجودة في أماكن نائية. لا بد من النظر بعين الرحمة إلى الآباء الذين يعانون من هذا القانون، والعمل على تغييره".

"لا بد من أن يكون الهدف الأول للقانون، الطفل وليس الرجل أو المرأة. وجود الأب في المرتبة الثانية في أحقية الحضانة، لا ينتقص من المرأة، لكن وجوده في المرتبة السادسة عشر إهانة له. لا بد أن يكون القانون منصفاً، وليس منحازاً إلى طرف على حساب الآخر"

ويتفق عضو مجلس النواب السابق النائب محمد فؤاد، مع هذا الرأي، ويقول في لقاء مع رصيف22، إن القانون منحاز إلى الأم الحاضنة بكل وضوح، ويتساءل مستنكراً: "لو توفيت الأم، إلى من يذهب الطفل؟ إلى الخالة، أو إلى الجدة. بذلك يخسر الرجل زوجته وأسرته، في وقت واحد"، مضيفاً أن الرؤية المحددة بثلاث ساعات أسبوعياً، ليست كافية على الإطلاق: "لو أراد الرجل الذهاب إلى حديقة الحيوانات، ومشاهدة القردة هناك، لاستغرق الأمر وقتاً أكثر. هناك جدّات توفين، وهن متشوقات لرؤية أحفادهن".

"لا بد من حوار مجتمعي حول القانون"

ويلخص المتحدث مشكلات قانون الأحوال الشخصية، وفق رأيه، في ثلاث نقاط: النفقة، والرؤية، وترتيب الحضانة: "لا بد من أن يكون الهدف الأول للقانون، الطفل، وليس الرجل أو المرأة. وجود الأب في المرتبة الثانية، في أحقية الحضانة، لا ينتقص من المرأة، لكن وجوده في المرتبة السادسة عشر، بعد أقارب المرأة، إهانة له. لا بد أن يكون القانون منصفاً، وليس منحازاً إلى طرف على حساب الآخر".

وقال إن المقترح الذي تقدم به، وتجاهله مجلس النواب، كان ينص على منع الآباء من السفر، في حال استضافتهم للأبناء بعد الطلاق. وإذا قام الطرف غير الحاضن، والمستضيف، بعدم إعادة الطفل، يعاقَب بالحبس مدة ثلاثة أشهر، بالإضافة إلى ربط النفقة بالرؤية، أي أن الأب الذي لا يدفع النفقة، لا يرى أطفاله، لكن تم تجاهل هذه المقترحات.

ويرى النائب أن المطلوب الآن، القيام بحوار مجتمعي حول القانون، وتغييره، والتركيز على النقاط الخلافية فيه، والعمل على إعادة النظر فيها، وحلها، "لنركّز أكثر على حقوق الطفل، وليس على ما يريده الأب والأم فحسب، فالطفل، وحياته، ورفاهه، هي الأكثر أهمية هنا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard