"أهلي قساة وأحوالي المادية صعبة"... معارك أمهات مطلقات من أجل أبنائهن

السبت 10 أكتوبر 202004:06 م

تعرف العديد من الأمهات في ظل المنظومة الذكورية في المجتمع المصري أنهن سيعانين من اضطهاد الأهل والزوج السابق على حد سواء، لمجرد التفكير في الطلاق، خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية التي يعاني منها الجميع.

وينص قانون الأحوال الشخصية في المادة رقم "57"، على أن الحضانة تؤول للأم بعد الانفصال، إلا أن بعض الآباء قد ضربوا بهذا القانون عرض الحائط، بسبب معرفتهم بأحوال الأم المادية، تقول مروة جلال (32 عاماً)، من محافظة أسوان: "لقد تزوجت في بداية عشرينياتي، وانفصلت عن زوجي بعد سبع سنوات، أنجبت خلالها ولدين، ياسين وبلال"، موضحة أنها فقدت ابنها الثاني بلال في حادثة، ما أثر عليها نفسياً وجعلها تذهب في زيارة لبيت أهلها، وعند عودتها إلى شقتها، فوجئت بزوجها قد غيّر أقفال الباب، وعند الاتصال به لمعرفة السبب أبلغها بطلاقه لها، وهددها بإمكانية تلفيق تهمة سرقة لها.

أحوال كريمة الاقتصادية صعبة، وكذلك أسرتها، بالإضافة إلى أن أهلها يعتبرونها "عالة عليهم"، كل ذلك دفعها لترك طفليها عند طليقها

وتتابع مروة لرصيف22 أن الطلاق وقع بعد وفاة ابنها بشهرين، ولم تدرك ماذا تفعل مع عدم وجود أي دعم أو مساعدة لها من قبل أهلها. ورغم محاولاتها المضنية للوصول لحل مع طليقها، إلا أنه رفض جميع الحلول وأبى أن يعطيها حقها في شقة الزوجية باعتبارها حاضنة لولده، فامتنع عن النفقة ورفض توفير مسكن لها ولابنهما،  ولم تتلق دعما أو مساعدة من أهلها، فخشيت على الظروف التي سينشأ فيها الطفل عندما يكون معها، ما دفعها إلى عدم الذهاب للمحكمة في قضية الحضانة.

وتضيف مروة لرصيف22 أن الظروف جميعها قد اتحدت ضدها، سواء من الناحية الأسرية، فلم تساعدها أسرتها، أو الناحية النفسية وحالتها بعد فقدان ولدها، بالإضافة إلى حالتها المادية الصعبة، فرغم كونها مهندسة إلا أنها تتقاضى راتباً زهيداً، كما رفض طليقها توفير أي متطلبات لابنها حين كان معها، وطالبها بإخراجه من مدرسته الخاصة، وإدخاله أي مدرسة حكومية، فلم تجد أي يد لتساعدها، ما جعلها ترضخ لتعنّت زوجها وتترك له ابنها ياسين ابن الثماني سنوات، لتحرم من رؤيته منذ ما يقرب من سنتين ونصف.

"حرمتُ من رؤية ابني لعامين ونصف حتى يتعلم تعليماً أفضل".

كريمة صالح، في بدايات عقدها الثالث، عاملة نظافة من محافظة أسوان، إحدى محافظات صعيد مصر، انفصلت عن زوجها بسبب إدمانه، بعد زواج دام لثماني سنوات، أثمر عن طفلين. وقررت كريمة التخلي عن ابنها الكبير وتركه لوالده، بعد اتفاق ودّي نصّ على رؤية كريمة لابنها وقتما تشاء، وتحدثه تليفونياً على مدار الأسبوع كل يوم.

وتوضح كريمة أنها رغم أصولها الأسوانية، إلا أنها نشأت في بيت خالها في الإسكندرية وتزوجت هناك، وبعد انفصالها عن زوجها عادت إلى أسوان مرة أخرى، موضحة أنها تركت ابنها لأبيه، نتيجة ظروفها المادية التي لم تتحمل وجود طفلين في ذلك الوقت.

قسوة الأهل

وتتابع كريمة لرصيف22 أنه بجانب ظروفها الاقتصادية السيئة، تأتي الظروف المادية لأسرتها في المرتبة الثانية في قائمة أسبابها لترك ابنها، بالإضافة إلى سوء معاملة الأسرة لها بعد الانفصال، وخاصة والدتها، واعتبارها "عالة عليهم".

وتواصل كريمة حديثها: "بعد عام من الانفصال قررت استرداد ابني مرة أخرى، خاصة بعد أن اختفى والده ولم أعد أستطيع الوصول إليها"، موضحة أنها استطاعت الوصول إليه، وأخذ ابنها مرة أخرى بـ "المحايلة"، أي بعد أن ترجت زوجها.

وتشير كريمة إلى أنه رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها، ورفض أسرتها لمساعدتها نتيجة قسوتهم وسوء أوضاعهم المادية أيضاً، اتجهت إلى العيش بعيداً عنهم في محافظة أخرى حتى تستطيع تربية ابنيها.

"لجأت إلى القضاء"

أما نهى مصطفى، في العقد الثالث من عمرها، من محافظة المنيا، إحدى محافظات صعيد مصر، فقد تزوجت في محافظة أسيوط منذ 2007، وأثمر زواجها عن بنتين وولد، وانفصلت رسمياً عام 2019، إلا أنها قد تركت منزل الزوجية قبل ذلك بعام، وتعيش بعيدة عن أبنائها منذ ما يقرب من عامين.

وتحكي نهى كواليس انفصالها، موضحة أن الرحيل جاء قبيل امتحانات أبنائها النهائية، ما جعلها تتركهم في محافظة والدهم لتأدية الامتحانات، مشيرة إلى اتفاقها مع الأب على رؤية أبنائها في الإجازات والأعياد، إلا أنه كان يتعنت في تقصير أوقات الزيارة، وفي النهاية رفض ذهابهم إليها مرة أخرى.

وتضيف نهى لرصيف22 أن السبب الأساسي لترك أولادها مع والدهم سوء الحالة المادية لها، خاصة بعد وفاة والدها، بالإضافة إلى عدم وجود مكان مستقل لها ولأولادها، فقد عاشت في بداية انفصالها مع والدتها في بيت العائلة.

بعد انفصال نهى عامين عن أبنائها، قررت اللجوء إلى القضاء لاستردادهم من والدهم، نظراً لحالة أبنائها النفسية التي وصلت إلى مرحلة سيئة جداً، بالإضافة إلى أنها استطاعت الحصول على عمل وتوفير مسكن ملائم لها ولأبنائها، وله استقلالية عن بيت العائلة.

تعنّت الزوج

تعلق الصحفية سناء السعيد، عضو المجلس القومي للمرأة في مصر، قائلة: "تنتج العديد من المشاكل النفسية للأطفال بسبب تعنت بعض الأزواج في إبعاد أطفالهم عن الأمهات بعد الانفصال، ولذلك تتجه النساء إلى الحل القضائي ورفع دعاوي حضانة لاسترداد أبنائهن".

وأضافت السعيد لرصيف22: "المجلس القومي للمرأة خصص خطاً ساخناً (1515) لتلقي شكاوى النساء في قضايا الحضانة والنفقة وما يعادلهما، ويعمل مكتب شكاوى المرأة على توصيل السيدة بمحامي المحافظة التابعة لها، حتى يتخذ الإجراءات اللازمة في قضيتها، والمجلس يقدم هذه الخدمة بصورة مجانية 100% لكل سيدة تتصل بهم".

"رغم تظاهر الأم التي تركت أبنائها لطليقها بسبب ظروفها المادية والاجتماعية الصعبة بالقوة إلّا أن ضعفها يظهر عند ذكر أبنائها، ورغم ذلك تشعر بسعادة لتنشئتهم في مكان أفضل، مما يدل على سمو أخلاقي عالي جدًا"

في الشق القانوني، أكد المحامي في الأحوال الشخصية علي سيد، أن الأصل في الحضانة للأم، وفي حالة زواجها أو ارتكابها لجريمة فإن الحضانة تذهب لجدة الأبناء من ناحية الأم، ثم إلى الخالة، وبعدها جدة الأبناء من ناحية الأب، ومنها إلى العمة، ثم إلى الأب.

وأضاف سيد لرصيف22 أن القانون المصري أعطى الحضانة للأم، وفي حالة اختطاف الأب للطفل أو أخذه بصورة جبرية، فهناك طريقتان لإعادة الأبناء إلى الأم: الأولى أن تتقدم برفع قضية ضم الصغير، ومنها تأخذ حكماً قضائياً بضمها لأبنائها، والثانية أن تتقدم ببلاغ، ويتم استصدار قرار من المحامي العام بإعادة الصغير إلى الأم مرة أخرى.

"سموّ أخلاقي"

شدَّد المحامي محمود البدوي، رئيس الجمعية المصرية لمساعدة الأحداث، على أنّ الأب "ملزم بالإنفاق على أطفاله حتى سن البلوغ، والقدرة على كسب عيشهم بمفردهم، فإذا بلغ الصبي سن الواحدة والعشرين عاماً، ولم يستطع كسب قوته نتيجة إعاقة أو دراسة؛ فعلى الأب الإنفاق عليه، كما أن الأب ملزم بالإنفاق على الابنة حتى تتزوج إذا لم تكن تعمل".

وأوضح البدوي لرصيف22 أن هناك دعوى قضائية ترفع ضد الأب المتهرب من النفقة تسمى "متجمد النفقة"، وهذه الدعوى لا تسقط بالتقادم، ودين النفقة لا يسقط حتى لو قررت المحكمة حبس الزوج لعدم تسديد النفقة، كما يمكن أن تتجدّد الدعوى كلما تهرّب الزوج.

وفي الجانب النفسي، يقول جمال فرويز، استشاري الطب النفسي وأمراض المخ والأعصاب، أنه يمكن تقسيم الأمهات اللاتي يتركن أبنائهن إلى نوعين، الأولى هي "الشخصية السيكوبايتة"، التي تترك أبنائها لإنها تراهم عقبة في طريق تحقيق ما تطمح إليه، وعادة ما تكون هذه الأمهات غير مبالية، ولا تهتم بأولادها.

"تضحي بأمومتها وعاطفتها لسعادة أبنائها".

أما النوع الثاني، بحسب فرويز، فمن يتركن أبنائهن "خشية الإملاق"، بسبب الظروف المادية، يضيف لرصيف22: "هؤلاء يرين مصلحة أبنائهنّ في وجودهم مع الأب، لقدرته على الإنفاق عليهم، وتعليمهم بصورة أفضل، فهي تضحي بأمومتها، وعاطفتها حتى ترى سعادة أبنائها".

ويشرح فرويز الحالة النفسية للأمهات من النوع الثاني، قائلاً: "هذا النوع من الأمهات يتسمن بالنضوج العقلي والفكري، ويتظاهرن بالقوة، ولكن ضعفهنّ يظهر عند ذكر أبنائها، وتعاني هذه الشخصيات دائمًا من مشاعر الاكتئاب، والعجز، والإحباط لتركها أبنائها، ورغم ذلك تشعر بسعادة لتنشئتهم في مكان أفضل، مما يدل على سمو أخلاقي عالي جدًا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard