"حلمي حضن طفلي"... كيف تحصل الغزاوية على حضانة طفلها في زمن الكورونا؟

الأربعاء 6 مايو 202004:00 م

"خلي المحكمة ترجعلك ابنك"، هكذا رفض زوج سحر أن ترى ابنتها، مستغلاً تعليق عمل المحاكم الشرعية في قطاع غزة، بالتزامن مع جائحة كورونا.

"كافحت كثيراً لأضم طفلي بين ذراعي بعد حرمان والده لي من رؤيته، مستغلاً غلق المحاكم في قطاع غزة، نتيجة أزمة جائحة كورونا، واليوم أصبحت واحدة من السيدات اللواتي يكافحن من أجل الحصول على حق الحضانة الذي كفله القانون، ويخترقه الزوج بدعم الأهل"، تقول سحر، اسم مستعار (31 عاماً)، عاطلة عن العمل.

"طليقي حبس طفلي"

طالبت سحر بحقها في حضانة طفلها الوحيد منذ عام 2018، وباءت كل مساعيها بالفشل، لترى بأن واقع الحياة في غزة "الجميع يأكل الضعيف"، على حد تعبيرها.

معاناة سحر بدأت عندما تنازلت عن كامل حقوقها الشرعية في مقابل الانفصال عن طليقها، لتجد نفسها داخل معركة أخرى ما زالت تخوض تفاصليها حتى اليوم، لنيل حقها في حضانة طفلها الذي يبلغ من العمر 3 سنوات، والذي يقوم والده بحبسه في المنزل لمنعه من الخروج لرؤية والدته، بحسب رواية سحر لرصيف22.

تقول سحر: "جلت كافة المرافق الحكومية والمراكز الشرطية، ولكن نفوذ أحد أقارب طليقي كان العقدة التي توقف المنشار من السير في حصولي على حضانة ابني، فالجهات الحكومية لا تستجيب للقرارات الصادرة، وعند الحصول على قرار تنفيذ من المحكمة الشرعية لا يحصل ذلك، لتبقى هذه العقدة التي توقف حلمي بضم طفلي بين ذراعي".

"سيتم إصدار قرار بإعادة فتح الباب أمام السيدات اللواتي لديهن قضايا متعلقة في حقوق الحضانة، وذلك لإزاحة الضرر الذي وقع عليهن نتيجة حالة الطوارئ وغياب سيادة القانون" مراقب قسم التحقيقات والشكوى في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، بكر التركماني، لرصيف22

واليوم، بالتزامن مع واقع جائحة كورونا، توقَّف عمل المحاكم ومراكز الشرطة، واقتصار عملها ضمن خطة الطوارئ، تجد سحر نفسها في "ذروة معركتها"، بحسب تعبيرها، حيث تريد أن تضمن عدم تعرض طفلها لأزمة نفسية بسبب حبس والده له، وعدم تدخل الجهات المختصّة.

"والدتك لا تصلح كأم"

لم يختلف واقع ميرنا اسم مستعار (30 عاماً)، التي تعمل صحفية، عن واقع سحر كثيراً، تروي ميرنا حكايتها: "سافرت لعام ونصف إلى بريطانيا لاستكمال الماجستير في الإدارة، وبعد مرور ثلاثة شهور قمت بترتيب الأمور لقدوم زوجي برفقة طفلي لبريطانيا، ولكن قوبل الأمر بالرفض، بالرغم من الاتفاق المسبق على هذه الخطوات".

وساءت علاقة ميرنا مع طليقها نتيجة تراجعه عمّا خطَّطا له مسبقاً، وطالبت بالطلاق، لتعود إلى غزة في 23 فبراير لإنهاء علاقتها الزوجية، وفي 16 مارس حرمها زوجها من رؤية طفلها، ومن سماع صوته، وقطع كافة حلقات التواصل بين الأم والابن.

غرقت ميرنا في دوامة عاطفية من "الشوق والشعور بالحرمان"، ولم تستطع القيام بأي شيء بسبب حالة الطوارئ التي تمر بها البلاد وإغلاق المحاكم، وسعت لدى مراكز الشرطة ورجال الإصلاح للتدخل بإقناع زوجها السابق، ولكن باءت محاولاتها بالفشل.

وينتاب ميرنا شعور بالحسرة، حيث لم تستطع الوفاء بوعدها لابنها بأن تلتقي به بعد ثلاثة أشهر من سفرها لبريطانيا، حيث مر عام ونصف حتى الآن، وتتخوف من الأثر النفسي لكلام طليقها عنها لطفلها، حيث يقول له دائماً بأنها لا تصلح كأم لأنها "امرأة ليبرالية ومنفتحة" في مجتمع محافظ.

ظلم يسكن المحاكم

أما لينا البالغة من العمر 41 عاماً، وتعمل في محل كوافير، فقد حصلت على قرار من المحكمة الشرعية في مدينة غزة بحضانة طفلتها الصغيرة البالغة من العمر أربعة أعوام، بعد انتهاء كافة إجراءات الطلاق في شهر نوفمبر/تشرين ثاني 2019، وحدَّدت المحكمة زيارة أبنائها الثلاثة الآخرين لها كل يوم خميس من كل أسبوع، من بعد الظهيرة حتى قبيل المغرب.

وتقول لينا: "كانت الأمور تسير على ما يرام منذ موعد إصدار الحكم حتى قبيل شهر، ولكن مع مرور جائحة كورونا بدأ والدهم يرفض السماح لهم بزيارتي، فلم أظهر أي رفض للحفاظ على سلامة الأطفال، ولكن تفاجأت في 14 مارس/ آذار بقدومه للمنزل، وأخذ الطفلة دون علمي"، تقول لينا.

"وقمت بالتواصل مع أهله للاستفسار حول أسباب قيامه بهذا الفعل الذي حرق قلبي، ولم أستطع النوم وأنا أفكر ماذا علي فعله، فقمت بالذهاب للمحكمة رغم إدراكي أنها حالة طوارئ ولا تستقبل طلبات مواطنين، ولكن مع دخولي المحكمة شعرت أني جسدي بارد ولا أقوى على الحركة، عقب سماع عدد النساء اللاتي يشكون لسرقة فرحتهم بعد إبعاد أطفالهم عنهم".

تقول لينا: "أدركت أن العديد من الرجال في غزة يحظون بالقوة والجبروت، وفي المقابل يملكون عقولاً ليست مستقرة ونفسيات مريضة، يسيطر عليهم حب السيطرة والتحكم بالمرأة وكأنها عبد يخدم بمقابل مالي، ما يجعل الأطفال ليسوا بأمان معهم".

القانون حبر على ورق

تحتفظ الأم بحضانة ابنها حتى يبلغ التاسعة من عمره بحسب قانون حقوق العائلـة الصادر في عهد الإدارة المصرية لقطاع غزة عام 1954، ولكن عكست حالة الطوارئ حقيقة الظلم الذي يقع على الأطفال والأمهات من حرمان، ما يجعل من كورونا وبعض الرجال ظلماً مركباً، رغم المطالبات التي تجول كافة أرجاء المحاكم ومجالس رجال الإصلاح، بالحصول على هذا الحق الذي كفلة القانون، ويخترقه الآباء معلقين الحصول على هذا الحق بمقابل تنازلات مالية.

 "عندما ذهبت للمحكمة، رغم علمي بإغلاقها، فوجئت بالعديد من الأمهات مثلي، أدركت أن العديد من الرجال في غزة يحظون بالقوة والجبروت، وفي المقابل يملكون عقولاً ليست مستقرة ونفسيات مريضة، يسيطر عليهم حب السيطرة والتحكم بالمرأة، ما يجعل الأطفال ليسوا بأمان معهم"

يقول مراقب قسم التحقيقات والشكوى في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، بكر التركماني، لرصيف22: "إن الإجراءات القائمة في ظل جائحة كورونا، من توقيف النظر بقضايا حضانة الأطفال، ولّد العشرات من الخلافات واستغلال الأزواج لهذه الأمور لحرمان الأمهات من حقهن بحضانة الأطفال، وبناء على شكوى قدمت للهيئة تم التواصل مع الجهات المعنية لإعادة النظر في القرار المتعلق بإجراءات المحاكم بالبت بقضايا الحضانة".

ويضيف التركماني: "سيتم إصدار قرار بإعادة فتح الباب أمام السيدات اللواتي لديهن قضايا متعلقة في حقوق الحضانة، وذلك لإزاحة الضرر الذي وقع عليهن نتيجة حالة الطوارئ وغياب سيادة القانون، ما سيجعل من المحاكم تنظر بهذه القضايا، وسيتم إعادة الحق لمالكه ومحاكمة مخالفه".

"وكما ستنظر المحاكم وفق الطلب الذي تم تقديمة بإعادة النظر بالقضايا المتعلقة بالذمم المالية الخاصة بالنفقة للنساء والأبناء، وتفعيل الإجراءات لتنفيذ هذا الإجراء، جراء تهرب الأزواج من دفع النفقة بحجة تعطل القضاء"، يقول التركماني.

وفي النهاية تتساءل لينا: "لماذا ليس هناك رجل واحد لديه مشكلة مماثلة، كلهن نساء، حتى أقوى النساء هن الأكثر ضعفاً عندما يغيب أطفالهن عن أنظارهن في ظل غياب القوانين والعدالة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard