تعتبر الرجل حساباً بنكياً والمرأة عاملة منزلية... لماذا يجب تغيير قوانين الأحوال الشخصية؟

الثلاثاء 19 مايو 202011:56 ص

قانون الأحوال الشخصية، مصطلح له وقع أليم على الكثيرين. يرتبط في الأذهان، بالانتظار في ساحات المحاكم، بتأجيل القضايا، بالشوق لرؤية الأطفال، بالإحساس بالعجز، أو بالسعي وراء نفقة لا تكفي أبداً. وإذا كان هذا الأمر يرتبط بشكل أساسي بالمرأة إلا أن المفاجأة قد تكون في أن المتضررين ليسوا دائماً من النساء.

المرة الأولى التي لمستُ فيها تلك الحقيقة بهذا الوضوح، كانت عندما دُعيت لإلقاء مداخلة في الجامعة الأمريكية في القاهرة العام الماضي. وكانت المفاجأة أن أغلب الحضور من الرجال، آباء محرومين من رؤية أبنائهم أو استضافتهم، أو قضاء وقت مثمر معهم.

فبينما يتصوّر كثيرون أن قوانين الأسرة هي سلاح بيد الرجال ضد النساء، يأتي عدد القضايا المخالفة لهذا التصوّر ومعاناة أصحابها، ليؤكد أن العقاب جماعي.

تقول عزة سليمان، مديرة مركز قضايا المرأة في مصر، إن "القانون بصورته الحالية يختزل الرجل في صورة حساب بنكي، والمرأة في صورة عاملة منزلية، مجرِّداً كليهما من أية شخصية أخرى".

وتضيف أن القانون بذلك لا يراعي المصلحة الفضلى للطفل، فضلاً عن ظلم الزوج والزوجة في بعض الأمور. وتضرب مثالاً على ذلك بقانون الحضانة في مصر، والذي يجعل الأطفال في حضانة أمهاتهم إلى سن 15 عاماً، وتقول: "القانون هنا يظلم الجميع، فالأب يُحرَم من أبنائه لفترة طويلة، وكذلك الأبناء، والأم تُفرَض عليها المسؤولية إلى الأبد، لأنه بوصول الأبناء إلى ذلك السن، ليس من المنطقي أبداً أن يختاروا الأب، بحال تخييرهم".

ويظل الأطفال في حضانة أمهاتهم حتى سن 15 سنة، في كل من مصر والأردن والمغرب. أما في الجزائر، فتحتفظ الأم بحضانة البنت حتى سن الزواج، والابن حتى يبلغ من العمر 10 سنوات. وفي فلسطين، من حق الأم حضانة ابنتها حتى تبلغ 11 سنة وابنها حتى 9 سنوات، لمَن هم في الضفة الغربية، أما في قطاع غزة، فتسع سنوات للبنت وسبع للابن.

وفي بعض الدول العربية المتنوّعة مذهبياً، تختلف التشريعات التي تُطبَّق على السنّة عن تلك التي تُطبَّق على الشيعة. ففي البحرين، للأم السنّية الأولوية في حضانة أبنائها حتى يبلغ الابن 15 سنة، وحتى زواج الابنة، أما الأم الشيعية، فلها حضانة أبنائها، حتى بلوغ الابن أو الابنة 7 سنوات من العمر، وبعد ذلك تذهب إلى الأب.

كذلك في لبنان، للأم السنّية الأولوية في حضانة الأبناء حتى بلوغهم 12 سنة، أما الأم الشيعية فلها الأولوية في حضانة ابنتها، حتى تبلغ سبع سنوات، وابنها حتى يبلغ سنتين.

فلسفة غير واقعية

قوانين الأحوال الشخصية في المنطقة العربية، بشكلٍ عام، قائمة على أحكام الشريعة الإسلامية، وتستند في غالبيتها إلى إطارٍ للعلاقة الزوجية، يقوم على "تبادلية" الحقوق و"تكاملها" (وليس "التساوي" في الحقوق) بين الزوجين، بحيث يكون على الزوجة الطاعة ورعاية الأسرة، وفي المقابل، يقوم الزوج بالإنفاق عليها وحمايتها.

وهنا تبدأ المشكلة ولا تنتهي أبداً، حتى بحدوث الانفصال أو الطلاق.

يقول د. محمود عفيفي، باحث في جامعة الأزهر وطالب دكتوراه في جامعة لانكستر في المملكة المتحدة، إن "مفهوم النفقة مقابل الطاعة والتمكين، ليس موجوداً في القرآن الكريم، هذا بالإضافة إلى أن الإمام البُجَيْرَمِيّ الشافعي، عدّد أحوالاً يجوز للمرأة فيها منع نفسها من الزوج، منها كونها في وضع غير مهيئة فيه".

عادةً ما تبدأ القصة عندما يشعر الرجل بأنه بصدد عقد صفقة (مالية)، فيبحث عن أفضل العروض، وكذا يفعل أهل العروس. حتى مع أخذ المحددات الأخرى للاختيار، كالجمال والمكانة الاجتماعية، لا يمكننا استبعاد أو إغفال أهمية العنصر المادي في الزواج، والذي ينسحب على العلاقة بين الزوجين والعائلتين، مما يحيد بالزواج عن مفهوم المودة والرحمة، الذي هو جوهر الزواج في الإسلام.

مع بداية الزواج، تستمر ذات الفلسفة: الرجل يُفتَرَض أن يُنفق ويحمي، ومن الجانب الآخر، تقوم الزوجة بالواجبات المنزلية والإنجابية، وهو وفق التفكير التقليدي، دورٌ يتناسب مع طبيعتها، بل وينزع من على كاهلها عبء العمل والكسب. وضع مثالي، ولكن "بتوع حقوق المرأة مش عاجبهم"!

للأسف لا. هو ليس مثالياً، بل وغير واقعي على الإطلاق، وعلى أحسن الفروض هو نظام قد يناسب البعض، وليس الكل بأي حال.

فالوعي الذي اكتسبه المجتمع المعاصر لا يمكن أن يهضم تسلّط الرجل وظلم المرأة خاصة في قضايا الزواج والطلاق، وكذلك ليّ ذراع الرجل بمنعه من حضانة أطفاله، وبتحديده شروطاً قاسية لرؤيتهم.

تقول سليمان: "أعلم جيداً أننا لو سألنا بعض النساء، سيخترنَ طواعيةً معادلة النفقة مقابل الطاعة، ولا أجد غضاضة في ذلك. المشكلة أن يتم إجبار الجميع على ذلك النمط".

ممارسات مجحفة بحق الطرفين

إذا نظرنا إلى قوانين الأسرة، في أكثر من دولة عربية، سنجد بشكل واضح أنها ترسخ لعلاقة غير متكافئة بين الزوجين. فلا تزال بعض القوانين تشترط وجود الولي لعقد الزواج، أو تسمح بـ"تأديب" الزوجة، وفي نفس الوقت، تخفّف العقوبة على مرتكبي جرائم الشرف، بل وتشجِّع مَن يغتصب أنثى، بإسقاط التهمة عنه، في حال تزوج من الضحية.

أما عند الطلاق، فيستمر عدم الإنصاف، حيث لا يعطي القانون حقاً متساوياً للطرفين في إيقاع الطلاق. فكما هو معلوم، يمكن للزوج أن يطلق زوجته بإرادته المنفردة، ودون إبداء أسباب، أما هي فحصولها على الطلاق يتطلب الذهاب إلى المحكمة وإبداء أسباب مقنعة مثل حدوث عنف من قبل الزوج أو غيابه أو إصابته بمرض لا يُرجى شفاؤه، وغير ذلك من الأسباب التي تحتاج إلى وجود دليل مادي أو شهود.

"أعلم جيداً أننا لو سألنا بعض النساء، سيخترنَ طواعيةً، معادلة النفقة مقابل الطاعة، ولا أجد غضاضة في ذلك. المشكلة أن يتم إجبار الجميع على ذلك النمط"

يري عفيفي أن منظومة الزواج في الإسلام هي علاقة نسبة وتناسب، بحيث لا تظلم أحداً، لأن الرجل إذا طلق، تترتب عليه عواقب مادية، لذا لا يمكن للدولة مثلاً أن تفرض إعطاء المرأة حق التطليق، لأنه في تلك الحالة سيكون إكراهاً للرجل، حيث سيضطر أن يفي بكل حقوقها المادية، وهو وضع غير منصف له حينئذ.

لكن إذا أرادت المرأة الطلاق بدون سبب حقيقي، تقوم عندها بالخلع.

أما إلغاء أو إبقاء الطلاق الشفهي، فيرى أنه يتوقف على اجتماع العلماء والخبراء وتقرير ما إذا كان ذلك حقاً في مصلحة المرأة وصون كرامتها أم لا.

تختلف سليمان معه، إذ ترى أن هناك العديد من الرجال الذين يختارون الطلاق الشفهي، ليتهربوا من المسؤوليات المادية، لذا فإلغاؤه أمرٌ لا بد منه.

وتنطلق معاناة الرجال من نفس السردية، وهي أن النساء هم الوحيدون القادرون على التربية بسبب طبيعتهنّ وهرموناتهنّ، وبالتالي، عند غياب الأم، يليها في الحضانة الجدة وليس الأب، ثم الخالة وهكذا. هذا بالإضافة إلى قانون الرؤية الذي يُعَقِّد الأمور على الأب غير الحاضن، في قضاء وقت مثمر مع أبنائه، ويضع قيوداً على استضافة الأب لأطفاله ويضعه في مرتبة متأخرة كحاضن.

تتساءل سليمان: "كيف تنتقل مسؤولية حضانة الطفل من أبيه إلى جدته، بحال غياب الأم، مَن الذي اتخذ قرار الإنجاب؟ مَن عليه مسؤولية تربية الطفل، مَن يقول إنها الجدة؟".

إذاً سنغيّر الشريعة؟

تعيش النساء المسلمات في المنطقة العربية وغيرها، ظروفاً سيئة، ويمرّون بتحديات لم تكن موجودة من قبل، ولا يجدن مَن يسمع أو يتفاعل مع معاناتهنّ. فمع أن الكثيرين يرون في الإسلام ديناً يدعم الحرية ويعطي كل ذي حق حقه، إلا أن آلية الوصول للحق أمر غير واضح ومختلَف عليه.

فنحن تربّينا على عبارة مطاطة مفادها أن" الإسلام كرّم المرأة"، وفي حال استرعاك الفضول وسألت، كيف كرمها؟ سيقولون لك، إنه قبل الإسلام كانت المرأة توأد وتورَّث (يرثها الابن كمتاع بحال موت الأب)، فكرمها الإسلام عندئذ. وهو شيءٌ جميل ولا شك، أما الآن فالمرأة لا توأد ولا تورث، فكيف كرمها الإسلام؟ للأسف، لا توجد إجابة شافية.

لا توجد ولن توجد إجابة بغير الاعتراف بأن الاجتهاد لم يعد اختياراً ولا رفاهية، بل صار أمراً حتمياً وضرورة قصوى.

إعادة الاجتهاد أو تغيير القانون هنا، ليس المقصود به تغيير الشريعة. الشريعة هي كلمة الله التي أرسلها لنا في الوحي، ولكننا ندعو إلى إعادة النظر في الفقه الذي هو فهم البشر للشريعة. نطالب بالبحث والاجتهاد الذي هو من أساسيات العلم في الإسلام، والذي كان يحدث بشكل مستمر أدى إلى ظهور العديد من المدارس والمذاهب، وأثرى الفقه الإسلامي على مستوى التفكير والممارسة.

غالباً ما يتم اتخاذ الدين كذريعة لرفض تغيير قوانين الأسرة، لكن التغييرات التي نفّذتها بعض الدول، والتي لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، لهي أبلغ دليل على أن التغيير ضروري بل وممكن

والاجتهاد هنا يستلزم وجود كافة الأطراف المطلعة وأصحاب المصلحة، وليس رجال الدين فحسب، فليس من المعقول أن يبقى تعديل القانون حكراً على رجال الدين، وغالبيتهم ذكور، وغير ملمّين بمعاناة النساء ونسب العنف والطلاق في المجتمع. الاقتصار على رجال الدين في هذا الشأن سيكون بمثابة إصدار فتوى حول زراعة الأعضاء، بدون الرجوع إلى الطبيب.

إنجازات تحققت

في الوقت الذي يُجهد البعض نفسه في إثبات أن باب الاجتهاد أُغلق، وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، انتقلت بعض الدول من ضيق المذهب الواحد أو العُرف الدارج، إلى رحابة التفاسير المختلفة، في بحثٍ جاد عن الأفضل والأصلح للتعاطي مع التحديات المعاصرة، وهو مصداق لقول النبي صلى الله عليه وسلم، "احرص على ما ينفعك".

غالباً ما يتم اتخاذ الدين كذريعة لرفض تغيير قوانين الأسرة، لكن التغييرات التي أقرّتها بعض الدول، والتي لا تتعارض مع الشريعة الإسلامية، هي أبلغ دليل على أن التغيير ضروري بل وممكن.

تقول مروة شرف الدين، الخبيرة في حركة مساواة، وهي حركة دولية، مقرها في ماليزيا، وتدعو إلى المساواة والعدالة داخل الأسرة، وقدّمت على مر السنين العديد من الاجتهادات والرؤى التي قام بها باحثون وباحثات مسلمون، في محاولة لربط التراث الإسلامي بالواقع المعاش: "أرى أن الرجال هم من أهم المستفيدين بحال تغيير القانون نحو صيغة أكثر مساواة، إذ سيجدون مَن يشاركهم في الأعباء المادية، كما سيتوافر لديهم الوقت الكافي لقضائه مع أولادهم".

في هذا السياق، نرى مثلاً أن المغرب وتونس ألغيا واجب الطاعة، الذي يُعَدّ أحد واجبات المرأة في أغلب قوانين الأسرة في المنطقة.

أما التعدد، فلا يوجد دولة عربية تجرّم تعدد الزوجات إلا تونس، ولكن بعض الدول اتجهت إلى تقنينه، بأن يكون لأسباب معيّنة، وبإذن القاضي، بعدما يطّلع على أسباب الزوج وقدرته المادية على الإنفاق على أكثر من زوجة، مثل المغرب.

كما طبّق المغرب المساواة في طلب الطلاق للشقاق، إذ أتاحت قوانينه للرجال والنساء على حد سواء المطالبة بالطلاق عن طريق المحكمة، كما حددت الحد الأقصى للمدة الزمنية للبت في قضايا الطلاق بستة أشهر، وفرضت دفع المستحقات المالية قبل الطلاق.

وكذا، ألغت الأردن ومصر والمغرب وتونس ولبنان المادة التي تمنع عقاب المغتصِب، بحال تزوج ضحيته، وسمحت مصر والجزائر والعراق للمرأة المتزوجة من أجنبي بنقل جنسيتها إلى أولادها، لتكون مساويةً للرجل في ذلك.

وفي ذات الإطار، أطلقت حركة مساواة حملة لإصلاح قوانين الأسرة بشكل متكامل، في العالم العربي والإسلامي هذا الشهر، للتوعية بأهمية إعادة النظر في قوانين الأسرة المسلمة، من خلال إعادة العمل بالاجتهاد.

هل المجتمع مستعد لهذا التغيير؟

تلعب الأعراف والتقاليد دوراً محورياً في تشكيل وعي الناس، خاصةً في منطقتنا العربية. لذا فتغيير القانون لن يكون كافياً، بل يجب أن يصاحبه تغيير في نمط التفكير السائد والمرتبط في وعي الناس بالدين الذي هو برأيهم خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

يجب نشر القيم الإيجابية في المجتمع والتي تدعم المودة والرحمة والمشاركة.

ترى شرف الدين أنه يجب تغيير الصور النمطية للرجال، كما للمرأة، وتقول: "نخطئ كثيراً حينما نضع الرجل في صورة المسيطر دائماً، الذي يعلم كل شيء، وبهذا نحرم الرجال من لحظات الضعف، من البكاء، أو من طلب المساعدة، ونحن في النهاية بشر، ولا يمكن لأحد البقاء قوياً طوال الوقت".

وتضيف: "لا أدري لماذا يصرّ البعض على أن الرجولة تحكّم، ولدينا في الرسول (عليه الصلاة والسلام)، أسوة حسنة، لفهم معنى الرجولة الحقيقي. الرجولة تعني أن يكون الزوج سعيداً عندما يجد زوجته تزدهر أمامه، تتقدم في مسيرتها المهنية، وينحاز دوماً للصواب والحق".

أما عفيفي فيعترف بأن هناك العديد من المفاهيم الملتبسة والمرتبطة خطأً بالدين، فكثير من الناس يعتقدون أن العمل المنزلي هو من صميم واجبات الزوجة، مع أن الإسلام لم يأمر المرأة بذلك.

وينصح باضطلاع الشيوخ والأئمة بالتوعية حول تلك الموضوعات، لقربهم من الناس وللمصداقية التي يتمتعون بها، ويخص بالذكر أهل الريف الذين يحتاجون إلى التوعية في حالات كثيرة أكثر من أبناء المناطق المدينية.

أما سليمان، فترى أننا "يجب أن نغيّر التصورات النمطية عن الرجل كمعينٍ لا ينضب، وعن النساء كأنهنّ في رباطٍ من المسؤوليات إلى يوم الدين، لأن ذلك يتحوّل بعد ذلك إلى اعتمادية عند الأطفال، ويظل الزوجان يدوران في فلك المسؤوليات طول الوقت، ولا يعيشون حياتهم كما ينبغي".

لا شك في أن موضوع المساواة بين الرجل والمرأة أمرٌ بالغ التعقيد، ويزيد الموضوع سوءاً أن يأتي الظلم في ثوب الشريعة. مع ذلك، يبقي الرهان على حالة الوعي المتزايد بحقوق الإنسان، والذي رسَّخ عند الكثيرين رفض القوالب الجاهزة للدين، والبحث عن المنطق وراء الأحكام وتحديد الحلال والحرام.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard