"نحتاج إلى مساحة آمنة للحوار"... سوريات وسوريون فرّقتهم الحرب وجمعتهم الموسيقى

الثلاثاء 7 سبتمبر 202103:49 م

قبل ثلاثة أيام من الحفل النهائي لمشروع "تناغم سوريا"، كانت التحضيرات على أشدها، بأجواء من الحماس والجهد.

مئتان وعشرون شابة وشاباً من الهواة والمحترفين، حزموا أمتعتهم من مختلف المناطق السورية للذهاب إلى دمشق، لينشدوا السلام على إيقاع الحرب. صدحت نغمات الموسيقى في قاعات التدريب، وعلت أصوات المشاركين، بأغانٍ كُتبت خصيصاً للمشروع، وأخرى تتناول مواضيع السلام والأمل، أو تتحدث عن بلاد مزّقتها الحرب، ما خلّف في نفوس السوريين آلاماً كبيرة.

وفي الحفل الذي أقيم في دار الأوبرا في دمشق، الأسبوع الفائت، علت أصوات تصفيق الجمهور مع غناء الجوقة الكبيرة التي ملأ أعضاؤها خشبة المسرح، ولعلهم ما كانوا يصفقون لما يسمعونه من كلمات وألحان تلمس وجدانهم، وحياتهم، والتجارب التي عاشوها خلال السنوات الفائتة، فحسب، وإنما لفكرة المشروع الذي حمل شعار "صوتي وصوتك مسموعين"، ساعياً إلى نشر السلام، من خلال الغناء والموسيقى.

يحمل مشروع "تناغم" شعار "صوتي وصوتك مسموعين"، ساعياً إلى نشر السلام، من خلال الغناء والموسيقى.


"لا صوت يعلو على الآخر"

في بداية شهر شباط/ فبراير الماضي، أطلق مشروع "تناغم سوريا" أنشطته، بإدارة من كورال "غاردينيا" النسائي، الأول من نوعه في سوريا، وبدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، في محاولة لنشر السلام، وتعزيز التماسك المجتمعي، في بلد مزقت الحرب أرجاءه، ومجتمع بات خطاب العنف والكراهية طاغياً عليه.

ولتحقيق هذا الهدف، اختار المشرفون على المشروع، وكادره المكون من 16 مدربة ومدرباً، التجول في أنحاء سوريا، واللقاء مع شبان وشابات من مختلف المحافظات، ومن ثم انتقاء 220 منهم، بناءً على الموهبة، والمهارات الأكاديمية والموسيقية، لتأليف جوقة قد تكون من الأكبر على مستوى سوريا.

"اخترنا الكورال لأن الجميع يغنون بمستويات متوازية من الصوت. لا صوت يعلو على الآخر، وبذلك يحصل التناغم. لذلك كان شعارنا ‘صوتي وصوتك مسموعين’، فالأمر ذاته لو طُبّق في حياتنا اليومية، فسنحصل على مجتمع صحي ومتعافٍ، إذ الجميع حاصلون على حقهم في التعبير، كما الآخرين تماماً"، تقول مغنية الأوبرا والمدربة غادة حرب، وهي مديرة "تناغم"، في لقاء مع رصيف22.

من جانبها، تشرح المديرة الإدارية للمشروع، والأستاذة في المعهد العالي للموسيقى سفانة بقلة، لرصيف22، قائلةً: "تستطيع الموسيقى تكوين لغة مشتركة بين شخصين، مهما كانا مختلفين، إذا كان لديهما الشغف نفسه. في "تناغم"، ينتمي المشاركون إلى محافظات مختلفة، وبعيدة عن بعضها، وعلى الرغم من الاختلافات والخلافات كلها، التي ولدتها الحرب بين أبناء المحافظات السورية، استطعنا خلق حالة من الانسجام بينهم".

وتضيف بقلة أن الموسيقى كثيراً ما تم توظيفها لتحقيق السلام في المجتمعات، بعد الحروب، "وهذا ما نفعله من خلال مشروعنا".


تدريبات مكثفة

لاستقطاب الشبان والشابات، من مختلف أنحاء سوريا، نشر القائمون على المشروع إعلاناً على مواقع التواصل الاجتماعي لمن يود المشاركة، وقد لفت نظر تسنيم السواس، وهي من مدينة حلب، وخريجة معهد صباح فخري للموسيقى، فوجدت فرصة لممارسة شغفها، واكتساب خبرة مختلفة.

تقول الشابة الثلاثينية لرصيف22: "لفتني وأثار فضولي، ربط الموسيقى بالسلام، وهو مفهوم جديد نوعاً ما في سوريا، فملأتُ الاستمارة، وتم قبولي كعضوة في الكورال".

"في تناغم، ينتمي المشاركون إلى محافظات مختلفة، وبعيدة عن بعضها، وعلى الرغم من الاختلافات والخلافات كلها، التي ولدتها الحرب بين أبناء المحافظات السورية، استطعنا خلق حالة من الانسجام بينهم"

تتابع تسنيم، وهي تعمل معالجةً نفسية: "على الرغم من أن شغفي كبير بالموسيقى، لكن لم يكن متاحاً لي امتهان ذلك، بسبب قلة الفرص في سوريا. في ‘تناغم’، التقيت شباناً وشابات لديهم شغف بالموسيقى، وفي الوقت ذاته ينخرطون في العمل المجتمعي في سوريا، ما زاد من حماسنا للمشروع الذي يجمع أهدافاً فنية ومجتمعية، في آن معاً".

تلت عملية الاختيار، ورشات عمل في ثماني محافظات، بدأت من دمشق وريفها والقنيطرة، ثم درعا والسويداء، ومنها إلى اللاذقية، فحمص وحماة، بالإضافة إلى حلب التي استقطبت أيضاً المقيمين في دير الزور والحسكة، نتيجة صعوبة الوصول إلى المحافظات الشرقية، التي لا تزال بعض مناطقها "ساخنة"، أو خارجة عن سيطرة الحكومة السورية.

وتتابع بقلة شرحها لآلية عمل المشروع: "في المرحلة التالية، قسمنا المشاركين على ثلاثة ملتقيات، بهدف التقاء أبناء المحافظات المختلفة، وكان يتم ذلك بتقسيم المشاركين في كل محافظة إلى ثلاثة أقسام، يُوزَّع كل قسم منها على الملتقيات الثلاثة، ليصبح لدينا في كل ملتقى مجتمع صغير، يضم أبناء المحافظات جميعها. وتابعنا خلال الملتقيات المواضيع الحوارية التي بدأنا بها".


التماسك المجتمعي وتحفيز الشباب

التماسك المجتمعي من القيم التي يروّج لها المشروع، والتي حاول القائمون إيصالها من خلال هيكلية التدريب والملتقيات التي تجمع أبناء المدن المختلفة، وأيضاً المحاضرات التي تدعو إلى الابتعاد عن خطاب العنصرية، أو الكراهية، أو التفرقة.

"بذلك، ضم المشروع برنامجاً موسيقياً وُضع خصيصاً له، وكل ورشة انقسمت إلى جزء موسيقي، وآخر مجتمعي يضم جلسات حوار، ومحاضرات، وإثارة مواضيع للنقاش، منها: معنى التماسك المجتمعي، والنزاع وأنماطه، والسلام، ودور الموسيقى في صنع السلام"، تشرح سفانة في حديثها.

وتضيف: "المشروع هو قفزة إيمانية بالشباب السوري، إذا يهيئ لهم بيئة آمنة تحتضن الاختلاف والتنوع، بعيداً عن الأفكار النمطية، ومن دون أي مجال للتنمر، أو الحكم المسبق، ومجتمعاً يحتضن مواهبهم، ويدعمهم، ليختبروا أنفسهم إن كانوا قادرين على الإبداع. ويكفي خلق ظروف منصفة للشباب، لنحصل على نتائج غير متوقعة".

يقول يزن قطيفان، وهو موسيقي من مدينة درعا، وأحد المشاركين في "تناغم"، لرصيف22: "في بداية التدريبات، كان لدى بعض المشاركين حكم مسبق على آخرين قادمين من محافظات مختلفة، خاصةً وأننا نتحدث عن جيل تكوّن وعيه خلال فترة الحرب".

كسرنا الفروقات التي تكونت بسبب الحرب، من كل منطقة، وفئة، ودين. في نهاية المطاف، المحبة والسلام سلوك.

تلاشت تلك النظرة خلال الأيام الأولى من التدريبات، كما يشرح يزن: "غيّر المشروع نظرتنا إلى الحياة، واستطاع بناء جسور بيننا، ودعمنا نفسياً وأكاديمياً، فكانت هناك تدريبات وتسجيلات ومتابعة، على مستوى أكاديمي عالٍ".


"المحبة والسلام سلوك"

لا يخفي القائمون على المشروع فرحهم بالنتائج التي لمسوها، خلال الأشهر السبعة الماضية، والتي حققت الكثير من الحب والسلام بين المشاركين.

"مئتان وعشرون قصةً، وروحاً، وخلفية ثقافية، لديهم الأمل والوجع نفسه، وعلاقات جميلة بُنيت بشكل لم نتوقعه، حتى في أقصى طموحاتنا"، تقول سفانة بنبرة فيها الكثير من الفرح، وتضيف: "من أكثر القصص التي أثرت فينا، شاب من المشاركين كان فاقداً الأمل في الحياة، ويعاني من الاكتئاب منذ سنتين، وحاول الانتحار سابقاً. وبتحفيز من أصدقائه، شارك في مشروع ‘تناغم’، الذي منحه جرعة أمل كبيرة، وبسبب تأثره، وشم شعار ‘تناغم’، في المكان الذي حاول أن يقطع شرايينه فيه، حتى يذكّر نفسه، كلما مرّ بحالة يأس، بأنه لا يزال هناك أمل في الحياة".

تضيف غادة حرب أن مشروع "تناغم" كسر الحالة التي ولدتها الحرب، بالعنصرية بين المناطق المختلفة، والأحكام المبنية مسبقاً: "إحدى المشاركات دعت الجميع إلى حفل زفافها في محافظة السويداء، ولبّى المشاركون الدعوة قادمين من مختلف المحافظات، شمالاً وشرقاً وغرباً. عددنا الأمر إنجازاً، بالنظر إلى الخلافات العميقة التي ولّدتها الحرب، ومنعت كثيرين من السوريين من الاختلاط بأبناء محافظات أخرى".

"من القصص التي أثرت فينا، شاب يعاني من الاكتئاب وحاول الانتحار. بتحفيز من أصدقائه، شارك في ‘تناغم’، الذي منحه جرعة أمل كبيرة، وبسبب تأثره، وشم الشعار في المكان الذي حاول أن يقطع شرايينه فيه، حتى يذكّر نفسه، كلما مر بحالة يأس، بأنه لا يزال هناك أمل في الحياة"

وأكملت: "أصبح المشاركون عائلة واحدة، ولديهم أهل وأصدقاء في المحافظات كلها. جمعنا أشخاصاً لديهم عادات وتقاليد مختلفة، بعيداً عن العنصرية، وكسرنا الفروقات التي تكونت بسبب الحرب، من كل منطقة، وفئة، ودين. في نهاية المطاف، المحبة والسلام سلوك".

من جانبه، تحدث يزن قطيفان عن الأثر الذي تركه المشروع، أيضاً، لدى الجمهور: "التحضيرات والتدريبات كانت متعبة، ولكن النتيجة، وتفاعل الناس كانا مهمين، ورجع الصدى الذي تلقيناه على مواقع التواصل، من تعليقات ومنشورات، جعلنا نشعر كم استطعنا الوصول إلى الجمهور، وترك أثر إيجابي لديه".

وتختم تسنيم السواس حديثها قائلةً: "خلال سبعة أشهر، تعرفت إلى أشخاص جدد لا أتخيل حياتي اليوم من دونهم. أكثر ما مسّني، في أثناء الورشات، ذكر قصص شخصية جداً لأصحابها، من التجارب التي عاشوها في الحرب. كان واضحاً أننا جميعاً في حاجة إلى مساحة آمنة للحوار".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard