"مجرد ترقيع لا أكثر"... هل تحل الطاقة الشمسية أزمة الكهرباء في سوريا؟

السبت 28 أغسطس 202101:33 م

بات مشهد أسطح الأبنية، في العاصمة دمشق وأريافها، مختلفاً اليوم، إذ تمكن ملاحظة ألواح الطاقة الشمسية في الكثير من المناطق. غياب الكهرباء لساعات طويلة، وربما لأيام، جعل كثيرين يلجؤون إلى خيار الطاقة المتجددة، ولو اضطرهم الأمر إلى بيع قطع من أثاث منزلهم، أو الاستدانة، والتقسيط لسنوات.

ولاء، وهي من بلدة يلدا في ريف دمشق الجنوبي، عادت منذ ثلاث سنوات إلى منزلها، بعد أعوام من النزوح نتيجة المعارك. حينها لم تكن الكهرباء تنقطع إلا لساعات قليلة كل يوم، وهو من الأسباب الأساسية التي دفعتها للعودة.

"هذا العام، باتت الكهرباء تنقطع ست ساعات، مقابل نصف ساعة وصل"، تقول السيدة الثلاثينية لرصيف22، وتضيف: "شعرنا وكأن الحياة انعدمت بلا كهرباء. حتى المياه ما عادت تصل إلى الخزانات، لأن تعبئتها تكون بواسطة جهاز ضخ كهربائي، لذا أصبحنا نلجأ إلى شرائها من الصهاريج المتنقلة. حاولنا لفترة الاعتماد على مولدات الكهرباء، لكن أزمات الوقود المتكررة دفعتنا في النهاية نحو الطاقة الشمسية".

بات مشهد أسطح الأبنية في سوريا مختلفاً اليوم، مع انتشار ألواح الطاقة الشمسية.

لتركيب ألواح الطاقة الشمسية، والتي وصلت تكلفتها إلى خمسة ملايين ليرة سورية (حوالي 1500 دولار أمريكي)، لجأت عائلة ولاء إلى بيع منزل لها قيد الإنشاء، في إحدى ضواحي دمشق، إلى جانب الاستغناء عن الكثير من المصاريف الأخرى، على الرغم من أهميتها.

وعلى الرغم من هذه الكلفة المرتفعة، في بلد لا يتجاوز متوسط الرواتب الشهرية فيه مئة دولار، تشير ولاء إلى انتشار الطاقة الشمسية بشكل كبير في بلدتها: "من شرفة المنزل، ستشاهدين أن غالبية المنازل ركّبت هذه الألواح، وهي ذات ديمومة طويلة، ولكن بطارياتها قد تحتاج إلى تغيير كل عام تقريباً، وأسعارها مرتفعة تصل إلى مليون ومئتي ألف ليرة للبطارية الواحدة".


كلفات "خيالية"

تعيش سوريا في الأشهر الأخيرة أزمة كهرباء غير مسبوقة، إذ وصلت ساعات انقطاعها إلى أكثر من عشرين ساعة يومياً، في بعض المناطق، ويعود السبب وفق تصريحات حكومية إلى خروج محطات توليد كهرباء عن الخدمة، والنقص الحاد في كميات الغاز اللازمة لتشغيلها.

ومع استمرار هذه الأزمة، من دون وجود حلول حكومية واضحة لها، بدأت وسائل إعلام محلية بالترويج لاستخدام الطاقة الشمسية، متجاهلةً كلفاتها الباهظة التي يعجز عنها معظم السوريين. مثلاً، صرّح رئيس مجلس الوزراء في حزيران/ يونيو الماضي بأن "هناك نقصاً في الطاقة الكهربائية، ولا حل لدينا إلا في الطاقات البديلة"، ونشرت صحيفة الوطن المحلية خبراً عن "مشروع قانون يسمح بإعطاء قروض من دون فائدة، لأي شخص يريد الاستفادة من الطاقة البديلة"، من دون تحديد أي تاريخ لبدء العمل بهذا القانون.

ووفق رصد أجراه رصيف22، تبدأ كلفة منظومة الطاقة الشمسية من مليون ونصف مليون ليرة للمنازل (470 دولاراً)، وصولاً إلى خمسة وثلاثين مليون ليرة (11 ألف دولار) للمشاريع الصناعية، أو الإنتاجية. ضمن المنازل، يمكن بمبلغ أربعة ملايين ليرة (1250 دولاراً)، تشغيل الأساسيات الخفيفة، من إنارة، وشاشات، وشواحن الهواتف، والحواسيب، وبراد صغير، وبرفع المبلغ إلى سبعة ملايين، يمكن إضافة براد كبير، وجهاز تبريد الماء، وبمبلغ عشرة ملايين وأكثر، يمكن تشغيل المكيّفات.


"تدبير حال"

وفق حديث المهندس المتخصص في الطاقة المتجددة، محمد عبد القادر، نشط سوق الطاقة الشمسية في الآونة الأخيرة في سوريا، خاصةً منزلياً، وكانت الحصة الأكبر للمناطق الريفية، والضواحي، نظراً إلى انقطاع الكهرباء عنها ساعاتٍ طويلة.

ويشرح المهندس حال هذا السوق لرصيف22، قائلاً: "لأن كلفة الطاقة الشمسية مرتفعة، ما يحدث على أرض الواقع هو ‘تدبير حال’. فمعظم المشاريع المنزلية لا يتم العمل عليها بشكل صحيح، وإنما بما يتناسب مع القدرة المادية للعائلات، وعليه هي في أدنى جودتها. مثلاً، كثيرون يطلبون تركيب لوحَين لإنارة المنزل، وشحن الهواتف، وما إلى ذلك من الأمور البسيطة، لكن هذه المشاريع ليست دائمةً، وتؤدي إلى تلف البطاريات سريعاً، بسبب الاعتماد عليها بشكل كبير، خاصةً وأن النوعيات المتوافرة في الأسواق السورية اليوم، رديئة".

ويشير عبد القادر إلى أن معظم زبائنه يدبّرون الكلفة من خلال الاستدانة، أو بيع شيء ثمين يملكونه، أو بالاعتماد على الحوالات المالية الخارجية.

"لأن كلفة الطاقة الشمسية مرتفعة، ما يحدث على أرض الواقع هو ‘تدبير حال’. فمعظم المشاريع المنزلية لا يتم العمل عليها بشكل صحيح، وإنما بما يتناسب مع القدرة المادية للعائلات، وعليه هي في أدنى جودتها"

"العمل في مشاريع الطاقة الشمسية في سوريا اليوم، عشوائي، ويحتاج إلى ضبط وتنظيم وترخيص، وتالياً إلى رقابة، وتوقيع عقود، وضمانات"، يقول المهندس ويكمل: "إلى الآن، لا توجد رقابة على إعطاء رخص للعمل في هذا المجال، وتالياً أي شخص بلا مؤهلات، يستطيع تركيب الألواح، وأي تاجر يستطيع الاستيراد، ونرى اليوم قطعاً في السوق عليها مواصفات غير مطابقة للمواصفات الفعلية، وتباع بسعر اللوح الأصلي نفسه، بسبب قلة دراية الناس بهذا الأمر الجديد نوعاً ما في سوريا، وعدم وجود رقابة".

وفي نهاية تموز/ يوليو الفائت، صرّح مسؤول في المركز الوطني لبحوث الطاقة لإحدى الصحف المحلية، بأن نصف ألواح الطاقة الشمسية المعروضة في السوق السورية، حالياً، مجهولة المواصفات، وأُدخلت إلى البلد من دون علم المركز، وعليه لا يمكن الحكم عليها بأنها مغشوشة، أو مخالفة، أو ذات مواصفات جيدة.

ويضيف المهندس: "مع التدهور الاقتصادي في سوريا، يتم استيراد الأجهزة الأقل الكلفة، بغض النظر عن نوعيتها، وغالباً من الصين والأردن، وهناك الكثير من الألواح غير المطابقة للمواصفات العالمية في السوق، فالتاجر أو المستورد همه الربح فحسب".


"إما إغلاق المنشأة أو الطاقة البديلة"

عمر هيكل، صاحب معمل ألبسة في منطقة كفرسوسة غرب دمشق، كان أمام خيارات عدة في الأشهر الأخيرة: إما إغلاق منشأته الصناعية، أو تغيير مكانها إلى منطقة صناعية تتوافر فيها مقومات العمل، وهو حل مكلف جداً، أو تركيب منظومة الطاقة البديلة.

يشرح الرجل وضع عمله لرصيف22، قائلاً: "بسبب أزمة المحروقات، حتى المولدات لم تعد تجدي نفعاً، فالحصول عليها أصبح صعباً، وإن وُجدت فكلفتها مرتفعة. وعلى الرغم من عدم اقتناعي بجودتها ومصداقيتها، لجأت إلى ألواح الطاقة الشمسية، إذ لم يعد أمامي حل آخر".

ارتحنا، ولو جزئياً، من أزمات الغاز والكهرباء والوقود، في بلد يعجز عن توفير أساسيات الحياة لنا.

يضيف: "بالتأكيد تركيب منظومة الطاقة الشمسية كان حلاً لاستمرار المنشأة، لكنه حل جزئي، لأنه لا يلبي الاحتياجات كافة. تكلّفنا 18 مليون ليرة (5600 دولار)، لتشغيل الإنارة، والمراوح، وآلات الدرزة، وفي المقابل هناك معدات لا يمكن تشغليها بهذا المبلغ، وعليه انخفضت الإنتاجية بشكل ملحوظ".

يرى هيكل أن حل الطاقة البديلة للتجار والصناعيين، يحقق فائدة جزئية، فهي طاقة محدودة بكلفة عالية، كما أنهم لا يملكون المعلومات الكافية عنها، "وتالياً لا بد من وجود جهة رقابية تتابع ما يتعلق بمعدات الطاقة الشمسية كله، ويكفل لنا حقوقنا، ففي سوريا كثيراً ما تدخل مواد جديدة الأسواق، وبعد سنوات تصدر قرارات بمنعها، لمخالفتها المواصفات المطلوبة، وهو أمر يجب أن يحدث قبل أن نتورط في الشراء".


"لا تصلح لأن تكون مشروعاً عاماً"

مع انتشار الألواح الزرقاء في مختلف أنحاء سوريا، وبهذا الشكل غير المدروس أو المنظم، بدأ الموضوع يسبب مشكلات بين السكان، فأسطح البنايات لا تكفي لتركيب الطاقة الشمسية لكل المنازل، خاصةً وأن جزءاً منها تشغله خزانات المياه الكبيرة الضرورية، بسبب انقطاع المياه المتكرر.و بذلك لم يعد غريباً أن نرى ألواحاً مركبة على النوافذ، بطريقة عشوائية.

"ما يحدث في سوريا اليوم، هو سد حاجة أو ‘ترقيع’ لا أكثر، ومجرد مشاريع فردية مستقلة عن الشبكة الرئيسية"، يقول المهندس عبد القادر، شارحاً كيف أن الطاقة الشمسية لا تصلح لأن تكون المصدر الأساسي للكهرباء في سوريا، وإنما مكملة لها، ويجب أن تكون متصلة بالشبكة، وتضخ الطاقة داخلها، فهي مصدر رديف ومتجدد، خاصةً أن نسبة الإشعاع الشمسي في سوريا جيدة جداً.

لكن المتحدث يضيف بأن ما يمنع إقامة مشاريع طاقة شمسية على مستوى سوريا، هي الكلفة المادية العالية، بالإضافة إلى أن العقوبات الاقتصادية تمنع دخول شركات عالمية، لإقامة هذه المشاريع التي يمكن أن تستوفي كلفاتها من أرباح المشروع نفسه.

"تركيب منظومة الطاقة الشمسية كان حلاً لاستمرار المنشأة، لكنه حل جزئي، لأنه لا يلبي الاحتياجات كافة. تكلّفنا 18 مليون ليرة (5600 دولار)، لتشغيل الإنارة، والمراوح، وآلات الدرزة، وفي المقابل هناك معدات لا يمكن تشغليها بهذا المبلغ، فانخفضت الإنتاجية بشكل ملحوظ"

طاقة "تشاركية"

"حُرمنا من أساسيات الحياة، كالمياه الباردة في فصل الصيف، وتلفت المؤونة بسبب توقف البراد عن العمل، عدا عن عدم قدرة طفليّ على تحمل ارتفاع درجات الحرارة"، تقول سلام، وهي سيدة عشرينية مقيمة في الكسوة، في ريف دمشق الغربي، عما دفع عائلتها إلى تركيب أربعة ألواح طاقة شمسية، بتكلفة ستة ملايين ليرة (1800 دولار)، دفعتها من مدخراتها، ومن خلال تقنين مصروفها فترةً طويلة.

تغيرت حياة العائلة بشكل كبير، فالألواح شغّلت البراد والثلاجة، وتحاول سلام مساعدة جيرانها قدر المستطاع، كما تقول لرصيف22. "أقوم بتعبئة الماء، والثلج، وتوزيعها على الجوار، فمعظم الناس لا تملك القدرة على دفع هذا المبلغ المرتفع".

في النهار، تعتمد الألواح على أشعة الشمس، وفي الليل على ما خزّنته بطارياتها في أثناء ساعات اليوم، ومع ذلك، تشير سلام إلى عدم كفايتها لحاجاتهم كلها، فالمعدات ذات جودة منخفضة، وتحتاج إلى الصيانة كل فترة، وتحتاج العائلة إلى ألواح إضافية في حال قررت تشغيل التدفئة شتاءً. "في مطلق الأحوال، ارتحنا، ولو جزئياً، من أزمات الغاز والكهرباء والوقود، في بلد يعجز عن توفير أساسيات الحياة لنا"، تختم ولاء حديثها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard