"الاستقلال والطاقة مصدر بقاء"... فلسفة أصغر رائدة أعمال فلسطينية

الخميس 17 أكتوبر 201907:11 م



كثير من الدول العربية، خاصة في المناطق البعيدة عن العاصمة، تعاني من مشاكل في مصادر الطاقة، ويفرّ الكثير من أصحاب المواهب إلى أخرى غنية، ومريحة، تُمكّنهم من مهاراتهم، وتفتح طرقاً لتحقيق النجاح، ليعودوا إلى بلادهم، فخورين بما أنجزوا في الخارج.

ولكن لمشوار نجاح المهندسة الفلسطينية مجد المشهراوي (25 عاماً) من قطاع غزة، حكاية مختلفة.

أثبتت مجد الشهراوي أنها قادرة على تحدي الصعاب، ومحاربة البطالة، فخاضت غمار تجربتها الخاصة، وابتكرت مشروعها، واستطاعت أن تقود مجموعة من العمال في شركتها، فصُنّفت كأصغر رائدة أعمال، ومن أفضل المشاريع الريادية في قطاع غزة.

"الاستقلال والطاقة مصدر بقاء"

حول ولادة فكرة المشروع تحدثت المشهراوي لرصيف22 قائلة: "أؤمن أن الاستقلال والطاقة هما مصدر البقاء، لأنه إذا كنت تملك أساسيات الحياة، كل شيء يأتي سهل بعد ذلك، خاصة أن قطاع غزة يفتقر للأساسيات مثل الكهرباء والمياه".

تحكي المشهراوي عن بداية طريقها: "جاءت فكرة إطلاق مشروع الطاقة الشمسية في عام 2017، عندما سافرت إلى أمريكا، وكنت غير قادرة على التواصل مع عائلتي لمدة أسبوع بسبب انقطاع التيار الكهربائي، بعد ذلك سافرت إلى اليابان، وكان أكثر ما لفت انتباهي هو الأنوار في الشوارع، فقررت أن أصنع شيئاً لغزة، وأضع نقطة بداية لحل أزمة الكهرباء التي حلت بشعبنا منذ عام 2006".

تكمل المشهراوي: " أطلقت شركة Sun Box عام 2017، وبدأنا بالعمل في الشركة مع ثلاثة مهندسين، وبسبب وجود أكثر من شركة للطاقة الشمسية، في البداية عَملنا بالتركيز على العائلات الفقيرة، لأنها تعتبر أكثر فئة تحتاج للكهرباء، وبتكلفة مالية تناسب حالتهم الاقتصادية وبأفضل جودة، حيث سعر النظام في اللوحة يبدأ من 350 دولار حتى 20 ألف دولار، فهو يعتمد على حجم النظام وعدد اللوحات والأجهزة، من ثم زاد عدد المهندسين في الشركة الى عشرة أشخاص، فأصبحنا نعمل مع المصانع والشركات والعائلات الكبرى".

"سافرت إلى معظم دول أوروبا وأمريكا والوطن والعربي واليابان، حوالي 22 دولة، لهدف التدريب والدراسة والبحث واستلام جوائز، وحصلت على جائزة محمد علي من المسار الأمريكي، وجائزة الإمارات البرونزية من المجلس الأعلى للطاقة لعام 2017 في دبي".

طموح وانتماء

وعن إنجازات الشركة تقول المشهراوي لرصيف22: "استطعنا تزويد أكثر من 220 عائلة بالطاقة الشمسية، والقيام بتنفيذ مشروع 20 محطة تحلية في قطاع غزة من الشمال للجنوب، وحجم مبيعاتنا يبلغ 420 ألف دولار قبل انتهاء عام 2019".

"في غزة أشعر بالانتماء، سافرت وأنا في عمر الـ19 عاما، ولا مرة فكرت أعيش، وأستقر خارج بلدي، بالرغم من توفير كافة الاحتياجات اللازمة من عروض وفرص ودراسة، لا أريد أن أسافر وأكون سعيدة وناجحة في بلاد أخرى، وأتخلى عن أهلي وأصحابي خاصة"
"غزة ليست مكاناً للحزن وقلة الحيلة والإحباط والظروف الصعبة، بل فيها من يستطيع تحدي الواقع والانطلاق نحو آفاق رحبة من النجاح".

"في غزة أشعر بالانتماء على الرغم أنى سافرت وأنا أبلغ من العمر 19 عاماً، ولا مرة فكرت أن أعيش وأستقر خارج بلدي، بالرغم من توفير كافة الاحتياجات اللازمة من عروض وفرص ودراسة، شعوري بعدم المساواة أن أسافر وأكون سعيدة وناجحة في بلاد أخرى وأتخلى عن أهلي وأصحابي، خاصة أنهم كانوا السبب الأكبر في دعمي ونجاحي ووصولي الى هذا المكان، فكيف لي أن أتركهم يعانون في غزة، فقررت وقلت بيني وبين نفسي: مثل ما أخذت مجد فرصتها بالحياة لازم تعطي للناس فرصتهم".

وتشكو المشهراوي من صعوبات تواجهها عندما تبدأ بشحن اللوحات، وأنظمة الطاقة الشمسية مباشرة من الصين الى غزة وتقول: "في ظل عدم تقبل المجتمع الفلسطيني فكرة إني فتاة وأعمل في مهنة تحتاج الى متابعة إلكترونيات، وأنظمة شحنات مع تجار، وغير أننا نعيش بدولة لا يوجد فيها ميناء أو مطار حتى يسهل علينا نقل هذه المعدات اللازمة لعملنا، ناهيك عن مشكلة المعبر الرئيسية، لأنها تحتاج إلى تصريح دخول الى ميناء سدود، سواء البطاريات أو المولدات، جميع المواد تأتي من الجانب الإسرائيلي ومن ثم الى غزة، وهذا جميعه يحتاج إلى وقت أطول ما يقارب 9 أشهر ومجهود أكثر" .


مشروع Green Cake

تمكنت المهندسة المشهراوي في عام 2017 من إنتاج نوع جديد من حجر البناء صديق للبيئة، المكون من رماد الفحم كبديل للإسمنت، وقد أثبت كفاءة الحجر بناءً على الفحوصات المعتمدة لهذا النوع من الحجارة.

وأهم ما يميز حجر البناء صديق البيئة "Green cake" أنه خفيف الوزن، وصديق للبيئة، وعازل جيد للصوت والحرارة، ورخيص الثمن، ويمكن من خلال هذا النوع من الحجارة الاستغناء عن الحصى والرمل، واستبدالها بالرماد الناتج عن حرق الفحم لتوليد الكهرباء.

ويتدرب العديد من الطلبة الفلسطينيين في شركة "صن بوكس" التابعة لها، تزودهم بخبرات تعوضهم صعوبة السفر خارج القطاع المحاصر.

الطالب محمد المزيني (21 عاماً)، يدرس هندسة معمارية، وتدرب في شركة "صن بوكس"، يقول لرصيف22: "في الواقع الذي نعيش به، إن غزة لا يوجد بها مكان للتدريب يتيح لك فرصة العمل واكتساب الخبرات في مجال دراستك، وجدت في شركة صن بوكس منذ أكثر من عامين مساحة لي لأوسع معرفتي في مجال دراستي، وأستطيع أن أطبقها على أرض الواقع، لأني اكتسبت الخبرة الميدانية والمهارات الإدارية والمالية".

إيصال الضوء إلى فقراء غزة

راجي إسليم 34 عاماً،  فلسطيني يقطن في حي الشجاعية شرق مدينة غزة ومستفيد من مشروع الطاقة الشمسية، يقول لرصيف22: "في ظل انقطاع التيار الكهربائي لمدة 8 ساعات يومياً، هذه الأزمة أثرت على كافة مناحي الحياة، خاصة في فصل الصيف، حيث قلة توفّر المياه وتلف المأكولات، فكان اختلاف كبير بين قبل وبعد تركيب الطاقة الشمسية حتى ولو لاستعمالات بسيطة، متمثلة بإنارة المنزل وشحن الأجهزة، وإضاءة المراوح نظراً لشدة الحرارة والدراسة والعمل المنزلي، في حين لا يتم الاستفادة منها بشكل كبير في فصل الشتاء، لعدم توفر أشعة الشمس القوية على مدار اليوم".


كما أوضح إسليم أن الطاقة البديلة لم تغنِ عن وجود الكهرباء، نظراً لعدم قيامها بتشغيل كافة الأجهزة الضرورية كالثلاجة والغسالة، حيث إن قوتها لا تتساوى مع قوة الكهرباء العادية كما أن فترة تواجدها قصيرة، وبالتالي فإن استخدامها يخفّف نسبياً أزمة الكهرباء.

ولا تزال المشهراوي تتابع طريقها لتطوير بلدها، تقول: "غزة ليست مكاناً للحزن وقلة الحيلة والإحباط والظروف الصعبة، بل فيها من يستطيع تحدي الواقع والانطلاق نحو آفاق رحبة من النجاح".

"يلي بخلي أحلامك حقيقة هو عملك أنت وليس أحد آخر"، بهذه الكلمات تُوجه المشهراوي نصيحتها للفتيات والشباب الذين يملكون الأفكار والابتكار بألا ييئسن، مضيفةً: "احترام الناس لك هو مدى نجاحك في الحياة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard