"من يقول لا في مجتمع الهزيمة"... حسين كمال الحالم وأشباح عبد الناصر

الثلاثاء 17 أغسطس 202104:31 م

عندما عُرض مسلسل (زيزينيا) لأول مرة في عام 1997، شعر المخرج المصري حسين كمال، الذي نمر بذكرى ميلاده 17 أغسطس/ آب، أن شخصية بشر عامر عبد الظاهر تشبهه في الجذور والنشأة، وتتلامس معه في تمزقها الناتج عن جريان دماء غير مصرية في عروقها.

فهو نصف يوناني بسبب جنسية والدته، وقد وصم من عائلة أبيه بلقب "ابن الخواجاية" طوال حياته. كما لاحقته أزمة الهوية في مجال عمله منذ البداية، حينما سافر إلى فرنسا وإيطاليا لدراسة أصول صناعة السينما والتلفزيون، ثم عاد ليواجه المشككين في قدرته على تصوير الواقع بعد غربته في الخارج.

في نظر غالبية المتخصصين تخلى عن مبادئه الفنية.

حتى إبداعاته الفنية المتحررة من القولبة، تسببت في تقييم تجربته بصورة مجحفة بعض الشيء، لأنه في نظر غالبية المتخصصين تخلى عن مبادئه الفنية بعد أفلامه الأولى العالية المستوى، ورضخ لحسابات السوق.

يقول كمال في حوار له: "لدي إمكانيات متعددة، ومن الخطأ أن أحصر نفسي في قالب نجحت فيه، لذلك فإنني بعد أن قدمت في (المستحيل) ظاهرة اجتماعية، قدمت (ثرثرة فوق النيل، احنا بتوع الأتوبيس، مولد يا دنيا) وغير ذلك من الأفلام، التي يندرج كل منها تحت نوعية مختلفة تماماً، وهكذا كانت خطتي أن أقدم أعمالي دون أن تكون محبوسة في شكل فني محدد".

وعلى الرغم من هذا التنوع الذي يعد سمة أساسية في حياته عموماً، فإن قضية السلطة تبدو واحدة من أهم الأفكار المتكررة في سينماه، إذ انشغل بإظهار مدى تأثيرها على حياة الفرد والمجتمع، وانحاز إلى التغلب عليها حال تماديها في استخدام صلاحيتها.

صورة من فيلم "المستحيل" إنتاج عام 1965، إخراج حسين كمال

السلطة الأبوية: القيد الشخصي

تلاحمت انطلاقة حسين كمال مع تاريخ ولادة التلفزيون في مصر عام 1960، إذ فتح أمامه الأبواب ليختبر إمكاناته، ويكتشف نفسه وميوله، في الوقت الذي أعطته فيه السينما ظهرها.

لفتت خطواته انتباه المخرج صلاح أبو سيف، الذي كان يترأس مؤسسة السينما آنذاك، وجذبه إلى عالم الشاشة الكبيرة عارضاً عليه مجموعة من الروايات ليختار من بينها ما يصلح ليكون فيلمه الأول، فإذا به يختار رواية (المستحيل- 1965) للدكتور مصطفى محمود.

ربما يرجع الاختيار لكون بطل الرواية يعاني من أزمة عرفها المخرج جيداً، وهي السلطة الأبوية. فقد تعلق حسين كمال بالفن منذ صغره، وكانت لعبته المفضلة هي تصميم عرائس من ورق وتسميتها، ثم خلق قصص وحكايات لها من ابتكاره.

وعندما كبر، وأراد أن يصبح مخرجاً، رفض والده الصعيدي بشدة، وأرغمه على دراسة التجارة، ولم يتمكن من تحقيق حلمه إلا بعد وفاة الأب.

تأثر حسين كمال باستبداد والده، لم يمارس الإخراج إلا بعد وفاته، وعمل على تشويه صورة الأب رب الأسرة الفاضل، فهو فظ مغتصب لخادمته في "البوسطجي"، وغارق في المجون، تتلاعب به بائعات الهوى في "أبي فوق الشجرة"

في فيلم (المستحيل) الذي يصفه الناقد محسن ويفي بأنه "تجربة فريدة لم تتكرر إطلاقاً في السينما المصرية، لمزجها الواقعي مع التعبيري"، يعيش البطل صراعاً بين التقاليد البالية التي فرضها عليه والده، وبين طموحاته وحاجته إلى الحب في حياته.

كما أن الشخصيات بشكل عام تبدو محطمة ويائسة نتيجة علاقتها السيئة في الماضي مع الآباء.


صورة من فيلم (البوسطجي) إنتاج عام 1986، إخراج حسين كمال

يتكرر الأمر مع فيلمه الثاني (البوسطجي- 1968) المأخوذ عن قصة للكاتب يحيى حقي، وتدور أحداثه حول قاهري تقوده الترقية إلى الانتقال لقرية في صعيد مصر، فيجد نفسه وسط واقع متردٍ ومتخلف، يعزز من شعوره بالوحدة.

ولكي يتغلب على رتابة حياته، يقرر أن يفتح الرسائل التي تقع يده عليها بحكم عمله، ناظراً لمكتب البريد، ويتعلق بقصة حب يتبادل طرفاها الخطابات الرومانسية حتى يصبح متورطًا في مأساتهما.

قرر حسين كمال أن يختلف العمل السينمائي عن النص الأدبي في سبب عدم زواج الحبيبين، وبدلاً من أن يعود الأمر إلى اختلاف الطائفة الدينية، وصعوبة الإجراءات كما في القصة، أصبح بسبب تعنّت الأب الذي يرفض الشاب لإقامته علاقة مسبقة مع ابنته، إذ يبدو رجلًا ضيق الأفق، مغتصباً لخادمته، لا يسمع لأحد ولا يتجاوب مع العواطف.

استمر المخرج في صب لعناته على السلطة الأبوية في أفلام كثيرة لاحقة. ففي الفيلم الاستعراضي (أبي فوق الشجرة- 1969)، الذي نال انتقادات لاذعة من النقاد واحتفى به الجمهور، وأبقاه لمدة عام تقريباً في دور العرض.

"كان لا بد أن نصنع هذا الفيلم ولو كان الثمن هو السجن.. كان لا بد أن يكون هناك من يقول لا في مجتمع الهزيمة والرضوخ"

تبدأ الأحداث بمجموعة من الوصايا التي يلقيها الأب على مسامع الابن قبل سفره لقضاء العطلة الصيفية مع أصدقائه، يتخللها تباهيه بتجارب حمقاء وسخرية من جيل الشباب. وتنتهي بوقوع الأب في شباك إحدى الراقصات لا ينقذه منها سوى الابن. وهي دلالة واضحة على رفض تكريس الصورة المثالية لرب الأسرة.

كما يناقش الأزمة بشكل مختلف في فيلم (امبراطورية ميم-1972) مازجاً بين الخاص والعام. تقع السلطة هذه المرة في يد أم تتولى تربية أولادها الستة، وتصطدم معهم في كيفية إدارة البيت، حتى يصل الحال إلى إجراء انتخابات داخلية على منصب القيادة، يتعرض العمل السينمائي إلى حدود تدخل الآباء في حياة الأبناء واختياراتهم، ومنها ينطلق إلى طرح تساؤلات أكبر حول الحرية واستقلال الإرادة داخل الوطن.

يتحدث حسين كمال عن الفيلم: "كان يمكن أن يكون أفضل لولا فاتن حمامة. إصرارها على توجيه كل انتباه المتفرج إليها، جعل السياسة في الخلفية، رغم أنه فيلم سياسي من الطراز الأول، ومن أفضل ما كتب إحسان عبد القدوس. إنه حوار بين طالب ووالده حول الديموقراطية".


سلطة الحاكم: الهم العام

في النصف الثاني من ستينيات القرن الماضي كان المناخ السياسي في مصر خانقًا، وازداد قتامة إثر نكسة 1967. وقد مال الإنتاج السينمائي في ذلك الوقت إلى صناعة أعمال هزلية للتخفيف عن الشعب وإلهائه، ولكن ظلت هناك أفلام تواجه الواقع بنقد كبير مثل (المتمردون-1968) لتوفيق صالح و(القضية 68-1968) لصلاح أبو سيف و(ميرامار-1969) لكمال الشيخ.

لحق حسين كمال بالتيار الذي يصطدم مع السلطة الحاكمة، وقدم فيلمه الملحمي (شيء من الخوف-1969) المقتبس عن قصة للكاتب ثروت أباظة.

"عندما كنت أكتب (شيء من الخوف) كنت وجميع العاملين ندرك أننا ندخل منطقة وعرة، وخطرة جدًا. ولكن كان لا بد أن نصنع هذا الفيلم ولو كان الثمن هو السجن.. كان لا بد أن يكون هناك من يقول لا في مجتمع الهزيمة والرضوخ"، هكذا يتذكر كمال كواليس صناعة الفيلم.


يتبنى الفيلم أسلوب الحكاية الشعبية في وصفه للظلم الذي تمارسه عصابة على قرية عشش الخوف في نفوس أهلها. ويحمل الكثير من الإسقاطات والتأويلات السياسية التي أدت إلى تشبيه زعيم العصابة، الذي يقتات على دم الفقراء ويعمل على كسر شوكتهم تحت تهديد السلاح، بالرئيس جمال عبد الناصر. وقد نتج عن هذا أزمة رقابية، لم تحل إلا بعدما شاهد عبد الناصر بنفسه العمل السينمائي وأجاز عرضه.

حينما انتقلت مصر إلى الحقبة الساداتية، صنع حسين كمال فيلمي (ثرثرة فوق النيل-1971) و(الحب تحت المطر-1975)، المقتبسين عن أدب نجيب محفوظ، معتمدًا على مشهيات تجارية متنوعة. وذلك ليتناول خلالهما الصدمة التي حدثت للمجتمع بعد النكسة ويرصد الانفصال القائم بين عالم الجبهة الحربية وعالم الجبهة الداخلية.


صورة من فيلم (ثرثرة فوق النيل) رواية نجيب محفوظ، إخراج حسين كمال 1971.

في الفيلم الأول تقتحم الكاميرا عوامة على ضفاف النيل تتردد عليها مجموعة من صفوة المجتمع ومثقفيه لتعاطي الحشيش وممارسة الجنس هربًا من الواقع المزري. يدين العمل هذه الأوساط المغيبة التي استسلمت للضياع غير مكترثة بأي شيء يحدث في العالم الخارجي، ولكنه يُرجع السبب في الأساس إلى نظام ثورة يوليو، الذي انفرد بالسلطة وقمع الآراء. وكأن شبح عبد الناصر ظل يطارد حسين كمال حتى بعد موته، متأثرًا بطبيعة الحال بأجواء ثورة التصحيح آنذاك والعصف بمراكز القوى.

أما الفيلم الثاني الذي عُرض في أوج صخب وبذخ ألوان السبعينيات، ينشغل بالتعبير عن آثر الهزيمة على الأجيال المختلفة، وتحديدًا جيل الشباب الذي عاش حالة تخبط نتيجة انهيار الروح المعنوية وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وانتشار الفساد. ولكنه لم يحمل نبرة انتقادية حادة للسلطة مثل سابقه، بل إن مشهده الأخير يُبشر بسطوع شمس أكتوبر 1973. وهي النهاية التي اعتبرها كثير من النقاد مقحمة ودعائية، وتبرأ منها المخرج مُلقيًا المسؤولية على عاتق جهة الإنتاج.

بعدها قدم كمال فيلم (احنا بتوع الأتوبيس-1979) لينضم إلى مجموعة أفلام "الكرنكة"، نسبة إلى فيلم (الكرنك)، التي ركزت على الممارسات القمعية للأجهزة الأمنية في نظام عبد الناصر. في المقابل، لم يتطرق إلى السادات ومبارك بشخصيهما في أفلامه، واكتفى بالإشارة إلى تفشي الفساد والمحسوبية والإهمال في أفلام مثل (لا شيء يهم- 1975) و(آه يا بلد.. آه- 1986).

ربما يعود السبب إلى خلاف في التوجه السياسي مع ناصر تحديداً، ولكن يمكن أيضاً أن يكون نوعاً من التمرد على زعيم الثورة الذي نجح في ترسيخ صورة (الأب) في أذهان شعبه.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard