“علمتني هند رستم الإغراء والشراسة“... حكايات نساء مع نجمات أفلام الأبيض والأسود

الأحد 18 أكتوبر 202002:17 م

ولدت لأبوين يعشقان الفنون الكلاسيكية، وكم كنت أكره وجه نادية لطفي في طفولتي؛ فكلما رأيت وجهها على الشاشة عرفت أني سأحرم اليوم من كرتوني المفضل، ولكن مع مرور العمر، وتجاوز الخط الفاصل بين الطفولة والمراهقة، تحولت تدريجياً لحب نادية لطفي بدرجة فاقت حب والديّ لها بأضعاف.

"أحببت نادية لطفي"

قد يكون سبب ولعي بنادية لطفي شدة شبهها بأمي؛ فكنت أشعر بالأنس عند النظر لوجهها، وأتوسم فيها شباب وجه أمي، وإن جار على وجهي كليهما الزمن، ولكن نادية لطفي ظلت تكبر خلف الشاشة دون أن أرى هذا.

وربما لأنها كانت أحياناً تعبر عن الموقف، بملامحها دون أن تلفظ ببنت شفة، وأحياناً أخرى تحتفظ بملامح جامدة على الشاشة، مما يجعلني أترقب ما ستقوله بفارغ الصبر، وصوتها الباكي دفعني مرات كثيرة للبكاء عندما ظهرت مغلوبة على أمرها، بطريقة أو بأخرى شعرت أنها نضجت في أدوارها المختلفة التي مثلتها، ونضجت معها شخصيتي.


نادية لطفي لم تكن سيدة الشاشة الكلاسيكية الوحيدة التي تركت بصمة في شخصيتي، فمديحة كامل هي امرأة فضلتها أذني قبل عقلي، فصوتها الذي يحمل السماحة والطيبة جعلني أشعر أني أعرفها من مكان ما على أرض الواقع، ناهيك عن ذلك البراءة التي كانت تطغى على أدوراها، فحتى في المرات القليلة التي ظهرت فيها بدور الشريرة لم يتقبل عقلي الأمر، ولا تزال هاتان الفنانتان هما المفضلتين والخالدتين في عقلي وذهني.

سبب ولعي بنادية لطفي شدة شبهها بأمي؛ فكنت أشعر بالأنس عند النظر لوجهها، وأتوسم فيها شباب وجه أمي، وإن جار على وجهي كليهما الزمن، ولكن نادية لطفي ظلت تكبر خلف الشاشة دون أن أرى هذا

دفعتني مشاعري حيال نجمات أفلام الأبيض والأسود، أو الزمن الجميل كما اعتدنا أن نسميه، إلى التساؤل بشأن عدم تأثري بنجمات عصرنا وأيامنا بهذا القدر، وإن كان هذا الولع يكتنز مشاعر ونمط تفكير أكبر من أن يكون مجرد إعجاب.

"أقلد هند رستم في غرفتي"

ترتدي عبير محسن عندما تخرج من بيتها، زيا واسعاً، وفضفاضاًً، وهي خريجة كلية "شريعة وقانون"، إلا أنها تعتبر هند رستم هي "سيدة الشاشة الأولى".

تقول عبير لرصيف22: "لا يعني أني محافظة في القول والفعل، وفي طريقة المشي في الشوارع، أنني لا أحب تقليد هند رستم، بيني وبين ذاتي، عندما أكون وحيدة في غرفتي، لست أنا فقط، ولكن كثيرات من قريباتي المتزوجات يفضلن هند رستم وإن لم يكن يجدن فنها في الإغراء".

وعن تأثير هند رستم على شخصيتها، تفصح عبير عن أن مشاهدة أفلام هند رستم لم تعلمها الدلال العفوي فقط، بل أيضاً الشراسة في الدفاع عن نفسها إذا ما حاول أحد الاعتداء عليها وعدم الضعف والاستكانة.

وترى الصحافية رنا المدهون (30 عاماً) أن محاكاة شخصية نجمات الأبيض والأسود في الواقع صعب للغاية، في وقت تخرج الفتيات للعمل، وتواجه الأخريات التحرش أثناء ذهابهن للمدارس والجامعات، ووسط بيئة متشددة لا تسمح لهن بارتداء أزياء كأزياء العصر السابق، وسط زحام الحياة، وتغيّر وجهات النظر.

"الشارع المصري عنيف"

ويعلق الناقد الفني طارق الشناوي بأن النجوم في العالم كله قائدو رأي ويحب الناس محاكاتهم في الملابس والملامح، ومع التحول الرهيب في عمليات التجميل، لجأت بعض الفتيات لتقليد الفنانات، وبعد مرور زمن نجد من يفضل النماذج القديمة، فالتعامل والتقليد وتحقيق أعلى نسبة مشاهدة تتم مع الحاضر وليس في الماضي.

يشرح الشناوي وجهة نظره أكثر لرصيف22: "يتضح ذلك في أن وسائل الإعلام تتحدث عن عظمة القدماء، ولكن التعامل الرقمي يثبت أن التعاطي يكون أكثر مع المحدثين".

ويرى الشناوي أنه على الأكثر يوجد ١٠٪ فقط من الفتيات يملن للماضي، يقول: "تقليد الأيقونات في المظهر أمر ليس هيناً، فالشارع المصري أصبح متحفظاً، لكن هناك المدن الجديدة والشواطئ حيث يتسع هامش للحرية، خلافاً للشارع الرجعي العنيف تجاه هيئة المرأة، ومع ذلك ليس هناك محاكاه فعلية لهذه النماذج في الوقت الحالي".

"العديد من نجمات الماضي تحولن إلى أيقونات، تجاوز تأثيرها زمانها".

ويشير الشناوي إلى أن العديد من نجمات الزمن الماضي تحولن إلى "أيقونات"، قد يتجاوز تأثيرها زمانها بكثير، بالمقارنة مع الوقت الحالي، حيث يوجد نجمات ناجحات، ولكن لسن أيقونات"، يقول: "الأيقونات مثل سعاد حسني، وهند رستم، ونادية لطفي هن حالات نادرة قليلة الحدوث، ولكنها تحدث بالفعل رغم محاولة تقليد الآلاف لهن، الزمن الماضي كان الزمن الفردي، فبين كل أيقونة وأخرى مسافة، أما الآن فتعددت النماذج الناجحة، ويمكن اعتبار ياسمين صبري كأنثى نموذجاً للنجاح لدى الفتيات لكنها ليست أيقونة مثل سعادة حسني".

وينهي الشناوي حديثه قائلاً: "من يميل للماضي لديه إحباط من الحاضر، فالبعض في الألفية الثالثة فقدوا الرغبة في المعرفة، واستبدلوها بنزعة العودة للماضي".

أما إبراهيم عبد الرشيد، إستشاري التحليل النفسي، فيرجع تقليد بعض المراهقات والشابات لـ"أيقونات" الزمن الجميل بأن ذلك سببه عاطفي لأن الأفلام التي ظهرت بها هؤلاء الفنانات توحي لهن بفارس الأحلام وزمن الحب النقي، وأضاف أن كل ما هو قديم مرتبط بالشيء المفقود، والشيء المفرط في الخيال.

وأوضح عبد الرشيد أن مخ الإنسان ذكراً كان أو أنثى يتكون من شقين، جزء ذكوري وجزء أنثوي، والفتاة التي تميل للتوحد مع شخصيات هذه الأفلام بلا شك يغلب الجانب الأنثوي لديها، وبالتالي كل من تقلد هؤلاء الفنانات يعلو الجزء الأنثوي لديها، ولكن العكس لا يكون صحيحاً فليس كل من يغلب شق مخها الأنثوي تميل لفنانات الأبيض والأسود، أي أن السبب نفسي بالمقام الأول، ومع ذلك ينصح الفتيات بعدم الذوبان في شخصية الفنانة على الشاشة ونسيان شخصياتهن الأساسية، فكل منا يجب أن تكون لديه شخصية مستقلة.

"لا يعني أني محافظة في زيي وتصرفاتي أنني لا أحب تقليد هند رستم، بيني وبين ذاتي، عندما أكون وحيدة في غرفتي، تعلمت منها الدلال العفوي، والشراسة في الدفاع عن نفسي"

وتختلف معه سناء هاشم، مدرّسة السيناريو بمعهد السينما، إذ ترى أن معظم من يقلدن فنانات الأبيض والأسود هن مراهقات أو شابات في العشرين من العمر، وهذا نابع من الإعجاب بهذه الشخصيات، لأن هناك علاقة تبادلية بين السينما والمجتمع.

وتكمل هاشم بأن الضغوط الممارسة من المجتمع والأهل على الفتيات تدفعهن إلى التمرد من خلال حملات مثل "البسي فستانك"، وعلى الرغم من أن نجوم الأبيض والأسود بتجسيدهن شخصيات أسوياء سهل الاقتداء بها بدلاً من نماذج حالية تبدو "شاذة"، إلا أن ما يحدث الآن هو العكس، ومرد ذلك أن الزمن السابق كانت السينما هي المنفذ الوحيد للدراما، ولكن الآن هناك اليوتيوب والتلفزيون وغالبية الممثلين لديهم صفحات على مواقع التواصل الإجتماعي.

وتتفق هاشم مع الشناوي بأن الولع بنجمات الزمن الجميل لا تصل إلى حد الظاهرة، وإنما حالات فردية، وتضيف: "لا يفوتنا أنّ ما تراه الفتاة أو المشاهد بشكل عام على الشاشة، هو تمثيل الممثلة وليست شخصيتها".

ويبدو أن حب "أيقونات" الأبيض والأسود والتوحد معها راسخ في مشاعر العديد من الشابات اللواتي يفضلن فنانة إما لأنهن يتخيلن أنهن يشبههن في زمن سابق، أو تشبه أمهاتهن، أو لأنهن على النقيض منهن، تمثل ما هن محرومات منه مثلما حدث ويحدث في البيئات المحافظة القاسية على المرأة، وتحررها. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard