حفلة استعراضية للأزياء التقليدية... ملابس العروس الجزائرية وأحاسيسها

الثلاثاء 27 يوليو 202106:12 م

يعتبر جهاز العروس رحلة ممتدة من يوم الخطبة إلى ليلة الزفاف، وأحياناً كثيرة هي رحلة تسبق الخطبة بسنوات. في الجزائر لا يقتصر الجهاز على المفروشات والأغطية، وماركات المساحيق والعطور، فهناك ما يستغرق وقتاً ومجهوداً ملحوظين في التحضير، إنه "التصديرة".

هذه العادة المتوارثة جيلاً بعد جيل، تقوم العروس في ليلة حنّتها بلبس الأثواب التقليدية التي تتميز بها المدينة وحدها.

الانتشار لهذه العادة جعل لها سوقاً متكاملاً، حتى يمكن أن يقال في الجزائر أن كل مشروع زواج في المجتمع هو مشروع لتجهيز عدة أثواب تقليدية، الأثواب التي عرفت تحديثاً في الشكل ونوع الأقمشة، متلاقحة بالموضة المحلية والعالمية، في سبيل إرضاء الزبونة.

ليلة الحنة

هنا في قسنطينة، وعلى غرار بقية المدن الجزائرية يشتهر "بني ميزاب" ببيع لوازم الخياطة، وكل ما يتعلق بجهاز العروس، من أفرشة وأزياء تقليدية.

اقتربنا من أحد المحال التي تشتهر بها المدينة، قصر القسنطينيات، المكوَّن من ثلاثة طوابق تحوي مختلف الأزياء التقليدية الجزائرية أو كما تسمى هنا "القندورة"، تشمل حتى المغاربية المطوَّرة بنسخة جزائرية.

يقول البائع، مشيراً إلى أحدث ما تجود به الصناعة، وأهم ما تطلبه العروس عادة: "هذه قندورة القطيفة أو ما يسمى بقندورة الفرقاني (نسبة إلى مؤدٍ شهير للغناء الأندلسي في قسنطينة)، تتميز بأمرين هما: نوعية قماش القطيفة، الحرّة/الجلوى والقطيفة الألمانية، وأيضاً نوع الطرز المستعمل، فهناك القطيفة المحروجة باليد مباشرة (نوع من الطرز يسمى الحرْجْ)، والتي بدورها تنقسم إلى نوعين، "المجبود" و"الفتلة"، إذ يكون المجبود باستعمال الخيط الذهبي الحريري مبسوطاً على القماش، أما "الفتلة" فعادة ما يكون الخيط الذهبي المستعمل خشناً وأكبر حجماً".

ثوب قفطان، من ملابس العروس في الجزائر

ويضيف: "أما النوع الثاني فهو الثوب المطرز باستعمال آلات طرز خاصة، ويعتبر نوع الخيط وما إذا كان التطريز يدوياً أم آلياً، عاملان متحكمان في تكلفة الثوب. أما بالنسبة للطرز باليد فتبدأ الأسعار من 110 آلاف دينار جزائري فما فوق".

يكمل صاحب المحل متحدثاً عن الأسعار: "هذه أسعار تعتبر الأدنى، فيمكن تعديل الثوب أو صناعة ثوب جديد بما يتلاءم مع طلب الزبونة ويكون أكثر سعراً".

على مد بصرك تشاهد مختلف الأثواب المطرزة بخيط ذهبي رفيع، وبأشكال مختلفة، تلبسها الدمى المهيأة لتشبه نساء في حالة استعداد لاستقبال الحنّة على أكفهن.

تقول ناريمان، عاملة في شركة خاصة: "قندورة القطيفة أول ما تسعى له الشابات عند تحضير التصديرة، فهي الأعلى تكلفة".

وتشير دلال (34 عاماً)، مهندسة، إلى أن تجهيز التصديرة يستغرق كثيراً من الوقت، إن لم تشتر جاهزة، تقول: "ثوبي الخاص جهز تقريباً في سنة، وما زلت أعيره لكل عروس لا تستطع اقتناءه لتحيي به ليلة حنتها".

تلاقح الموضة بالأزياء التقليدية

في المحل التقيت بالسيدة سعيدة، في الخمسين من عمرها، ولها خبرة طويلة في خياطة الأزياء التقليدية، تقول لرصيف22: "عادة التصديرة متوارثة منذ القدم، لكن الألبسة نفسها يتغير شكلها مع كل جيل، وحتى الألوان التي كانت واحدة، فجيلي لبس "الكاراكو" لكنه ليس نفس الكاراكو الرائج حالياً، كان الكاراكو المطرز باليد وليس بالماكينة، وهو الأغلى سعراً".

في الجزائر لا يوجد ثوب واحد ليوم الزفاف، هناك عدة أثواب تقليدية، عرفت تحديثاً في الشكل ونوع الأقمشة، ويستغرق إنجاز بعضها عاماً كاملاً، ولكل ثوب إكسسواراته

وتضيف: "وحتى القندورة تغيرت في شكل الرسم والأدوات المستعملة في تزيينها من أحجار وكريستال وخيوط متنوعة، فالدارج الآن هي "قندورة القطعة" و"الوهراني" (نسبة لمدينة وهران)، فالقطعة مثلاً تعتمد على تركيب خيوط الاستراس والأحجار وكلما كانت نوعية أصلية ارتفع سعرها، يراوح سعر الثوب بين 38 و68 ألف دينار جزائري (282، 505 دولار)".

في محل ليس ببعيد عن الأول، يخبرني البائع وهو في الثلاثين من عمره، أن الأسعار متقاربة، فالقندورة الوهراني تراوح بين 40 و60 ألفاً (297 و297 دولار)، أما القفطان فتبدأ أسعاره من 20 ألف دينار (148 دولار) وتصل حتى 100 ألف (742 دولار)، يتحكم غالباً في السعر نوع القماش الذي يكون حريرياً، والأحجار المرصع بها، أما القفطان فيعد المستورد أعلى سعراً، وعادة ما يتحكم في سعره نوع الطرز يدوياً كان أو باستعمال الآلة.

رحلة "التجهيز" شاقة

تحكي ناريمان تجربتها في إعداد الأزياء التقليدية لجهازها، فلا يتحكم في ذلك نوع الزي فقط بل أيضاً اللون، إذ تحضر القطيفة والكراكو إضافة إلى زي أبيض أو وردي ليلبس نهاراً فيما بعد، زي أسود أو أزرق قاتم للسهرة، زي من مدينة أخرى كالزي الوهراني أو القبائلي بالإضافة إلى قفطان وفستان للسهرة.

مضيفةً أنها تلبس جميعاً عقب حفل الحنة، إذ ترتدي كل زي مع إكسسوارات من الذهب أو إكسسواراته الخاصة لمدة تراوح بين العشر دقائق والربع ساعة لتغيره بآخر، عارضة إياه على الموجودين.

قندورة مطرزة آلياً، من ملابس العروس في الجزائر

تؤكد ناريمان أن تكلفة القطيفة والكاراكو 140 ألف دينار (1093دولار) لكل واحد، أما بقية الأزياء فيصل ثمنها إلى 60 ألفاً (445 دولار)، عدا الوقت الخاص في الذهب للخياطة والانتظار أيضاً.

لجهاد (30 عاماً)، معلمة، من مدينة ورقلة رأي آخر مخالف تماماً لـ "التقاليد"، منذ حوالي سنة أقامت حفلة زفافها، ارتدت مجموعة من الملابس التقليدية غير أنها لا ترى ذلك مناسباً لطريقة تفكيرها، قائلة: "لا أرى من داع أن أغير لباساً وأستعرضه على المعازيم، إضافة إلى ذلك، لماذا أدفع تكلفة مادية باهظة لملابس يتم استخدامها سهرة واحدة، ثم يتم ركنها بقية العمر، وإن جرى استخدامها، فلا يزيد ذلك عن سهرة واحدة أخرى في عزومة عابرة".

وتضيف جهاد متذكرة: "اقتنيت ثوباً تقليدياً واحداً كلفني 25000 دينار (185 دولار)، وكان ذلك من امرأة لم يتجاوز الشهر على حفل زفافها، كما أهدتني صديقة والدتي ثوباً، وصديقتي قدمت لي زياً وهرانياً، ويوم الزفاف قدمت لي جارتي ثوبين، لولا ذلك لاكتفيت بثوب واحد، ولزوجي أيضاً نفس الرأي، ورفض أن أقوم بحفلة استعراض للأزياء، وفعلت ذلك إرضاء لوالدته فقط".

وتلفت جهاد إلى أن الجيل الجديد أكثر وعياً وقوة من الرضوخ لتقاليد لا تناسبه.

قندورة كريستال، من ملابس العروس التقليدية في الجزائر

تشارك إلهام (34 عاماً)، تعمل بالتدريس، نفس رأي جهاد، فتقول: "لم يكن سبب رفضي لاقتناء أثواب تقليدية مادياً، فأنا موظفة، وعائلتي مقتدرة، لكنني لا أرى مغزى خلف استعراض أثواب سيكون مكانها الخزانة بقية السنة، لقد رفضت تماماً ذلك ما عدا اقتنائي لقفطان واحد ارتديته خلال السهرة، وذلك ما قلته لوالدة زوجي خلال حفل الزفاف عندما طلبت مني أن ألبس التصديرة ".

ليس بعيداً عن جهاد وإلهام، فراحيل (25 عاماً)، مترجمة، ترى في الفستان الأبيض كشفاً لحياتها واستعراضاً رخيصاً للذات، فهي لم تقتنع يوماً بضرورة إقامة حفل زفاف كبير، واقتناء الكثير من الألبسة التقليدية والفستان الأبيض. تقول: "لم يستهوني يوماً لبس الأزياء التقليدية، وحتى الفستان الأبيض، ولا أجد متعة في كشف حياتي واستعراض نفسي على الملأ، حتى بين معازيم في قاعة مغلقة".

أزياء تشعرك بأنك ملكة وسط تجمع لن يتكرر، كل من تعرفينهم، من أصدقائك وأقاربك ومحبيك، أزياء لها مشاعر خاصة لا شبيهة لها. ولكن هل تستحق كل هذا الثمن؟

كان حفل زفاف راحيل صغيراً بين عائلتين بعد عقد القران، ارتدت فستاناً بسيطاً، مع حفل حنة، وكانت أجواء الكورونا مناسبة لذلك العام الماضي، ومرضية لها، تقول: "أحياناً أفكر في اقتناء كراكو بسيط لكنني أتراجع، فمعظم معارفي غير مهتمين بهذا النمط من الحفلات".

وتقيّم ناريمان مشاعرها في ليلة عرسها، فترى أنها تستحق ما دفعته فيها، فلقد منحها فستانها التقليدي الأبيض إحساساً بأنها "ملكة"، وسط كل من تعرفهم، ولو لوقت قصيرة.

كراكو، من أزياء العروس التقليدية في الجزائر

على عكسها، رفضت أ. م. الرضوخ لضغط المجتمع في اقتناء زي لليلة واحدة بمبالغ طائلة، قالت لها صديقة "شكلك لا يعطي صورة عروس"، ولكن لا يهم، فقد جلست مع صديقاتها، في أجواء ممتعة، واكتفت بفستان سواريه وقفطان، تقول: "أفضل الإنفاق على أمور أكثر أهمية، فرش البيت، وصنع مكتبة خاصة".

بين الراكضات خلف تجهيز شاق ومكلف، وأخريات يكتفين بما تسمح لهن ميزانيتهن أو رافضات لانتهاج تقاليد يعتبرنها بلا معنى، يبقى سوق الأزياء التقليدية، والأثواب التقليدية بنكهة عصرية سوقاً منتعشة ومتجددة، وقبلة لكل النساء من مختلف الأعمار لحضور المناسبات الاجتماعية والأفراح، مهما كانت الأسعار، فكل امرأة تتجه نحو ما يناسب دخلها، وطريقة تفكيرها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard