"حرموني من ابني وحولوني لخادمة"... الانتقام من "المتحررات جنسياً" في الجزائر

الأحد 28 مارس 202105:46 م

"الخطيئة غير مغفورة، وأساليب الانتقام متعددة"، تقول زريقة (45 عاماً)، واحدة من النساء اللواتي وقعن في الحب، ومارسن الجنس خارج إطار الزواج، وكانت نهايتهن تعيسة.

أحبت زريقة شخصاً يكبرها بـ 17 عاماً، وهو أب لثمانية أطفال، لم تستطع الابتعاد عنه، كما تحكي: "وجدت فيه أمان الأب وظهر الأخ وحنان الأم والأخت معاً، كنت أتسلل من البيت خلسة لأقابله، وأقضي معه أوقاتاً حميمية قصيرة، غير آبهة بالتقاليد والأعراف والعادات التي تحكم قريتنا الصغيرة في أعالي جبال تيزي وزو".

"في لحظة ضعف، انتصرت فيها المشاعر على العرف".

"في لحظة ضعف، انتصرت فيها المشاعر على العرف"، وبعدها تخلى عنها، وعاشت "الجحيم"، بعد أن عرفه والدها وأشقاؤها الأربع.

ما فعلته زريقة يستدعي "القتل"، لأنها تحسب من "قضايا الشرف"، ولكن أهلها قرروا الانتقام بطريقة أخرى، زوجوها بشيخ عجوز، فقد قدرته على الحركة، وكانت هي شابة في مقتبل حياتها.

انتقلت زريقة للعيش رفقة الشيخ في منطقة نائية، ومعزولة في ضواحي محافظة تيسمسيلت، تقع في منطقة الهضاب العليا غرب الجزائر.

ولم تجد زريقة من خيار أمامها سوى الامتثال للأمر السلطوي وقوانين عائلتها، وبقيت تصارع أياماً جديدة في حياتها من "الحرمان" و "الشقاء" إلى أن توفي زوجها الهرم لتعود أدراجها إلى قريتها الصغيرة، حيث سجنت أحلامها.

"خادمة لأشقائي وأبنائهم"

تتقاطع قصة عقيلة في العقد الرابع من عمرها من سطيف (محافظة جزائرية تقع في شمال شرق الجزائر) مع مسار زريقة، لكنها تختلف في أسلوب الانتقام الذي سلط عليها بعد ممارستها الجنس خارج إطار الزواج "الخطيئة"، حسب ما ترويه رئيسة جمعية نور للمرأة والأسرة والطفل، دليلة حسين.

بحسب رواية حسين، تقضي عقيلة أوقاتها متنقلة بين صفحاتها الدامية المظلمة الغارقة في الحزن، بعد أن حرمها أهلها من ابنها الذي كان ثمرة "الخطيئة"، التي وقعت فيها عندما كانت صبية جميلة في ريعان شبابها بمجرد قدومه إلى الدنيا، ومنحوه لسيدة أخرى لا تنجب لتربيته، والتكفل به للتستر على الفضيحة، والملفت للانتباه أن مقر سكناها لا يبعد كثيراً عن منزل عقيلة.

"تعرفت على جارها المسن البالغ من العمر 68 عاماً، أصبحت تقضي معظم وقتها معه، وفي خضم المعاشرة الحميمية، توفي عشيق فتيحة، تبرأ منها أهلها، وهربت بلا أثر خلفها، مثل الكثيرات"

وجدت عقيلة، التي كانت تتوقع أن يتحمل حبيبها المسؤولية، ويتزوج بها، لكن سرعان ما تنصل منها، وفر نحو وجهة غير معلومة، نفسها تعامل كـ "خادمة ساهرة على راحة أشقائها ونسائهم وأطفالهم، في وقت حرموها من رؤية ابنها حتى أنهم أخفوا عليه أنها أمه الأصلية".

ومنعت من الخروج نهائياً من البيت حتى من أجل العلاج، رغم أن القانون الجزائري يضمن للتي "اقترفت الخطيئة"، ورزقت بمولود الحق في التكفل به، وحمل اسمها، مع السماح بالإبقاء على اسم الأب مجهولاً في حال اختفائه عن الأنظار، وتنصله من المسؤولية، كما يجوز للأم أيضاً تعيين كفيل لابنها في حال ما إذا عجزت عن التكفل بها، حسبما تؤكده حسين.

تبرّؤ الأهل والهروب

فتيحة (45 عاماً) هي الأخرى فرت نحو وجهة غير معلومة، ومازالت قصتها تروى كعلامات تحذير للنساء اللواتي يراودهن عقلهن على التمرد في حيها الصغير، في مدينة باش جراح (الضاحية الشرقية للعاصمة الجزائر).

"فتيحة كانت من بين السيدات اللواتي كبرن في السن دون أن يتزوجن، الحكاية بدأت عندما تعرفت على جارها المسن البالغ من العمر 68 عاماً، أصبحت تقضي معظم وقتها تدردش بالساعات معه، وفي يوم من الأيام انزويا بأحد الأماكن، وفي خضم المعاشرة الحميمية، وقع ما لم يكن في الحسبان، توفي عشيق فتيحة، حينها داهمت مصالح الأمن المكان، ولم تجد من وسيلة أمامها سوى الهروب، بعد أن تبرأ منها أهلها أمام الجميع، ولحد الآن لم يظهر لها أثر".

ليس فتيحة وحدها، مسلسل كابوسي يتكرر بالنمط ذاته، تمارس المرأة الجنس، يفتضح أمرها، يتبرأ أهلها منها، تختفي من الجميع بلا أثر.

وتقول دليلة حسين، عن هؤلاء: "تعشن حالياً واقعاً مزرياً، فبعضهن تلجأن إلى الشارع، وأخريات تفضلن اللجوء إلى المراكز من أجل الاحتماء، رغم أنها لا توفر النظام الكفيل الذي يسمح لهن بالبقاء".

مُنعت من الخروج نهائياً بعد اكتشاف ممارستها للجنس، حتى من أجل العلاج، واستغلها أشقاؤها كخادمة بالمجان لهم ولأبنائهم

وعن أعدادهن، توضح حسين أنه لا توجد إحصائيات رسمية معلنة، لكن أعدادهن كبيرة، لا تستوعبها حتى المراكز، والكثيرات وجدن أنفسهن في الشوارع، وبعضهن تمتهن الدعارة كحل للاستمرار في الحياة، فالعودة إلى "التوبة" بالنسبة لهذه العينات مقطوعة، ومستحيلة، لأن الشارع لا يرحم.

وبحسب الناشطة النسوية فإن العديد من الحالات تقع في الخفاء، وفي سرية تامة، ولا يتم الإعلان عنها، إضافة إلى بعض الولادات غير الشرعية التي تتم خارج المؤسسات الصحية.

مدمنات ومنخرطات في الدعارة

تصف النائبة السابقة في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الأولى للبرلمان الجزائري) فطيمة سعيدي، الفتيات اللواتي يعاقبهن المجتمع على ممارسة الجنس خارج الزواج بـ "الضحايا".

وتشدد سعيدي على الأسباب الاجتماعية، التي من ناحية تدفع بعض النساء إلى تلك الممارسات، ثم من ناحية أخرى تعاقبهن وحدهن عليها، مثل المشاكل العائلية كالتفكك الأسري، وحالة العوز والفقر، والفرار من البيت بسبب الضغوطات.

ورغم توفر بعض المراكز للتكفل بهذه الفئات، وإيوائها، وتوفير الحماية اللازمة لها، غير أن الوضعية داخلها صعبة للغاية، وفق سعيدي.

وتقول لرصيف22 إن بعض الفتيات تلجأن إلى الشارع بعد وضعهن لأطفالهن، وتنخرطن في شبكات الفساد المختلفة كالدعارة، وبعضهن تصبحن مدمنات على المخدرات، وغيرها من الآفات الاجتماعية.

ولمعالجة هذه الظاهرة تقول فطيمة سعيدي أن المسؤولية تقع على الحركة الجمعوية (منظمات المجتمع المدني) التي تلعب دوراً مهماً للغاية من أجل التكفل بالمرأة، كمنحها المشاريع التي تدعمها السلطات العمومية.

وتذكر سعيدي بأن أيضاً على المجلس الوطني للأسرة والمرأة تقديم خطط للتقليص من هذه الحالات في المجتمع الجزائري، بمنع مسبباتها الاجتماعية، وتقديم الحلول الخاصة بها.

ووفقاً لاستطلاع رأي شارك فيه أكثر من 25 ألفاً ينتمون إلى عشر دول مختلفة، أجرته شبكة البارومتر ونشرته "بي بي سي عربي" احتلت الجزائر المركز الأول في الشرق الأوسط حول مدى قبول المجتمع للقتل المرتبط بالعار والشرف، بنسبة 27%.

وتهز المجتمع الجزائري جرائم خيالية بشعة تخص المرأة، معظمها مرتبط بالانتقام للعار والشرف، مثل رجل ذبح زوجته وهي حامل في شهرها الثامن، وأخرج جنينها وذبحه، في منطقة بني مسوس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard