"بكيتُ حين قرروا إعادتي"... شباب وأطفال من غزة يتسللون إلى إسرائيل

الأحد 28 فبراير 202112:16 م

قبل عامين، خاض الشاب عبد الرحمن جابر، تجربة التسلل من غزة إلى إسرائيل، بسبب سوء أوضاعه المعيشية، ولكن قوات الجيش الإسرائيلي اعتقلته فور عبوره للسلك الفاصل الذي قصّ جزءاً منه باستخدام مقصٍ حديدي.

يقول جابر (اسم مستعار) لرصيف22: "فور أن شاهدني الجنود أطلقوا عدداً من الرصاصات حولي لترهيبي، وبعد ذلك بدأ أحدهم بالتحدث بالعربية دون الاقتراب منّي، وطلب منّي نزع ملابسي بالكامل، وحين ترددت عاودوا إطلاق النار على الأرض، ففعلت ما أرادوا خوفاً على حياتي".

ويشير جابر الذي يبلغ من العمر 30 عاماً ويسكن في شمال القطاع المحاصَر إلى أنهم اقتربوا منه بعدها، واقتادوه بسيارةٍ عسكرية إلى أحد مراكز التحقيق القريبة من حدود غزة، وبقي هنالك في غرفة مغلقة لوحده لمدة 24 ساعة.

جابر هو واحد من عشرات الشباب والأطفال الذين حاولوا خلال السنوات الماضية التسلل من قطاع غزة إلى إسرائيل، عبر اجتياز الحدود الفاصلة في شرق القطاع وشماله، هرباً من الواقع المعيشي المأساوي، أو لأسباب عائلية، أو حتى لأسباب أمنية كالارتباط بأجهزة تجسس إسرائيلية.

لا أريد العودة إلى غزة

في غرفة الحجز، سئم الشاب جابر الانتظار وأخذ يصرخ "افتحوا الباب أو اقتلوني" وراح يطرق الباب بيديه بقوة، فجاء الجنود نحوه وضربه أحدهم بشدة على "جهازه التناسلي" وطلب منه عدم الصراخ، وأغلقوا الباب، وظل لساعات يتألم.

بعد ذلك، فُتح الباب من جديد ودخل عليه رجلٌ يتحدث بالعربية بطلاقة وعرفّه عن نفسه بأنه عربي يعمل لدى الجيش الإسرائيلي، وبدأ بسؤاله عن أسباب تسلله وعن علاقته بحركة حماس وحركات المقاومة، فأجابه في كلّ مرة بأنه تسلل فقط هرباً من الواقع، وما يبحث عنه فقط "الحياة الكريمة".

ويحكي الشاب أن "التحقيق استمر لعدة ساعات وكان مرهِقاً جداً، لكنّ المحقق لم يستعمل العنف معي، وبعد ذلك نقلني الجنود إلى غرفة حالتها أفضل، وأدخلوا لي طعاماً وسجائر للتدخين وقالوا لي: ستذهب إلى غزة غداً، وكان الظلام قد حلّ"، لافتاً إلى أن ذلك الخبر كان صادماً بالنسبة له "فأنا لم آتِ إلى هنا حتى أعود".

ويقول: "بكيتُ في تلك الليلة، فأنا لا أريد العودة إلى حياة الجحيم في غزة، كيف سأواجه أجهزة الأمن هنالك والمجتمع؟ وحين جاء الجنود لنقلي في الصباح، قلت لهم: أبقوني في السجن لديكم، أو اتركوني أعيش هنا في القرى العربية أو في الضفة الغربية"، فردّ عليه أحدهم باستهتار: "على غزة يا حبيبي. ما بتلزمنا هون".

وتعتقل إسرائيل المتسللين من غزة فور كشف أمرهم وتقتادهم إلى مراكز التحقيق حيث يبقون لعدة أيام أو لشهور وأحياناً لسنوات، قبل أن تفرج عنهم وتسلّمهم للارتباط الفلسطيني، بعد التأكد من عدم وجود خلفية أمنية في تسللهم.

وفي أحيانٍ أخرى، يطلق الجنود الإسرائيليون النار على المتسللين، ويصيبونهم أو يقتلونهم بدعوى حمل السلاح أو مهاجمة الجيش الإسرائيلي.

وهنالك طريقة ثالثة للتعامل مع المتسليين وهي محاولة تجنيد بعضهم للعمل لصالح إسرائيل، ثم إعادتهم إلى غزة لتنفيذ مهام تجسسية ولجمع معلومات عن حركات المقاومة.

"حماس" والمتسللون

تقوم قوات الاحتلال بتسليم المتسللين المفرج عنهم للارتباط الفلسطيني الذي بدوره يوصلهم إلى معبر بيت حانون (إيرز)، شمال القطاع، وهنالك تتسلمهم فرق الأمن الداخلي التابعة لحركة "حماس"، ويدخلون في مرحلة تحقيق قد تستمر لعدة أيام، وقد يتعرضون خلالها للضرب والإهانة، ويُطلب منهم سرد كل التفاصيل.

"بكيتُ في تلك الليلة، فأنا لا أريد العودة إلى حياة الجحيم في غزة، كيف سأواجه أجهزة الأمن هنالك والمجتمع؟ وحين جاء الجنود لنقلي في الصباح، قلت لهم: أبقوني في السجن لديكم، أو اتركوني أعيش هنا في القرى العربية أو في الضفة الغربية"

يروي شاب آخر يُدعى رامي (25 عاماً) ويسكن في حي الشجاعية، شرق مدينة غزة، تجربته مع التحقيق مع فريق أمني يتبع لحركة حماس، بعد تسلله: "دخلت إلى غرفة كان فيها ثلاثة محققين. سألوني بدايةً عما إذا ما كان جنود الاحتلال قد عرضوا عليّ العمل في التجسس لصالحهم في غزة"، ويكمل: "أجبتهم أنّي لم أتسلل لهذا الغرض، ولست بخائن أو كاره لوطني، كنت فقط أبحث عن حياة".

لم تُقنع إجاباته المحققين، فقرروا تمديد التحقيق معه واستمر لحوالي ثلاثة أيام تعرّض فيها للضرب والإهانة، "وتم التحقيق معي بخصوص كل التفاصيل التي عايشتها وحول مجرى تحقيق الجيش الإسرائيلي معي"، مضيفاً أنه أُفرج عنه بعد ذلك، لكنه ظل تحت المراقبة لفترة، وهذا الإجراء يأتي من أجل التأكد من عدم وجود ارتباط بين المتسللين وأجهزة الأمن الإسرائيلية، حسبما قال لرصيف22 مسؤول يعمل في جهاز الأمن الداخلي التابع لحركة حماس في غزة.

واعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 260 شخصاً تسللوا من قطاع غزة إلى إسرائيل بين عامي 2015 و2019، وقتلت منهم 24 شخصاً، وأصابت نحو 13 آخرين بجروح متفاوتة، بحسب مركز الميزان لحقوق الإنسان.

ويلفت المحامي والباحث في مركز الميزان لحقوق الإنسان سمير المناعمة إلى أن "أمر التسلل بين حدود الدول هو ظاهرة عالمية ولا تقتصر فقط على غزة"، موضحاً أن "إسرائيل هي القوة القائمة بالاحتلال بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، ومن يُعتقل بعد التسلل يجب أن يعامَل بشكل أخلاقي وأن يُعاد إلى القطاع طالما لم تتبث عليه أي تهمة أمنية".

ويضيف المناعمة لرصيف22 أن "اعتقال المتسللين وإحالتهم على التحقيق يُعَدّ "انتهاكاً للقانون الدولي، على اعتبار أن هؤلاء الأشخاص لم يشكلوا ضرراً"، منبهاً إلى أنه يجب أيضاً على "الأجهزة الأمنية في غزة أن تتعامل مع المتسللين فور وصولهم من الجانب الإسرائيلي على أنهم ضحايا، والتوقف عن الممارسات العنيفة بحقهم والتي تؤثر على صحتهم النفسية والجسدية".

تهكموا عليه بعد اعتقالٍ دام سنة

عاش الشاب يوسف مراد (اسم مستعار) قصة مشابهة. اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي لعامٍ كامل، بعد تسلله، من قطاع غزة إلى إسرائيل عام 2018، بحثاً عن وضعٍ اقتصادي أفضل. يقول لرصيف22: "اعتقلوني فور دخولي للأراضي المحتلة، وأطلقوا عليّ النار دون إصابتي وأطلقوا عليّ أيضاً كلاباً شرسة تسببت لي بعدة جروح في جسدي".

ويلفت الشاب البالغ من العمر 23 عاماً إلى أنه "بعد ذلك اقتادوني إلى مركز تحقيق، وتركني الجنود في الغرفة لوحدي لمدة أعتقد أنها تزيد عن ثلاثة أيام. لم أكن مدركاً للوقت حينذاك".

"اعتقلوني فور دخولي للأراضي المحتلة، وأطلقوا عليّ النار دون إصابتي وأطلقوا عليّ أيضاً كلاباً شرسة تسببت لي بعدة جروح في جسدي. بعد ذلك اقتادوني إلى مركز تحقيق، وتركوني في الغرفة لوحدي لمدة أعتقد أنها تزيد عن ثلاثة أيام. لم أكن مدركاً للوقت حينذاك"

في تلك الساعات، جالت في ذهنه الكثير من الأفكار، وتوقع أن يعيده الجنود إلى غزة. ولكن ما حصل كان غير ذلك. فبعد جولة تحقيق، نُقل إلى أحد السجون الإسرائيلية التي يقبع فيها أسرى فلسطينيون، وبقي هنالك لمدة سنة كاملة، دون محاكمة، وبعد ذلك أُفرج عنه عبر حاجز بيت حانون، وتسلّمه جهاز الأمن الداخلي، وأدخله في تحقيق استمر عدة أيام، وخرج بعده لكنّه ظل تحت الرقابة الأمنية.

وعن تعامل الأهل والمجتمع معه عند عودته، يروي الشاب: "وجّه لي الأهل لوماً كبيراً. وجدت أمي حزينة جداً وأبي غاضباً وإخوتي قلقين للغاية، وتحدثوا معي كثيراً عن مساوئ ما ارتكبته، وقالوا إن الوضع الصعب في غزة يعاني منه كل الشباب، فأخبرتهم بندمي على فعلتي وعاهدتهم بعدم تكرار ذلك"، منوهاً إلى أن "أهل منطقته جاؤوا لزيارته والاطمئنان عليه وكانوا يتهكمون على تجربته، وطلبوا منه سردها بالتفصيل".

بخصوص الآثار النفسية الشخصية لتجربة التسلل، تقول الخبيرة التربوية والنفسية ليلى أبو عيشة لرصيف22 إن "مرور الشخص في مثل هكذا تجربة من شأنه أن يترك أثراً على شخصيته في الحياة اليومية والمستقبلية بشكل كبير، فالتعرض للعنف الشديد أو المعاملة اللإنسانية التي يمكن أن يواجهها المتسلل من قِبل جيش الاحتلال أو حتى المحققين في الجانب الفلسطيني سيتحوّل إلى مشاهد تُسجَّل في ذاكرته".

وتلفت إلى أن ذلك "ممكن أيضاً أن يؤثر على علاقة المتسلل وأسرته بالمجتمع، خاصة إذا ما كان في عمرٍ صغير، فلن تُرحم العائلة من كيل الاتهامات المجتمعية التي ستوجَّه لها، على اعتبار أنها لم تحسن تربية أبنائها".

وتضيف أبو عيشة: "حسب متابعتي مع الأهالي في قطاع غزة، فإن أكثر نسبة بين المتسللين هم من أبناء العائلات التي تسكن في المناطق الحدودية الريفية، وذلك بفعل الاحتكاك الدائم مع جنود الاحتلال، عدا عن أن نسبة العنف والتفكك الأسرى في تلك المناطق تُعتبر مرتفعةً إذا ما قورنت بالمناطق الأخرى".

تسلل الأطفال

ليست مشكلة تسلل الشباب هي الوحيدة في قطاع غزة، فهنالك الأخطر منها بحسب حقوقيين، وهي تسلل الأطفال. فقد أفادت تقارير وتصريحات صادرة عن المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بأن الدوافع الحقيقية لتسللهم من قطاع غزة إلى داخل الأراضي الإسرائيلية عبر السياج الحدودي تتعلق بضعف الوضع الاقتصادي في القطاع وممارسة العنف الأسري عليهم، وغواية الأقران.

واعتقل الجيش الإسرائيلي 96 طفلاً فلسطينياً أثناء محاولتهم عبور السياج الفاصل بين قطاع غزة وإسرائيل بين عامي 2015 و2019، تعرّض 91 منهم للعنف، وفقاً لدراسة مسحية صادرة عن المركز في تشرين الأول/ أكتوبر لعام 2020، حملت عنوان "تعذيب وإساءة/ معاملة الأطفال الفارين من الكارثة الإنسانية في قطاع غزة".

إبراهيم صابر (19 عاماً) يعيش في بلدة بيت حانون، شمال القطاع، خاض تجربة التسلل إلى إسرائيل عام 2018 برفقة ثلاثة آخرين. يروي لرصيف22 أنه اتفق في تلك الفترة مع أصدقائه في المدرسة على التسلل، للعمل في الداخل المحتل وللعيش بحرية أكثر، مشيراً إلى أنهم كونوا صورةً نمطية عن رفاهية وجمال الحياة في إسرائيل، من أحاديث كبار السنّ عن سنوات عملهم هنالك قبل الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000.

ويتابع أنهم قرروا التسلل في أحد أيام شباط/ فبراير الماطرة، لاستغلال سوء الحالة الجوية، وفي ذلك اليوم قصدوا الحدود بدلاً عن المدرسة وكانت الساعة السابعة صباحاً، مضيفاً: "أمسك بنا الجنود بعد أن قطعنا مسافة 100 متر تقريباً وأطلقوا النار في الهواء ثمّ باتجاهنا فأصابوا أحد أصدقائي، وألقوا القبض علينا ونقلونا للتحقيق والمصاب للعلاج، وبعد يومين سلّمونا للارتباط الفلسطيني وتعرضنا للتحقيق لمدة يومين، وعدنا إلى غزة، وهنالك واجهنا لوماً كبيراً من عائلاتنا التي كانت توفر لنا كل الاحتياجات اللازمة. وعوقبت بالمنع من مغادرة المنزل لمدة شهر كامل".

وفق دراسة مركز الميزان، تتعامل السلطات الأمنية في قطاع غزة مع الأطفال المتسللين على أنهم مجرمون وليسوا ضحايا، وتعرّضهم للضرب والإهانة، وتجرمهم مستندةً على قانون العقوبات الثوري الفلسطيني الصادر عام 1979، والذي ينص في المادة 209 منه على أن السلطات الحاكمة يحق لها معاقبة كل شخص يرتكب عملاً مخالفاً للأعراف الوطنية والثورية ويكون غير منصوص عليه في القانون، بالحبس لمدة ثلاثة أشهر والغرامة.

وتشير الخبيرة أبو عيشة إلى أن ازدياد نسبة المتسللين بين الأطفال من شأنه أن يؤثر على تركيبة الأسرة في قطاع غزة، وسيزيد بالضرورة من عنف الأهالي تجاه أبنائهم ومن عنف الأطفال أنفسهم تجاه أقرانهم، نظراً لما عايشوه من تجربة قاسية، كما أنه شخصياتهم ستتأثر بشكل سلبي، مضيفة أن "التجربة ستشكل بالتأكيد عقدة نفسية أبدية عند كل مَن يخوضها، وفي بعض الحالات ممكن أن تسبب إصابات وإعاقات طوال العمر".

أبعاد أمنية

يقول المختص والباحث في الشأن الأمني محمد أبو هربيد لرصيف22: "منذ بدء تشديد الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2007، إثر فوز حركة حماس في الانتخابات، والانقسام الفلسطيني، عمدت إسرائيل إلى رفع حالة التأهب على الحدود إلى الدرجة القصوى، وشرعت في زيادة المراقبة ونصبت عشرات الكمائن، وكثفت من تسيير الدوريات المحمولة والراجلة، لمواجهة أي خطر قادم من غزة، بما في ذلك التسلل الفردي".

ويلفت الباحث إلى أن "إسرائيل تحاول إبطال كافة عمليات التسلل إلى أراضيها بكلّ قوة وعبر أساليب مختلفة، لأنها تُبيّت دائماً نية أن مَن يتسلل يريد مهاجمتها أو له أهداف أو ارتباطات بحركة حماس أو الأجنحة العسكرية الأخرى، وتتعامل معه على هذا الأساس إلى أن يتضح العكس".

ويشير إلى أن "هنالك بعض محاولات إسرائيلية لاستغلال بعض المتسللين وتجنيدهم للعمل لصالحها، بعد إعادتهم إلى غزة"، ويؤكد أن الأجهزة الأمنية في غزة رصدت عدة حالات بهذا الخصوص خلال السنوات الماضية.

ويرى أبو هربيد أن "مواجهة ومكافحة حالات التسلل من غزة نحو إسرائيل يجب أن تمرّ فلسطينياً عبر حملات توعية أمنية ومجتمعية مكثفة باستخدام كافة الوسائل، إضافة إلى ضرورة توفير إجراءات ميدانية على الأرض بهدف مراقبة الحدود بشكل دقيق لرصد أي محاولة"، مبيّناً أن "العائلات الفلسطينية تتحمل أيضاً دوراً في التوعية ومراقبة جميع تصرفات أبنائها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard