لنسهر معاً في دمشق... حانات وخمارات و"تكنو" حتى الصباح

الجمعة 13 أغسطس 202110:59 ص

مع غياب شمس كل نهار، يتغير شكل دمشق، أو ربما يُعاد ترتيبه، ويحاول ساكنوها العثور على مكان، أو زاوية مخصصة لهم، استعداداً لجزء ثانٍ من اليوم، لا يشبه الأول على الإطلاق. يبدو الأمر جلياً أكثر في ليالي نهاية الأسبوع، التي تحمل صخباً لطالما كان سمة مميزة لليل دمشق، وقد بات اليوم أصدق شاهد على التحولات التي عاشتها، خاصةً خلال السنوات الأخيرة.

من أماكن فاخرة مخصصة للسهر والرقص، الكثير منها احتل أسطح فنادق ومطاعم تطل على أرجاء المدينة، إلى بارات صغيرة منتشرة في الأحياء الشرقية، وتستقطب الشباب بشكل خاص، إلى أقبية، وأنفاق طرقية، يجد فيها البعض ملاذاً لقضاء ليالٍ صاخبة من الرقص حتى مطلع الشمس، وصولاً إلى محال بيع المشروبات "على الماشي"، وزبائنها من العشاق، والمارّة العابرين، والعاملين المياومين، وبائعات الهوى. وبين هذا وذاك عائلات تفترش الحدائق، وشباب متسكعون لا يملكون النقود الكافية للسهر المكلف، وآخرون يكتفون باحتساء القهوة أو الشاي. لكلٍ زاوية، ولكل شخص في المدينة اليوم حكاية "ليلية" مختلفة.


"من لم يزر أبا جورج، لم يسهر في دمشق"

لا يصعب على سكان دمشق، ممن بلغوا من العمر ستين أو سبعين عاماً، تذكر شكل الحياة الليلية "أيام الزمن الجميل"، كما يحلو لكثير من السوريين أن يطلقوا على خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حين كان للبلاد شكل مختلف ينظرون إليه برومانسية قد تكون مفرطة أحياناً.

تحمل نهاية الأسبوع صخباً لطالما كان سمة مميزة لليل دمشق، وقد بات اليوم أصدق شاهد على التحولات التي عاشتها، خاصةً خلال السنوات الأخيرة.

"فريدي"، "أبو النواس"، "الموعد"، وغيرها الكثير من الحانات والخمارات التي كانت تملأ مختلف أحياء المدينة مثل باب توما، وباب شرقي، وشارع العابد، والمرجة، وشارع شيكاغو، يستذكرها السكان على أنها لم تكن مجرد أماكن للسهر والشرب، وإنما ملتقيات لنخب دمشق الثقافية والسياسية والاجتماعية، وفيها كان "الندماء" يتبادلون من الأحاديث والنقاشات ما لم يكن متداولاً خارج جدرانها. في العقود الماضية، أُغلقت معظم هذه الحانات، إما بسبب وفاة أصحابها، أو نتيجة طوفان اقتصادي واجتماعي وثقافي حلّ بالمدينة، وابتلع تلك الأماكن بما تحمله من ذاكرة غنية.

في زاوية صغيرة هاربة من ذلك الزمن الجميل، يأتي ميشيل سلوم، المعروف باسم "أبو جورج"، كل يوم في الحادية عشرة صباحاً، ليفتح الحانة التي تحمل اسمه في الشارع المستقيم في حي باب شرقي، ويديرها اليوم هو وأبو عصام شقيقه، بعد أن ورثاها عن عائلتهما التي افتتحتها في ثلاثينيات القرن الماضي. حانة "أبو جورج" هي اليوم واحدة من أقدم الحانات التي لا زالت قائمة في دمشق منذ حوالي تسعة عقود، بداية في حي المرجة، ثم في هذا المحل الذي لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار مربعة، ويتسع لأقل من عشرين كرسياً أو "زبوناً"، ويفخر الرجل بأنه لا يزال محافظاً على الديكور ذاته، والشكل عينه، وفي صدر الحانة يعلّق صورة لوالده المتوفى منذ سنوات.

حانة أبو جورج في الشارع المستقيم بدمشق

حانة أبو جورج في الشارع المستقيم بدمشق - تصوير زينة شهلا

استقبل أبو جورج آلاف الزبائن، وراقب بصمت التغيرات التي طرأت على المدينة، ورواد الحياة الليلية فيها، من زبائن قادمين من أرياف بعيدة، وشبان لا يجرؤون على الجلوس مع كبار السن على طاولة واحدة لاحتساء المشروب، لأن ذلك "عيب"، إلى فتيات ونساء بات وجودهن في مشهد السهر الدمشقي أكثر اعتياداً في العقدين الأخيرين، إلى سياح يقصدون المحل خصيصاً لأن "من لا يمر على حانة أبي جورج، كأنه لم يسهر في دمشق"، على حد قوله. ثم في سنوات الحرب التي عاش هذا الشارع خلالها توترات أمنية كبيرة، وسقطت المئات من القذائف، من دون أن يخلو محل الرجل يوماً من الرواد، وصولاً إلى هذه الأيام التي تشهد المنطقة فيها انتشاراً غير مسبوق للحانات، وأماكن السهر الجديدة التي جعلت المكان لا يشبه نفسه كما يرى البعض. ويبقى لهذا المحل الصغير سحره الخاص، إذ يقصده الزبائن اليوم من أرجاء سوريا كلها.

مع هذه التغيرات كلها، لم تختلف أسرار التعامل مع مجتمع "السهّيرة" الذي يعاشره أبو جورج بشكل يومي، وقد ورثها عن والده كما حدّثني في لقاء معه داخل الحانة: "في هذا المكان أنا أخرس، وأطرش، وأعمى. من نظرة واحدة أعرف إن كان الشخص يشرب ‘عن زعل، أو عن فرح’، وإن كانت عليّ مسايرته، وتقديم المزيد من المشروب له، أو أن أطلب منه التوقف لأن حالته ما عادت تسمح بكأس إضافي"، يضيف بابتسامة عريضة فخوراً بكونه واحداً من القلائل المحافظين على أخلاقيات هذه المهنة، وهي برأيه ما عادت شائعة في معظم الأماكن الجديدة، إذ لا تربط أي علاقة وثيقة أصحابها بزبائنهم، وهو أمر ضروري لمن يريد أن يكون صاحب محل سهر "حقيقي".

هذه العلاقة تبدو واضحة بين أبي جورج وزبائن المحل، الذين أخبروني أن المكان ليس "مجرد حانة"، وإنما مجتمع كامل تدور فيه مختلف أنواع الأحاديث، من السياسة إلى الفن والثقافة، وحتى غلاء الأسعار، وصعوبة المواصلات، وتراجع نوعية الأجبان والألبان في الأسواق. "هنا يصبح الرجل الستيني صديقاً للفتاة العشرينية، وتلتقي العاطلة عن العمل مع رفاق جدد، وكثيراً ما زوّجت الحانة أشخاصاً شعروا بالحب فيها من أول نظرة"، كما يقولون.

محل أبو جورج ليس "مجرد حانة"، وإنما مجتمع كامل تدور فيه مختلف أنواع الأحاديث، من السياسة إلى الفن والثقافة، وحتى غلاء الأسعار، وصعوبة المواصلات، وتراجع نوعية الأجبان والألبان في الأسواق، ويشهد الكثير من قصص الصداقة والزواج والحب من النظرة الأولى

أسأل أبا جورج عن جدران الحانة المميزة، التي تمتلئ بعبارات كُتبت بخط اليد، وتحمل الألم والحب والتفاؤل والكآبة، وأنواع المشاعر كلها التي يمكن أن يخرجها احتساء كأس، أو كأسين من المشروب. "لطالما كان محل أبي جورج ملاذاً لكثيرين، وملجأ لهم، وخصوصاً في أيام الحرب. يمكنهم أن يكتبوا ما يريدون على الجدران، فهي أصدق تعبير عن مشاعرهم، وعن حاجتهم اليوم كسوريين إلى ذلك"، يجيب.

من داخل حانة أبو جورج في الشارع المستقيم بدمشق - تصوير زينة شهلا

من داخل حانة أبو جورج في الشارع المستقيم بدمشق - تصوير زينة شهلا


الهروب من الحرب إلى الرقص

بعيداً عن باب شرقي، تصدح من صالة أحد الفنادق وسط دمشق ليل كل خميس، موسيقى إلكترونية تجذب المئات من شباب المدينة نحو "مساحة حرة لا حواجز فيها، ولا أحكاماً مسبقة، ولا صوراً نمطية، بل هي مهرب من الحرب، وآثارها النفسية المدمرة فحسب"، كما يصفها أحد اللائذين بها.

هذه المساحة التي أسسها منذ نحو أربعة أعوام كل من سعادة خوري، ومهدي اللحام، تحت اسم "أندرغراوند هاوس"، باتت جزءاً ثابتاً من مشهد الحياة الليلية في دمشق اليوم، وروادها شبان وشابات من مختلف الخلفيات الاجتماعية والفكرية والمهنية، تجمعهم رغبتهم في قضاء ليلة يتركون خلالها همومهم، واختلافاتهم، ووجهات نظرهم، خارجاً، الأمر الذي يذكّر ربما بما فعلته موسيقى "التكنو" حين وحدت أطرافاً متناقضة في برلين إثر انهيار جدارها أواخر ثمانينيات القرن الماضي.

في بهو فندق الفردوس، وبعيداً عن صخب ليلة الخميس وموسيقاها، التقيتُ بكل من سعادة، الموسيقي و"الدي جي"، ومهدي، ذي المهارات الإدارية، وحدثاني عن مشهد الفن والسهر الذي يحاولان رسمه منذ العام 2017 وحتى اليوم: موسيقى إلكترونية، تجريبية، "فيوجن"، وصولاً إلى مشاريع فن جماعي بالتعاون مع رسامين ومصورين، تعبّر عن الواقع السوري اليوم.

"قد يبدو الأمر من نظرة خارجية، مجرد سهرة أسبوعية تجمع الناس ليرقصوا، لكنه بكل تأكيد أكبر من ذلك"، يقول سعادة، ويضيف مهدي شارحاً بأن مشروع "أندرغرواند"، وسهرات الموسيقى الإلكترونية بشكل عام في سوريا اليوم هي "صديقة المجتمع المهمش الباحث عن تجربة موسيقية جديدة، ومكان للتفريغ النفسي بعد سنوات الحرب، نظراً إلى طبيعة هذه الموسيقى التي تترك أثراً مريحاً عند من يستمع إليها، ويحبها، وهو أمر عاشته المجتمعات الخارجة من حروب طويلة، جميعها".

من حفلات "اندرغراوند هاوس" في دمشق

من حفلات "اندرغراوند هاوس" في دمشق - تصوير حسن بلال

يتراوح عدد جمهور "أندرغراوند" بين 70 و350 شخصاً في كل حفلة، ويضم طلاباً، وموسيقيين، وأطباء، ومهندسين، ومجندين، يخصصون لحظات إجازاتهم للسهر، وإن لساعات قليلة. "يقول لنا كثيرون إن وجود مكان يمكن أن يأتوا إليه كل أسبوع ليسمعوا هذه الموسيقى، وينسوا ما حولهم كله، هو أحد أسباب بقائهم في دمشق اليوم، على الرغم من موجات الهجرة الجماعية التي تشهدها البلاد. تعليق واحد كهذا، أو قدوم شخص على كرسي متحرك راغب بالاستماع والاستمتاع فحسب، كافيان لأن يجعلانا ملتزمين بتقديم تجربة أفضل في كل مرة"، يضيف سعادة.

سهرات الموسيقى الإلكترونية في سوريا اليوم هي صديقة المجتمع المهمش الباحث عن تجربة موسيقية جديدة، ومكان للتفريغ النفسي بعد سنوات الحرب، نظراً إلى طبيعة هذه الموسيقى التي تترك أثراً مريحاً عند من يستمع إليها ويحبها، وهو أمر عاشته المجتمعات الخارجة من حروب طويلة

ولا يكترث مهدي وسعادة كثيراً بعقبات تحول دون تطوير عملهما، أو بالأحرى يجترحان الحلول المبتكرة للتعامل معها: "عملنا تحت القذائف التي كانت تنهمر بكثافة على أحياء المدينة منذ أعوام، واضطررنا كثيراً إلى فرض رسوم دخول قليلة تتلاءم مع الأوضاع المادية لجمهورنا، خاصةً الطلاب، وأحياناً إلى استقبالهم مجاناً على الرغم من التكاليف الكبيرة التي يتطلبها إحياء حفلاتنا. تعيقنا العقوبات المفروضة على سوريا، إذ لا نتمكن من شراء الكثير من البرمجيات والأدوات التي نحتاجها، لكننا نستمر في تقديم موسيقى جديدة كل أسبوع".

ويختم الشابان الثلاثونيان حديثهما بابتسامة، وهما يشبّهان عملهما بما يقوم به الطبيب النفسي: "الأثر العقلي للحروب أكبر من الأثر المادي، والاكتئاب المرافق لها يمكن أن يغيّر شكل المجتمع. ما علينا فعله هو تقديم موسيقى جيدة، وأن نضمن خروج الناس من هذه القاعة بابتسامات عريضة على وجوههم، وارتياح في نفسياتهم. هل هناك أثمن من ذلك؟".

من حفلات "اندرغراوند هاوس" في دمشق

من حفلات "اندرغراوند هاوس" في دمشق - تصوير حسن بلال


الرقص والموسيقى علاج للروح

بشكل مشابه تتحدث لارا بيرقدار (24 عاماً) عن عملها، وهي "دي جي" من الذين فرضوا أنفسهم على مشهد الموسيقى الإلكترونية في دمشق اليوم، وتُطلق على نفسها اسم "ولا شي"، وتلعب أنواعاً مختلفة من الموسيقى بشكل أسبوعي في عدد من محال السهر في المدينة منذ ما يقارب العامين.

بعد تنقلها خلال سنوات دراستها إدارة الأعمال بين لبنان، وهولندا، وقبرص حيث احترفت مهنة الـ"دي جي" على يد موسيقية تركية، قررت لارا قبل عامين أن تستقر في دمشق لتكون جزءاً من مجتمع "الموسيقى الإلكترونية" الذي يكبر رويداً رويداً في المدينة، مع ازدياد عدد رواده، ومحبيه، وربما المحتاجين إليه، وسط ضغوط اقتصادية واجتماعية غير مسبوقة يعيشها السوريون اليوم.

من الحفلات التي تحييها الدي جي لارا بيرقدار

من الحفلات التي تحييها الدي جي لارا بيرقدار في دمشق

"الحكاية في دمشق، وبالنسبة لي على وجه الخصوص، ليست مجرد حفلة أسبوعية، وأن نمزج أصواتاً لندفع الناس إلى الرقص. نحن نحاول أن نخلق لحظة فرح يتوق إليه هؤلاء الشباب اليوم أكثر من أي وقت مضى، وكما يشير أحد معاني الاسم الذي اخترته، أسعى لأن أخلق شيئاً من لا شيء"، تشرح لي، ونحن جالستان في أحد مقاهي دمشق.

تعتمد لارا في حفلاتها، التي تستقطب شباباً وطلاباً بشكل خاص، على رسائل موسيقية تصل إلى لا وعي الحضور، وترتبط في كل مرة بفلسفة روحية معينة، وتبحث في كل حفلة عن مفهوم جديد تقدمه من خلال الأصوات التي تختارها، والموسيقى التي تنتجها، لتتحدث في نهاية المطاف عن الفرح والحب والطاقة الإيجابية. بات الجمهور ينتظر حفلاتها من أسبوع إلى آخر، والبعض، كما يقولون، يحرصون بأي طريقة على جمع التكلفة اللازمة، وهي بحدود 20 ألف ليرة (حوالي ستة دولارات)، كي لا يفوتهم أي حفل.

من الحفلات التي تحييها الدي جي لارا بيرقدار

من الحفلات التي تحييها الدي جي لارا بيرقدار في دمشق

"أخبرني أحدهم ذات مرة بأنه ينسى ما عاشه من مآسٍ خلال سنوات الحرب، في الساعات التي يقضيها وهو يرقص على الموسيقى التي ألعبها. آخرون يقدمون لي بعد الحفلات هدايا بسيطة تعبر عن امتنانهم. الموسيقى والرقص والحفلات التي نحييها تؤدي لنوع من الراحة النفسية للحضور"، تضيف مبتسمة.

قد يختلف محل أبي جورج عن بهو الفندق أو البار الذي يحيي فيه كل من سعادة ومهدي ولارا حفلاتهم، ومن دون شك يتباين جمهورهم، ذوقاً واهتمامات، لكن ما يوحدهم اليوم هو أنهم يحاولون من خلال السهر والفن والموسيقى، مساعدة السوريين على النسيان، ولو مؤقتاً، وأن يدفعوهم ليعيشوا لحظتهم الراهنة بكل ما فيها من أحاسيس صادقة وحقيقية، حتى النهاية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard