“ترافقني أمي في سهراتي حتى النهاية“... يوميات مغنيات المقاهي والبارات في سوريا

الخميس 19 نوفمبر 202001:42 م

تنهي سيدرا حفلتها، ترسل تحية إلى الجمهور، تعود إلى الكواليس لتبدل ثيابها، بينما تحاول ارتداء سروالها الجينز، تسمع طرقاً على الباب، تُجيب: "لحظة فقط"، تفتح الباب، ليسارع مُنسق الحفلة إلى الدخول، يعانقها، ويقول: "برافو برافو كنتِ رائعة" وسط ذهول سيدرا من تصرفه.

هكذا بدأت سيدرا قصّتها عن تجربتها في الغناء، وهي تتقاطع مع تجارب نساء عديدات في سوريا، اخترن الغناء في المقاهي والبارات، لكنهن يعشن تحديات ومصاعب يومية. هنا، ينقل رصيف22 بعضاً من هذه القصص.

"مطربة يا سلام!"

تواصل سيدرا (اسم مستعار) حديثها لرصيف22: "نظرة المجتمع الحلبي للفتاة التي تغني سلبية، سواء كانت تغني على المسرح أو في المقهى، يتداول الناس تعليقات عن الفتاة التي تُغني مثل: أيش بتشتغل؟ بتغني؟ مُطربة؟ يا سلام!".

تعزف سيدرا (35 عاماً) على آلتيّ العود والبيانو، تُغني ضمن الحفلات التابعة لمعهد صباح فخري، الذي تخرجت منه، تشرح ذلك: "وصلتني الكثير من العروض للغناء في المقاهي، لكنني رفضت، لأنني أعلم الوسط الذي أعيش فيه، يختصر كل موهبة الفتاة بكلمة واحدة: بنت ليل".

"يختصر كل موهبة الفتاة بكلمة واحدة: بنت ليل".

تعود سيدرا بذاكرتها إلى حفلة تكريم الفنان مصطفى هلال قبل عدة سنوات، إذ شاركت فيها، وكانت الحفلة الأخيرة لها مع إحدى الجهات الثقافية الرسمية في حلب، لأنها رفضت ارتداء فستان أحمر مكشوف الكتفين، طُلب منها أن ترتديه وتُغطي كتفيها بعلم سوريا. تقول: "رفضتُ، وارتديتُ فستاناً أسود كلاسيكياً لم يعجبهم، لم يطلبوني مجدداً، لذلك أجد أن مهنة الغناء للفتاة في مجتمعنا الشرقي صعبة، طريقها مليء بالحُفر، إنها مهنة خارجة عن المألوف في المجتمع الحلبي خصوصاً".

تذهب سيدرا إلى أبعد من ذلك: "الفتاة التي تُغني في حلب تنخفض عروض الزواج التي تصلها، لأن مهنتها لا تناسب تفكير معظم العائلات الحلبية، إن أحبها شاب، فسيرفض أفراد عائلته تزويجه لها، سيقولون: أيش بدك تتزوج مُطربة؟ بتغني للرجال بالمقاهي؟!"

"خطوة جريئة"

تضع سنا حداد كأس الشاي الساخن، تجلس خلف البيانو في غرفتها، تبدأ عزف الأغنية المفضلة لديها، مع نغمات الموسيقى يملأ صوتها المكان: "الليلة عيشني حبك.. الليلة سمعني قلبك.. الليلة نساني على إيديك، وشمسي تشرق من عينيك.. عندي بتساوي هالكون.. لكل الكون حبيبي".

تعمل سنا مدرّسة موسيقى وغناء منذ نحو خمس سنوات، تحكي قصتها لرصيف22: "رغم أنني درست في كلية الصيدلة فإن الغناء يأخذ جزءاً من حياتي، أحب أن أُغني للسيدة فيروز، وماجدة الرومي، وجوليا بطرس، لكن الذوق العام مختلف تماماً".

وترى سنا، تسكن في مدينة اللاذقية، أن تكون الفتاة مُغنيّة في مجتمع ما زال يكرّس مهناً معينة للنساء، ويصنف المرأة في معظم الأحيان كمخلوق ضعيف يحتاج للدعم والمساعدة من الرجل، فهذه خطوة جريئة، لكنها تستحق التجربة، تقول: "عندما تخرج الفتاة عن الخط الذي رسمه لها المجتمع ستواجه العديد من الصعوبات، هذا ما يحدث مع أي فتاة موسيقية موهوبة".

تعود سنا بذاكرتها إلى أول حفلة موسيقية قدمتها في مدينة بانياس الساحلية، كان قلبها يرقص فرحاً لأنها ستعزف لأول مرة أمام الجمهور، تقول: "كانت الحفلة تحت عنوان "كلاسيك بيانو"، عندها شعرت بسعادة غامرة لكنها تلاشت تدريجياً، لأن الجمهور رأى أن ما أقدمه لا يناسب ذوقه".

"يتداول الناس في حلب تعليقات سلبية عن الفتاة التي تُغنّي، مثل: أيش بتشتغل؟ بتغني؟ مُطربة؟ يا سلام!"

وتكمل سنا: "الناس لا تحب موسيقى الكلاسيك، دائماً يفضلون الأغاني الشعبية، لذلك فكرة أن تجلس فتاة وتغني موسيقى كلاسيك في مقهى ليست مستحبة في مجتمعنا لأن ذائقة الجمهور مختلفة".

وفي أحد الأيام عُرض على سنا أن تُغني في مقهى صغير في مدينة اللاذقية، بينما كانت تسأل عن البرنامج، قال لها منسق الحفلة: "أنا متأكد أنها ستنجح لأن شكلك مع البيانو جميل جداً"، وتضيف: "معظمهم يهتم بشكل الفتاة أكثر من الموسيقى والفن".

أين أهرب من المتحرشين؟

أنهت نورا القادمة من طرطوس حفلتها في أحد بارات دمشق القديمة، ارتدت معطفاً طويلاً فوق فستانها القصير، خرجت مسرعة، لكن معطفها لم يحمها من المتحرشين، الذين سمعوا صوت كعب حذائها، سارعوا خلفها، تقول نورا: "ما إن أصل إلى غرفتي حتى أقفل الباب، وأرمي بجسدي على السرير، أخيراً أصبحت في أمان".

تعمل نورا (25 عاماً) مغنيّة وموسيقية في العاصمة، تعيش في غرفة صغيرة في المدينة القديمة، تقول: "درست في كلية الموسيقى في حمص، أنهيت أيضاً أربع سنوات دراسة أدب انكليزي، أعزف على البيانو، وأغني في المقاهي".

ترى أن نظرة المجتمع للفتاة الموسيقية التي تغني سلبية، بداية من موظف الكلية الذي استغرب حضورها عندما جاءت قبل سبع سنوات لتسجل في كلية الموسيقى، سألها: "مجموعك عالٍ جداً لماذا ستسجلين موسيقى؟"، وصولاً إلى الجيران والأصدقاء وأصحاب المقاهي والبارات أيضاً.

مدينة قاسية على النساء

"دمشق تأخذ منك ولا تعطيك"، هكذا تصف نورا حالتها، مضيفة: "غالبية الناس عندما تعلم أنني مُغنية أعيش وحدي، تعتبرني فتاة سهلة المنال، تسلّم نفسها لأي عابر سبيل يدفع أكثر، هذا ما جعلني أراقب نفسي في كل خطوة".

وفي كل حفلة تطالب نورا بكرسي البار، ترفض أن تتنقل بين الطاولات، تجلس على الكرسي من بداية الحفلة حتى نهايتها، كما ترفض أن تتناول أي مشروبات روحية رغم أنها تحبها.

بعد الانتهاء من الغناء تخرج مسرعة، لا تجلس إلى الطاولة أو تتجاذب أطراف الحديث مع صاحب البار، أو مع أي زبون، هكذا تحمي نفسها، كما أن عدداً قليلاً من الأصدقاء يعلم مكان سكنها، تقول: "لا يعلمون أين أسكن بالضبط".

"المشكلة أن الشريحة الأكبر من مجتمعنا متشددة، يتدخل الدين بكل تفاصيل حياتهم، والذي يسمعني هو هذا الشخص الذي يقول له والده أو الشيخ أن الغناء حرام يا ابني!"

تصل سوما (اسم مستعار) إلى مكان الاستديو في حي الشعلان وسط دمشق، لديها موعد للتدريب على الغناء والتحضير لحفلة، المكان مظلم قليلاً، الجدران خشبية، عندما دخلت استقبلها درج طويل يؤدي إلى الطابق السفلي، أي الاستديو.

تنزل سوما السلالم، قبل أن تصل تسمع مُنسق الحفلة يقول للشبان: "جبتلكن عازفة ومُغنيّة شقفة نتجنن طيبة كتير"، تقول: "هذه واحدة من حوادث عدة.. كأن يرسل لي أحد الزبائن كأس ويسكي، أو أن يطلق صاحب البار شائعة أنني حبيبته، أو يطلب مني أن أحضر له زبائن".

ترى سوما، تسكن في دمشق (27 عاماً)، أن المشكلة معقدة جداً، ليست فقط نظرة سلبية للفتاة، بل أيضاً للموسيقى والفن كله، لأن الشريحة الأكبر من المجتمع متشددة، بعيدة عن الفن، قريبة من التدين وطقوسه، تقول: "يتدخل الدين بكل تفاصيل حياتهم".

وتتساءل سوما في ختام حديثها لرصيف22: "إن كان الشخص الذي يحضر الحفلات، هو ذاته الذي يقول له والده أو شيخ الجامع: الموسيقى حرام يا ابني! كيف سينظر للغناء والمغنيات؟!"

"بترجع آخر الليل"

حصلت سونيا مقديد، تسكن في اللاذقية، على الجائزة الأولى في مهرجان الاغنية السورية في حلب في سنة 2004. الجائزة الثالثة في مهرجان الإسكندرية الرابع في عام 2006، تعزف على آلة الفلوت، تغني، وتدرّس الغناء في مدينة اللاذقية، لكن رغم ذلك لا تنجو من التعليقات السلبية عندما تغني في مقهى عام.

واجهت سونيا رفض المجتمع المحيط بها لاختيارها أن تكون موسيقية، بداية من الأقارب إلى الأصدقاء والجيران، تقول لرصيف22: "سمعت الكثير من تلطيش حكي مثل ما بترجع لآخر الليل. وبتغني بالمقاهي".

تضيف: "معظم الناس ترى الصورة النمطية التي يكرسها المجتمع، دون أن يحاولوا البحث عن التفاصيل، يطلقون أحكاماً عامة، يتجاهلون موهبتي والجوائز التي حصلت عليها، يركزون فقط على أنني فتاة أغني في مقهى مختلط، ما زالوا يؤطرون المرأة ضمن إطار جسدها فقط".

تحكي سونيا قصة حدثت معها في إحدى الحفلات الصيفية، بينما كانت تغني جاء شاب طويل القامة عريض الكتفين، قال لها: "المعلم بدو تغنيله هذه الأغنية"، ردت: "أعتذر للأسف ماني حافظتها"، فكرر: "المعلم بدو يسمعها". تقول: "يظنون أن الفتاة التي تغني سهلة أو يمكن أن تنفذ كل طلباتهم".

تؤكد سونيا أن القليل من التمرد على المجتمع مفيد للطرفين، تقول: "القليل من التمرد يجعل الفتاة تحقق طموحها وتثبت موهبتها، وفي الوقت ذاته تكسر قوالب مجتمعية يزيد عمرها عن آلاف السنين وتحدد للمرأة ماذا عليها أن تعمل وكيف عليها أن تعيش".

تكسير للصورة النمطية

ما زالت غريس قموع تستقبل التهانىء بعد حفلة خطبتها من عازف البيانو الشاب يورغي تومات، ها هي تثبت لعائلتها أن الزواج لم يتعارض مع مهنتها التي اختارتها.

واجهت غريس، (23 عاماً) قدمت من حلب إلى اللاذقية، رفض المجتمع الحلبي لمهنتها كمغنيّة وعازفة بيانو، كما واجهت رفض عائلتها دخولها هذا المجال، تقول: "شعروا بالخوف من هذا الوسط، أذكر كلمات أبي: أنا لست ضدك يا حبيبتي، لكننا نعيش في مجتمع محافظ يرفض أن تغني فتاة في حفلة عائلية، إذاً من سيقبل أن يتزوج بفتاة تغني في المقاهي".

"أنا لست ضدك يا حبيبتي، لكننا نعيش في مجتمع محافظ".

تضيف: "ستة أعوام مضت على عملي كمغنيّة في اللاذقية، لمست الفرق بين نظرة الناس هنا ونظرة أهل حلب للفتاة التي تغني في المقاهي، رغم أن الأمر ليس يسيراً هنا لكنه أفضل من حلب".

شكلت غريس مع خمسة من الشبان من بينهم خطيبها فرقة موسيقية اسمها "سولو باند"، تقول: "بعد خطبتي، تلاشت مخاوف عائلتي".

تتذكر غريس دائماً اللحظات الأولى في عملها، وطريقة تعامل الأسرة معها، تقول باسمة: "في بداية عملي كانت أمي ترافقني في كل حفلة، تجلس إلى أول طاولة، لا تخرج من المقهى إلا وأنا معها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard