تناقضات دمشقية تسقط عند عتبة حانة "أبو جورج"

الأربعاء 2 سبتمبر 202001:11 م

يقال إن الفروقات في الحياة هي مصدر للتطور! هذا ما قيل لنا على الأقل، لذلك أحببنا أن نبحث عن الفوارق أملاً بذلك التطور، وقد كنّا عند كل اختلاف مهما كان، نستطيع أن نجد حلّاً يناسبه ضمن قدراتنا والظروف التي كانت تحيط بنا، على الرغم من وجود الكثير من الخطوط الحمراء كنّا نحاول، وقد نجحنا في ردم تلك الفوارق ولو نسبياً.

هل وجدت يوماً حلّاً للفروقات في المدينة الواحدة؟! أو على الأقل بين منطقتين يفصل بينها شارع واحد؟! أحدهما يعيش تحت خط المعاناة، والآخر لا يأبه لأي تغيّر في نمط حياة ما أو وضع معيشي آخر.

في مدينة الفروقات الغريبة، يقف مكان واحد تسقط عنده كل الفروقات مهما بلغت شدّتها، لدى "أبو جورج" الجميع في صف واحد!

ذلك الفراغ، هذا الشارع لم يكن يوماً بهذا الفراغ، كان كل ما يُراد له أن يكون هو شارع الحياة الوحيد.

هل تعرف باب شرقي؟ أعتقد أنك لا تعرفه، لكنك تعرف شارع "الحمرا" في بيروت، لكن في شارع الحمرا لا يوجد "أبو جورج "، لا توجد الحانة التي على جدرانها تستطيع أن تكتب سيناريوهات عديدة للوحات مختلفة، تدخل ضمن أي مسلسل وتحقق نسب مشاهدة عالية لأنها حقيقية، هنا حيث كتب السائح عن مشاعره تجاه الطاولات الثلاث، وتجاه أبو جورج نفسه، وحتّى تجاه كأس المشروب الخاص به، أو من الممكن أن تجد ذكرى كتبها والدك في فترة كان هو بها أحد روّاد هذه الحانة.

في باب شرقي تستطيع معرفة الشيء الذي يفصلك عن قساوة المشاهد اليومية: لم يبقَ أحد في الشارع، تكاد لا تفهم هل كورونا هي السبب، الخوف أو سبب آخر لا نعرفه.


"هون ما في كورونا. المي بيشربوها غير المي يلي منشربها"، هذه الجملة التي بدأ بها محمد، 45 عاماً، سائق التاكسي، حديثه لدى وصولنا إلى أحد المناطق الراقية في دمشق، حيث لاحظ فرق الازدحام بين المنطقة التي قدمنا منها وهذه المنطقة. لم يكتفِ محمد بذلك، وكأن آثار الفروقات بين هذا الحي وحّيه قد أتعبه أكثر مما يحتمل تفكيره ليتابع: "حتى المطبات غير... المطبات عنا بدها السيارة ألف تصليحة بعد ما تطلع عليها... هون بتطلع بكل كبرياء... السابا بتقلب مارسيدس هون".

لم تكن هذه الفروق عند محمد فحسب، ففي سوريا نشأت الفروق عبر تاريخها. قليلة هي المرات التي ترى بها صورة بصرية واحدة لشارعين، كثيرة هي الأمثلة التي تجعل شارعاً واحداً يفصل بين أرقى المناطق وأسوأها، نقيضين بينهما شارع! ورغم وجودها، لم تكن هذه الفروق لتظهر بشكل واضح ويتم الحديث عنها، بينما الآن أصبحت جليّة.

لطالما حلمنا بأن يكون لدينا في سوريا "بطل قوى خارقة" يستطيع انتشالنا من قاع ما وصلنا إليه، أو يحدّث نجومنا وفنانينا عن أن الفروقات التي حطت بالشعب وُجدت لتُردم

هل كان باسم ياخور وغيره من الفنانين السوريين يعلمون الحال الذي وصل إليه أبناء بلادهم عندما قرروا أن يجدوا وسيلة كسب أخرى للمال، فتحدثوا عن أسرارهم وطرحوا الفيديوهات ذات العناوين الفضفاضة والمحتوى الذي لا قيمة له؟

لا أدري ماذا يهم السوريين من معرفة: "ليش ما تزوجت؟ أديه أخدت على الدور هاد؟"، والكثير من الجمل التي تجعلنا في فجوة كبيرة بين ما يهتم به الشعب وما يهتم به فنانوه.

لا نخفي عند الحديث عن الموضوع توجّه العالم بأسره ليكون فعّالاً على المواقع الإلكترونية... لطالما حلمنا بأن يكون لدينا في سوريا "بطل قوى خارقة" يستطيع انتشالنا من قاع ما وصلنا إليه، أو يحدّث نجومنا وفنانينا عن أن الفروقات التي حطت بالشعب وُجدت لتُردم، أن تظهر وأنت بكامل أناقتك في منزلك الملكي في إحدى الدول، تستخدم أجهزتك الإلكترونية الحديثة، تتحدث بلغة لا تشبهك وتقدم محتوى لا يمت لنا بصلة، سوى بذكريات كنت أنت فيها أهم ركائزها. كم نحن بحاجة إلى العديد من شخصيات الدراما في الواقع، تلك الكاركتيرات التي تحدثت ولو بطريقة كوميدية عن الشعب، أوضحت الفروقات وقدمت عنها الكثير من القصص، وفي بعض الأحيان وجدت حلولاً لها.

أعود إلى أبو جورج وأنا أكتشف أن السبب الذي يكمن وراء الحب الذي يملكه هذا المكان: إنه المكان الوحيد الذي يتخلى كل شخص على عتبة الدخول إليه عن مكانته، يصبح صافياً متحدثاً بمشاعره، مهما بلغت قيمته. يجتمع الجميع على كأس العرق وعلى إذاعة، أكاد أجزم أن لا أحد يعرفها سوى أبو جورج نفسه، تبث أغاني أم كلثوم، صديقة سكارى دمشق ورفيقة أنخابهم.

التغييرات الوحيدة التي شهدها المكان هي قصص روّاده الموجودة على جدرانه، أبو جورج يشبه الواحة في قلب الصحراء، حافظ على وجوده منذ عام 1956، وهنالك معلومة يعرفها القلائل من الناس، أن حانته هي إحدى مكانين فقط في دمشق التي تملك رخصة المشروبات الكحولية

لقد طرأت العديد من التغييرات في هذه البلاد، أصبح افتتاح الأماكن يرافقه الكثير من الحملات الإعلانية والدعوات والأفكار التي تتماشى مع التطور في الزمن. لا يمر بذاكرتي أي مطعم بقي ثابتاً دون تجديدات أو تطورات، إلّا هذه الحانة... هذه الحانة دعايتها الوحيدة كانت ضحكة أبو جورج وهو يستقبلك، ذات الطاولات على الدوام، لم يشعر حتى بتنافسية الكم الهائل من البارات حوله، ولا بالخطر منها.


التغييرات الوحيدة التي شهدها المكان هي قصص روّاده الموجودة على جدرانه، أبو جورج يشبه الواحة في قلب الصحراء، حافظ على وجوده منذ عام 1956، وهنالك معلومة يعرفها القلائل من الناس، أن حانته هي إحدى مكانين فقط في دمشق التي تملك رخصة المشروبات الكحولية.

تكاد باب شرقي تغرق في الفراغ، إلا أبو جورج بطاولاته الثلاث، يجمع يومياً ما يروي ذاكرتنا بأن هذا الشارع لا تنتهي قصصه.

يقال لك اذهب إلى الأموي والحميدية وعدّة أماكن لترى تاريخ دمشق، لو كنت مكانك لن أذهب سوى لأقرأ ما كُتب على جدران تلك الحانة.

باعتقادي، ما كتب هو تاريخ دمشق الحقيقي...

لأن كلام السُكْر هو الأصدق دائماً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard