"أدفع ثمن ذنب لم أقترفه"... كيف تؤثر العقوبات على من يعيشون داخل سوريا؟

الأحد 14 يونيو 202011:46 ص

في كل مناسبة تحمل تغييراً في العقوبات المفروضة على سوريا، يعود الحديث عن أثرها وقدرتها على تحقيق الأهداف المنشودة منها، إضافة للجدل حول المتضررين الفعليين من تطبيقها، والآراء المتباينة حول ضرورة الاستمرار بها، تعديلها، رفعها جزئياً أو إيقافها كلياً.

اليوم، تقفز هذه الأحاديث إلى الواجهة مع قرب تطبيق قانون قيصر الأمريكي في النصف الثاني من الشهر الحالي، والذي يحمل في طياته إجراءات أشد وطأة وتأثيراً على الحكومة السورية والعديد من الكيانات المتعاملة معها.

ورغم أن تاريخ فرض العقوبات الأمريكية على سوريا يعود لثمانينيات القرن الفائت، ولأسباب عديدة تتعلق باتهام الحكومة السورية بدعم الإرهاب والسعي لتطوير برامج التسليح الخاصة بها، إلا أن ما بعد 2011 ليس كما قبله، حيث فُرضت حزم عقوبات غربية، وبشكل أساسي أمريكية وأوروبية، على قطاعات اقتصادية معينة، وأشخاص ورجال أعمال وكيانات عدة، ترى الدول التي أقرتها بأنها ستضغط للانتقال نحو مسار سياسي ودبلوماسي ينهي الحرب الدموية في البلاد.

ومع صعوبة تحديد مدى نجاح هذه العقوبات في تحقيق مساعيها، فهي ومن دون شك أثرت بشكل أو بآخر على الحياة اليومية لملايين السوريين داخل سوريا وعلى أصعدة مختلفة، اقتصادياً واجتماعياً وإنسانياً، قد تختلف وجهات النظر حول عمق هذا التأثير، لكنه أمر يصعب إغفاله أو تجنب الحديث عنه.

اليوم، تقفز الأحاديث عن العقوبات المفروضة على سوريا والمتضررين منها إلى الواجهة مع قرب تطبيق قانون قيصر الأمريكي في النصف الثاني من الشهر الحالي، والذي يحمل في طياته إجراءات أشد وطأة وتأثيراً على الحكومة السورية والعديد من الكيانات المتعاملة معها

القطاع الصحي: استهداف غير مباشر وأثر واضح

في دراسة صدرت عن كلية لندن للاقتصاد في نيسان/ أبريل الفائت، يتحدث الصحفي السوري المتخصص بالشؤون الاقتصادية، زياد غصن، عن نتائج العقوبات المفروضة على سوريا على القطاع الصحي، وهو رغم استثنائه من هذه العقوبات، إلا أن آثارها على كل ما له علاقة بتطويره وتأمين احتياجاته واضحة للغاية.

من هذه الآثار تتحدث الدراسة عن نقص بعض الأدوية، وبشكل خاص أدوية الأمراض المزمنة،، كالقلب والضغط والسكري، وعرقلة تموين السوق السورية بالمواد الأولية اللازمة للتصنيع الدوائي المحلي الذي كان قبل الحرب يغطي 93% من الحاجة المحلية، حيث امتنعت الشركات المتعددة الجنسيات عن التعامل مع الشركات السورية، واقتصرت طرق الشحن على تلك القادمة عبر لبنان مع انتفاء استخدام الموانئ البحرية والجوية السورية، إضافة إلى تأثير العقوبات على التعاملات المصرفية وتحويل الأموال.

أدى ذلك، حسب ما تقول الدراسة، إلى ارتفاع تكلفة استيراد المواد الأولية وتأخر وصولها، وتعذر استيراد بعض المواد الأولية المستخدمة في الصناعة الدوائية والاضطرار للبحث عن بدائل أخرى، واستيراد بدائل للأدوية النوعية، والتي بات الحصول عليها من المصادر الأوروبية متعذراً، من مصادر قد تكون أحياناً غير معتمدة دولياً، وسحب الشركات الأجنبية الامتيازات الممنوحة للمعامل السورية لإنتاج حوالي 8% من الأصناف المنتجة محلياً.

إضافة لذلك، وجدت المستشفيات نفسها عاجزة عن توفير ما تحتاجه من تجهيزات وقطع تبديلية، جراء ارتفاع ثمنها، انخفاض سعر صرف العملة المحلية وارتفاع تكاليف الشحن، فاتجهت نحو بعض الدول الآسيوية أو التفت على العقوبات من خلال حلقات وسيطة تؤدي في نهاية المطاف لرفع التكاليف بشكل كبير.

جميع هذه الآثار تبدو اليوم واضحة للعيان داخل سوريا، فأسعار الدواء المحلي ارتفعت لدرجة بات كثير من السوريين مضطرين للمفاضلة بين الدواء ومصاريف أخرى، وربما في بعض الأحيان الاستغناء عنه أو تقليل كميته، وفُقدت العديد من الأصناف الدوائية، وتراجعت جودة الخدمات الصحية المقدمة في عدد من المشافي والمراكز الطبية.

زيادة مصاعب الإنتاج والاستيراد والتصدير

خلال سنوات النزاع التسع التي عاشتها سوريا، طال الدمار والتراجع مختلف القطاعات الاقتصادية في البلاد، ويقدر البنك الدولي خسائر الناتج المحلي الإجمالي حتى العام 2017 بمقدار 226 مليار دولار أمريكي.

وزادت العقوبات المفروضة على سوريا منذ العام 2011 دون شك من هذه الخسائر، حيث باتت عمليات الاستيراد والتصدير والإنتاج المحلي أكثر صعوبة، فهي وإن كانت بمعظمها مستثناة من العقوبات بشكل نظري، إلا أن الواقع يتحدث عن عدم تعامل كثير من الكيانات الأجنبية مع أي كيان سوري بأي عملية اقتصادية أو مالية أو مصرفية، إما بسبب التخوف من كون هذا الكيان واجهة لشخصيات ومؤسسات خاضعة للعقوبات، أو نتيجة وجوب مرور العمليات التي تتعامل بالدولار الأمريكي –وهذا حال معظمها- عبر المصارف الأمريكية التي تمنع ذلك بشكل مطلق.

وبالتالي تحول اسم سوريا لمصدر رعب ضمن أي عملية تجارية أو اقتصادية أو مصرفية، الأمر الذي أثّر في نهاية المطاف على توافر العديد من المنتجات في الأسواق المحلية، مع تراجع وتيرة الاستيراد، تزايد صعوبات الإنتاج المحلي وإيقاف العديد من الشركات العالمية عملها وإنتاجها بشكل كلي داخل سوريا، وبات لا بد من البحث عن بدائل لحصول السوريين على ما يحتاجونه من سلع وخدمات، الأمر الذي تزداد صعوبته يوماً بعد آخر.

ومن هذه البدائل، كما يتحدث رائد سالم، الذي يمتلك محلاً لبيع المنتجات الإلكترونية وسط دمشق، التوجه نحو أسواق جديدة، على رأسها الصين وجبل علي في دبي، واللذين تحولا لمصدرين غاية في الأهمية للحصول على هذه المنتجات، "وهذا هو حال معظم من يعتمد على استيراد أي نوع من البضائع أو المواد الأولية، فلا بد من البحث عن أسواق بديلة تقبل التعامل مع سوريا"، يقول رائد أثناء لقاء مع رصيف22.

بالمقابل، ومع امتناع كثير من التجار والشركات الغربية عن الاستمرار بتوريد مختلف أنواع المنتجات إلى سوريا، وأيضاً إعطاء وكالات للتجار السوريين، كان لا بد للبعض، كما يشرح رائد، من اللجوء للسوق السوداء كي يحصلوا على ما يحتاجونه، إلى جانب الاستعانة بالأسواق اللبنانية، الأمر الذي ازدادت مصاعبه ومخاطره في الأشهر الست الأخيرة، بعد اندلاع الانتفاضة هناك وتدهور الأحوال الاقتصادية أيضاً بشكل غير مسبوق.

"يعاني معظم التجار السوريين اليوم من كمّ هائل من الصعوبات، وإن كانت قطاعاتهم غير مشمولة بالعقوبات، ونلحظ أثر ذلك كل يوم مع تناقص أنواع وكميات البضائع التي نراها في الأسواق السورية"، يقول رائد، ويضيف: "نحاول الاستمرار بالعمل والتواجد في الأسواق رغم انخفاض مبيعاتنا ونسب أرباحنا بشكل كبير، لكننا فعلاً لا ندري إن كنا سنتمكن من ذلك في الأشهر القادمة مع تشديد العقوبات وتوسيعها، دون أن يتحول عملنا لخسارة مطلقة".

"لا يوجد أي مبرر لحرماننا من التمتع بمزايا يحصل عليها أي شخص في العالم، فقط لأننا موجودون في سوريا، خاصة وأننا نتحدث عن خدمات لا علاقة لها بالحرب أو السياسة على الإطلاق. أشعر أنني أدفع ثمن ذنب لم أقترفه، وأني ضحية صراع لستُ طرفاً فيه"

خدمات تعليمية وترفيهية محظورة

مطلع الشهر الحالي، نشر حساب السفارة الأمريكية في دمشق على موقع فيسبوك إعلاناً لدورة مجانية مصممة لغير الناطقين باللغة الإنكليزية، بهدف تقوية المهارات اللغوية اللازمة للنجاح في سوق العمل الدولي، وذلك عبر موقع كورسيرا الشهير بتقديم مساقات مجانية، ضمن مجالات علمية وعملية متنوعة.

أثار الإعلان سخط وسخرية مئات السوريين مع حجب موقع كورسيرا لخدماته التعليمية عن كل من يحاول الوصول إليه من سوريا، حيث يحصل المستخدم على رسالة تفيد بأن "الموقع يعتذر عن السماح للمتعلمين من هذا البلد بالوصول للمنصة، بسبب القيود المفروضة من قبل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية OFAC (التابع لوزارة الخزانة الأمريكية)".

فمثل قطاعات أخرى، تأثرت العديد من الخدمات المقدمة عبر الإنترنت بالعقوبات الغربية على سوريا، حيث فُرضت قيود على وصول المستخدمين من المعرّفات والعناوين الرقمية الخاصة بسوريا، ومنعوا من الاستفادة من ميزات تعليمية وترفيهية واجتماعية كثيرة.

وإضافة لموقع كورسيرا، تمنع عدة مواقع وصول المستخدمين من داخل سوريا إليها أو لبعض خدماتها، فمثلاً، لا تظهر سوريا ضمن قائمة "الترند" على موقع تويتر، رغم إمكانية استخدامه وتصفح التغريدات منه، ويمنع موقع وتطبيق زووم، الذي يقدم خدمة تنظيم الاجتماعات عن بعد، إنشاء أي حساب جديد من سوريا، كما تمنع مواقع أخرى، منها نتفليكس وإر بي إن بي الوصول إليها من أي عنوان سوري، وتحجب مواقع، منها ساوند كلاود ويوتيوب، جزءاً من محتواها عن المستخدمين من داخل سوريا.

ويتحدث حسام دروبي، وهو طالب بمرحلة الدكتوراه في جامعة دمشق، عن تعذر حصوله على بعض خدمات الترجمة المقدمة من موقع جامعة كامبردج، بسبب تواجده داخل سوريا، حيث حصل على رسالة تشرح بأن "الدخول للموقع ممنوع بسبب محاولة الوصول للخدمة من بلد يحظر استخدامها فيه".

ويرى حسام خلال حديث مع رصيف22 بأن للجميع حقاً في الوصول لأي نوع من المعلومات، وبأن الطلب والعلم والغذاء قطاعات يجب أن تكون حتماً غير مشمولة بأي نوع من العقوبات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، كما يتمنى لو أن الحرب والعقوبات لا تطال الشباب والطلاب السوريين، "فربما في النهاية، هم من سيساهمون بحل النزاع والوصول للسلام الذي نصبو إليه"، وفق تعبيره.

ويضيف الشاب الثلاثيني: "لا يوجد أي مبرر لحرماننا من التمتع بمزايا يحصل عليها أي شخص في العالم، فقط لأننا موجودون في سوريا، خاصة وأننا نتحدث عن خدمات لا علاقة لها بالحرب أو السياسة على الإطلاق. أشعر أنني أدفع ثمن ذنب لم أقترفه، وأني ضحية صراع لستُ طرفاً فيه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard