أمور لا ترى... سمعيات وحركيات سهرة ثنائية بين العزف والرقص

الاثنين 14 يونيو 202110:37 ص

الحكايات التي لا تنتهي في سهرة منزلية

حميمية المنزل هي تلك العلاقة التي يرغب أن يُنشئها عرض "أمور لا ترى" مع المتلقي عند الدخول إلى المسرح. يدخل الجمهور والثنائي على المسرح، بحالة من الدردشة غير المسموعة، كنبة وكومبيوتر وسجادة مزركشة تصنع السينوغرافيا العامة لحكاية "سهرة"، يميّزها محاولة العرض أن يروي "أموراً لا ترى" الذي هو عنوان العرض.

يتضح في البروشور أن العرض عن الحركات والسمعيات في المنزل، عن الصوتيات والجسديات التي تبتكر في سهرة منزلية بين ثنائي، ممكن أن تعبر أغنية لربيع الخولي، عمرو دياب، مايكل جاكسون أو مادونا، وتصل إلى التجريدات الصوتية البحتة الناتجة عن التحضير لتغيير الموسيقى أو وضع أغنية ثانية، تمتد أيضاً إلى الصمت التام الممتد من المدينة إلى المنزل، وصولاً إلى وزنات آلة البزق التي يعزف عليها أحد الثنائي/ عبد.

لكننا أبداً لا نصل إلى قطع موسيقية كاملة، فالسمعيات هي الغاية التي يرغب العرض بالتقاطها وإيصالها إلى المتلقي.


الأصوات والحركات في سهرة ثنائية

على مستوى الحركة، لا يصل تصميم الأداء الكريوغرافي لستيفاني كيال إلى التصنيف الراقص، فالأداء الحركي مصمم ليتمكن من إيصال ما أوصلته السمعيات. كما سمعنا في التصميم الموسيقي شذرات صوتية سماعية fragments، فإن التصميم الكريوغرافي أيضاً سيقدم لنا تشكيلات من حركات راقصة لكنها لا تكتمل أبداً. فمثلاً، يقدم العرض مشهد تدريب أو تعليم الرقص، ذلك الذي يحدث دوماً في السهرات المنزلية، لكننا لا نشهد الرقص. وتالياً، في المشاهد التي تصبح فيها حركة المؤدية أكثر فردانية

عرض "أمور لا ترى" رحلة سمعية يعيشها المتلقي من البداية إلى النهاية، يراهن على متلقٍ منصت بامتياز، ذلك أن التناوبات بين الأصوات الحادة وبين الصمت التام على الخشبة جزء من العرض

نشهد جسداً يؤدي أجزاء حركات، وضعيات حركية، رقصة لا تكتمل أو فاقدة للإيقاع والاستمرارية. فالحركة ذاتها تؤدى بإيقاع يوحي بميكانيكيتها أو بتعثّرها، ومن هنا تأتي تعبيرية الأداء الحركي في العرض.

الهارموني بين الموسيقي والأدائي

يتميز العرض بالتواصل على مستوى التأليف بين الجانب الموسيقي-السمعي، والجانب الراقص-الأدائي. ويصل العرض إلى ابتكار لغة مع المتلقي مبنية على السماعي لا الموسيقي، والأدائي لا الراقص. في واحد من المشاهد، يحضر الموسيقي عبد ليعزف على البزق الكهربائي، نسمع أصوات الأزرار، أصوات التصويلات والدوزان في حالة دورانية دون أن تقدم المقطوعة.

إن مجموعة السمعيات التي تحضر لتقديم مقطوعة موسيقية على آلة كهربائية هي الأساس للمشهد، على المستوى الحركي تؤدي ستيفاني حركات المتلقي في سهرة، المستعد لسماع مقطوعة موسيقية، كيف يتهيأ بجسده للإنصات، الاسترخاء ثم التوتر لتأخّر الموسيقى، الانتفاض وتغيير الوضعية. يمتد المشهد لدقائق طويلة، يستعاد بطريقة تكرارية، التحضير للعزف وضعية التلقي وهكذا دواليك.

سمعيات التحضير للموسيقى، الأصوات ما قبل الموسيقى

كما يحضر لنا العازف المقطوعة ولا يؤديها، فالحركة الأدائية أيضاً تبين الجسد في وضعيات الاستعداد للرقص دون أن ينفّذه كاملاً، يتشتت عن الإيقاع أحياناً وتضيع منه الحيوية أحياناً أخرى، في مشاهد طويلة تفشل اليد في قيادة الجسد نحو حركة راقصة ما، أم تعجز الساق عن متابعة الحركة التي أداها الجسد فتعلق في الهواء.

البصريات الحركية التي يقدمها العرض، الجسد على الأرض الساقان في الهواء، أما الجذع مرتخي والأطراف مشدودة يذكر بلوحات ماكس أرنست وكذلك بالتفكيكية في الفن التشكيلي، وتعاملها في اللوحة مع الجسد على مجموعة من الأطراف المتواضعة في علاقات تشكيلية فوق بعضها البعض.

"ليس صحيحاً أننا نتقدم، لسنا نتقدم، ما نسميه الواقع هو جنون عودة الأشياء، لأن الأشياء تعود على ذاتها ونعود معها. نحن أراوح ذاتنا مثلما النهار شبح"

تحيل الموسيقى في العرض إلى اثنان من المدارس الموسيقية المعروفة والحاضرة في مؤلفات عبد قبيسي.

التيار الأول تيار الموسيقى الصلبة أو concret، التي بدأت مع ظهور معدات التسجيل، حيث أصبح صناعة الموسيقى ليس من الآلة فقط وإنما من تسجيلات أصوات الأشياء، هي التي ظهرت في أعمال المؤلفين الفرنسيين بيير شافر وبيير هنري، وخصوصاً العمل الموسيقي الذي يحمل عنوان "سمفونية لرجل وحيد، 1950" الذي افتتح الموسيقى القادمة من تسجيلات حية.

"موسيقى الأشياء" تيار نظّر له بيير شافر في كتابه "دراسة حول الأشياء الموسيقية، 1966". في "سمفونية لرجل وحيد" يصبح تجاور الأصوات المسجلة عشوائياً هو كامل العمل الموسيقي. كذلك يحضر تيار الموسيقى "المينمالية" أو "التقليلية" الذي ظهر في الستينيات، عبر أعمال ومؤلفات وتنظيرات ستيف رايخ الذي أسس لتيار من الأكثر تأثيراً في موسيقى القرن العشرين وحتى الوقت الراهن، وهي المبسّط بتيار الموسيقى التكرارية.

اللغة التواصلية بين العرض والتلقي

تصف الفنانة ساندي قسطون الحركة والموسيقى في العرض بالتجريدية: "والدقة هي قدرة العرض على أن يشكل رسالة للمتلقي من خلال التجريدية". العرض رحلة سمعية يعيشها المتلقي من البداية إلى النهاية، ويراهن العرض على متلقٍ منصت بامتياز، ذلك أن التناوبات بين الأصوات الحادة والمستمرة، وبين الصمت التام على الخشبة تتطلب تفاعلاً كاملاً من قبل المتلقي مع ما يرغب الصوت بإيصاله، والذي قد يكون مزعجاً، مفككاً، عبثياً، لكنه داخل المعنى.

الحركة أيضاً تتطلب من المتلقي دقة في قراءة جسد الأداء، أن يركز الجمهور لدقائق طويلة على مجرد يد تنقر بأصابعها على المسرح لأن المرسل كامن فيها.

الموسيقى المفككة، الرقص المفكك، اللغة المفككة

هناك جانب يتعلق بالعلاقة الإنسانية بين الثنائي، حين يركّز الأول يشرد الآخر، لحظات تأمل لكل منهما على انفراد، لحظات تبادل الأدوار في اختيار الأغاني، لحظات عزلة تليها لحظات تواصل مخادع أو غير دقيق.

هي تنويعات على العلاقة بين الأنا والآخر في سهرة ثنائية منزلية. لا يخلو السرد الدرامي من لحظات عزلة لأحدهما ولحظات انتظار من الشخص الآخر، تقطعات في التواصل تذكر بالسرد في مسرحية "العرس" لبرتولت بريخت، حيث الانتقال من الفردي إلى الجمعي يتم في ليلة سهرة واحدة.

يُحضر لنا العازف مقطوعة لا يؤديها في عرض "أمور لا ترى"، والحركة الأدائية أيضاً تبين الجسد في وضعيات الاستعداد للرقص دون أن ينفّذه كاملاً، في مشاهد طويلة تفشل اليد في قيادة الجسد نحو حركة راقصة ما، أم تعجز الساق عن متابعة الحركة التي أداها الجسد فتعلق في الهواء

كما الموسيقى في العرض مفككة إلى سمعيات، والرقص في العرض مفكك إلى وضعيات، فإن الشاعر جاك دراس في قصيدة عن الرقص، يحاول أن يفكك التعابير اللغوية للتعبير عن الرقص، فيكتب:

"يرقصون وركبهم مثنية/ يرقصون والصدر منحن قليلاً نحو الأمام/ يدورون ببطء حول أنفسهم وهم يرقصون/ يرقصون، يحتفظون بابتسامتهم/ يرقصون بسيقانهم، بأقدامهم. الجسد لا يرتعش/ يرقصون بحيث أن رقصتهم تدور حول نفسها/ يرقصون، يدورون، يستجرون حركة الدوران معهم/ يرقصون تقليد الرقصة التي يرقصونها/ يرقصون التقليد، يضاعفون يضاعفون مقياس رقصهم/ يرقصون يكررون أنهم يرقصون أنهم لا يقولون شيئاً آخر وهم يرقصون/ يرقصون، يدورون مثل كل ما يدور حولهم/ يرقصون دائرين حول أنفسهم بجنون، بتعقل، جنونهم هو الرقص".

سهرة الذاكرة وعودة الأشياء

يضمّ البيان التعريفي الخاص بالعرض حكاية تبيّن من أين استلهمت المصممة الكريوغرافية ستيفاني كيال حركتها الأدائية في العرض: "يزور شبح الرقص أطلال عائلة، آتياً إليهم من ماض كان الرقص فيه دليلاً على شعور أجسادهم بالأمان. أمور لا ترى عرض رقص عن البيت: عن حضورنا فيه وحضوره فينا. وعن غيابنا عنه وغيابه عنا.

هو قصة عائلة يعيش أفرادها عارضاً طبياً يسمى 'شبح الأطراف'، ووهماً بأن ما بُتر عنهم لم يزل جزءاً من أجسامهم". وبغض النظر كم استطاع العرض فعلاً أن يجسّد حكاية هذه العائلة، لمن مفردات الحكاية هي التي صنعت مفردات الأداء الحركي، الجسد المبتور، الأطراف، الأجزاء من الجسد، هي المصطلحات المفتاحية الحاضرة في تصميم الأداء الحركي في العرض.

كذلك البنية المينمالية التكرارية للعرض والمقولة التي يحملها تجاه العلاقة بين الأنا والآخر، من خلال حكاية مشهد سهرة هذا الثنائي تذكر بقصيدة جاك دراس:

"ليس صحيحاً أن نقول إننا نتقدم لسنا نتقدم/ ما نسميه الواقع هو جنون عودة الأشياء/ لأن الأشياء تعود على ذاتها نعود معها/ نحن أراوح ذاتنا مثلما النهار شبح/ نعرف أننا نرقص نتخفى بهيئة راقصين بطيئين/ نخفي عن أنفسنا بالبطء الواقع ورقصتنا/ هناك معنيان لحياتنا كما هناك شكلان للدوران في الرقص".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard