في "الشارع المستقيم" نتصفّح 2120 سنة من تاريخ دمشق

الخميس 23 يناير 202011:15 ص

يأتي هذا المقال ضمن الملفّ المُعدّ لشهر ديسمبر 2019, في قسم "رود تريب" بـرصيف22، والمعنوَن: "فلنتسكّع معاً في الشّوارع".


لا شكّ في أنه من أجمل الأشياء التي يمكننا فعلُها حين نكون في دمشق هو التَّجوُّل بذهنية "السائح/السائحة" فيها، ويزداد الأمر جمالاً في "الشارع المستقيم"، فهو شاهد حيّ على تواريخ وحقب يعود بعضها إلى عهد اليونان، لدرجة نشعر معها أننا لا نمشي عليه، بقدر ما نتصفح الزَّمَن بين جنباته.

وكُلَّما سِرنا في هذا الشارع بلهفة المُشتاق لمعرفته ستتكشَّف لنا حقائق جديدة، وسِيَرٌ شتّى لهؤلاء الذين مَرَّوا عليه سابقاً من قدِّيسين، وصَحابة، وأولياء، وعلماء، وستشمّون بين ثنايا حجارته السوداء صفحاتٍ مكتوبة بدماء من استشهد عليها، لدرجة نظنّ أنَّ أبا العلاء المعرّي كتب "خفِّف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد" خصيصاً لهذا الشارع،

في كلّ متر منه عبقُ قداسةٍ ما، وحكاية، وفي كلّ زاوية رواية، وفي كل دُكَّان أو خان أو زقاق ثمة سَردٌ مُختبئ، يحتاج إلى تحريك رماده لاكتشاف جمرة جديدة.

من أقدم أسواق العالم

نبدأ مشوارنا من باب الجابية، أحد الأبواب الرومانية غربي دمشق، أو للحقيقة من أطلاله، إذ لم يتبقّ منه سوى اسمه، لكننا نستذكر ما جاء في كتاب "نزهة الأنام في محاسن الشام" لأبي البقاء بن عبد الله البدري الذي يصوّر لنا كيف كان هذا الباب في سابق الزمن، فيقول بأنه "كان من حكماء اليونان من اتُّخِذَ على باب الجابية صورةَ إنسانٍ مُطْرق الرأس كالمتفكّر، ومن أعماله أنه إذا دخل أحد يريد بدمشق سوءاً أو بأهلها، فإن ذلك الإنسان يُصرّ لأنينه الباب، فيعلم به خَدَمة الباب وقوّامه".

ندخل دكاناً لبيع القطن والصّوف، يجلس صاحبها على كرسي صغير مُفكِّراً بصمت كأنه ذاك الحكيم، وعندما نسأله عن تاريخ هذا السوق والباب غير الموجود حالياً، يستغرب كيف اهتدينا إليه، لأنه القارئ المُلِم بتفاصيل الشارع المستقيم، فنخبره بأنها الصُّدفة والحدس معاً.

"دمشق أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، وهذا السوق هو الأقدم في العالم".

يقول العمّ إبراهيم علاوي لرصيف22: "دمشق أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، وأعتقد أن هذا السوق هو الأقدم في العالم، ويمتدّ من باب الجابية إلى باب شرقي، وكان اسمه بالرومانية (آبيا) أي الطريق المستقيم، وبعدها سُمِّي بسوق (جقمق) أيام المماليك نسبة إلى نائب الشام الأمير سيف الدين جقمق، وتحوّلت التسمية أيام الاحتلال العثماني إلى (سوق مدحت باشا) عندما قام الوالي مدحت باشا بتوسيعه سنة 1878 م، بعد أن أشعل الحرائق في الدّور السكنية التي كان السوق مكتظاً بها إثر معارضة سكانها للإخلاء، ثمّ قام الوالي حسين ناظم باشا بتغطيته بالتوتياء بعدما كان مسقوفاً بالخشب أيام المماليك، وفي عام 1925 احترق قسم منه بسبب القصف الفرنسي لمنطقة الحريقة فدمرت البيوت من خلف الدكاكين".

لا شكّ في أنه من أجمل الأشياء التي يمكننا فعلُها حين نكون في دمشق هو التَّجوُّل بذهنية السائح/السائحة فيها، ويزداد الأمر جمالاً في "الشارع المستقيم"، فهو شاهد حيّ على تواريخ وحقب قديمة، لدرجة تشعرون معها أنكم وأنتم تمشون، تتصفحون الزَّمَن

ويُشير العم ابراهيم إلى مدخل السوق، الذي يسميه مرتادونه أحياناً بـ"السوق الطويل"، ويقول: "هنا كان باب الجابية، وقد عُثر على قوام أعمدته أثناء ترميم جرى عام 2008، وإلى جانبه باب للخروج في سوق السكرية، وباب ثالث صغير مخصص للمشاة، وفوق الدكاكين بُنيت في السابق فنادق كثيرة تستقبل التجار والمسافرين".

ويتذكّر العم إبراهيم أيام شبابه في هذا السوق، قائلاً: "ما زلتُ أذكر أنه حوالي عام 1961، وفي كلّ صباح، كان هذا الطريق يمتلئ بالطنابر التي تنقل البضائع إلى محطة الحجاز، ومنها إلى الأردن والعراق والكويت والخليج والسعودية وتركيا؛ فهذا السوق استطاع أن يكون الأقوى على مستوى المنطقة، واشتهر بصناعات الأقمشة، وخاصة صناعة (العُكْلْ) و(الحَطَّاتْ)، والعباءات التي كانت الأكثر فرادةً على مستوى العالم".

وينظر إبراهيم حوله، بحزن صامت، ويكمل: "لكن صُنَّاعها هاجروا مع صَنْعَتِهم إلى حيث تدرّ عليهم أموالاً أكثر، ولم يبق هنا سوى صناعة النحاس وخاصةً مَصبَّات القهوة والمباخر. أعتقد أن كلّ دمار لحق بهذه البلد يعود إلى قوّة سوقها وأياديها العاملة، وللأسف كلّما أصابتها حربٌ فإنها تفقد جزءاً من قوتها".

شهداء ورواة قرآن

يشير العمّ إبراهيم إلى جامع السادات مقابل دكّانه تماماً، ويقول: "هنا في هذا الجامع بالتحديد دُفنت جثامين الشهداء الذين طالتهم يدُ الحرب عندما دخل خالد بن الوليد من باب شرقي بالسّيف، بينما أعطى أبو عبيدة الجراح السُّكان الأمان من باب الجابية، والاسم الحقيقي للجامع هو (جامع السادات الشهداء)، وفيه مقام الصحابي معاذ بن جبل».

على طول الطريق المستقيم يمكن أن نصادف عشرات المساجد الصغيرة، منها جامع السادات المنجدين، وجامع هشام (راوي القرآن الكريم عن قراءة ابن عامر الدمشقي)، وجامع عبد الله بن زكوان (راوي القرآن أيضاً عن ابن عامر)، وجامع الخريزاتية، ومئذنة الشحم. كما أننا سنصادف عند سيرنا الكثير من الخانات، منها جقمق، والزيت، والحماصنة، والدكة، والتتن، والصدراني، وسوق القطن وأسعد باشا، وأسواق منها سوق الدراع وسوق السكرية، وبعدها نصل إلى شارع الأمين، وقوس الآثار مقابل الكنيسة المريمية، ثم القشلة حيث كان يتجمع جنود الاحتلال الفرنسي، ثمّ باب شرقي.

نتابع مسيرنا باتجاه الشَّرق لنصل بعد أمتار قليلة إلى بداية السوق المسقوف، حيث يُمنع دخول السيارات، وهناك ستلفتنا الكثير من التفاصيل، سواءً منها المُتعلِّق بألوان بضائع المحال على طرفي الطريق من ملبوسات وبياضات وعباءات وبسط وملايات، بجوار الملابس الداخلية الهفهافة على جانبي المساجد، وكأن أمور الدين والدنيا اجتمعت في هذا السوق واتفقت على الصُّلح، أو كما يقول أهل الشام "كل شي لحاله".

" نرى الملابس الداخلية الهفهافة على جانبي المساجد، وكأن أمور الدين والدنيا اجتمعت معاً"

وبرفقة الألوان ستصحبنا الروائح المنبعثة من مطاحن القهوة، ومحلات البزورية (المكسّرات)، والمحامص، ودكاكين العطارة، قديمها وحديثها، إلى مناخات مختلفة لن توقظنا منها سوى أشعة الشمس الكانونية، واختلاف الإضاءة بعد انتهاء السَّقف، وما هي إلا أمتار قليلة حتى تظهر محلات بيع الأواني النحاسية والشرقيات، وبعض ورشات الصناعات اليدوية.

بعد كلّ هذه المحلات تأتي المدرسة المحسنية التي أنشأها محسن الأمين العاملي صاحب كتاب "أعيان الشيعة" وكان من علمائها ومرجعاً بارزاً فيها، حتى أن حيّ "الأمين" القريب سُمِّي باسمه. ثمّ تصدف بناءً فخماً بلافتة كبيرة كُتب عليها "مجمع السيدة فاطمة الزهراء/ تمت توسعته وتجديده عام 2015"، بينما تبرز في عمق المشهد مئذنة جامع فاطمة.

بعد ذلك بأمتار نصل إلى الكنيسة المريمية وبجوارها محال تُزيّن الأيقونات واجهاتها، مروراً بمطرانية الروم الأرثوذكس، ومطرانية السريان الكاثوليك، ومطرانية الأرمن الأرثوذكس، والنَّصب في وسط "حديقة القشلة" الذي يذكر بشهداء مذبحة الأرمن 1915، وليس انتهاءً بدخلة كنيسة حنانيا التي خرج منها بولس الرسول مارّاً بباب شرقي إلى كنيسة باب كيسان، وبعدها إلى كلّ العالم مُبشِّراً بالمسيحية.

شارع مذكور في الإنجيل

ولمزيد من التوثيق والمعلومات لجأنا إلى مكتبة المتحف الوطني بدمشق، وهناك التقينا أمينة المكتبة، موريس خوري، التي أتاحت لنا عشرات المراجع التي تتحدث عن "الشارع المستقيم"، ومنها "موسوعة دمشق" لمجموعة من الكتاب، و"موسوعة بطريركية أنطاكيا... سوريا الجنوبية" للأب هاجي أثناسيو، و"أسواق دمشق القديمة ومشيّداتها التاريخية"، و"دمشق تاريخ وصور"، و"أبواب دمشق وأحداثها التاريخية"، وثلاثتها للدكتور قتيبة الشهابي، و"دمشق مصايفها ومتنزهاتها" للدكتور علي حسن موسى، و"سوريا نبع الحضارات... تاريخ وجغرافية أهم الآثار في سورية" لفاطمة جودالله.

بعد أن تقطع هذا الشارع الممتد بنحو 1566 متراً، وكأنك مررت على 2120 سنة من الحكايات، والأهم أنك لن تشعر بطول هذه المسافة لو استعنت على نهايتها بكأس عرق من خمارة أبو جورج العريقة

جميع هذه المراجع ذكرت أن "الشارع المستقيم" أو "الزُّقاق القويم" بتسمية أخرى هو الشارع الوحيد الذي ذُكِر بالاسم في الإنجيل بعهده الجديد، وذلك في سِفر أعمال الرسل (الإصحاح 9الآيتان 10 و11): "وكان في دمشق تلميذ اسمه حنانيا فقال له الرب في رؤيا: يا حنانيا، فقال: ها أنذا يا ربّ، فقال له الربُّ: قُم واذهب إلى الزقاق الذي يقال له "المستقيم"، واطلب في بيت يهوذا رجلاً طرسوسياً اسمه "شاول" لأنه هو ذا يصلي"، ثمّ ساعده على الهرب من الرومان الذين حاولوا قتله، ماراً بجزء من الشارع المستقيم باتجاه كنيسة باب كيسان التي سميت بكنيسة بولس الرسول، وباتت محجاً للمسيحيين وزارها البابا يوحنا بولس الثاني أثناء جولته في دمشق عام 2001.

باب شرقي يمثِّل إله الشمس

وتُشير المراجع إلى أن تاريخ بناء الشارع المستقيم يعود إلى القرن الأول قبل الميلاد، بعد دخول الرومان إلى دمشق بقيادة بومبسوس عام 64 ق.م، بينما تنسب بعض الدراسات بناء هذا الشارع إلى اليونانيين القدماء "الهيلينيين" الذين بنوه من غرب المدينة إلى شرقها، ليكون صلة للارتباط بين باب شرقي الذي يمثِّل إلههم "الشمس"، وباب الجابية الذي يمثِّل ابنه "زيوس" من أجل أن يحفظا هذه المدينة.

وفي جميع الأحوال، ورغم كوارث الطبيعة والبشر، ما زال هذا الشارع يعتبر من روائع فن العمارة البيزنطية، إذ بني وفق أسلوب البناء الشطرنجي الهلنستي، والمقسّم بالشوارع الفرعية إلى أحياء صغيرة، كما كان يقوم على جانبيه صفان من الأعمدة الكورنثية الضخمة، لم يتبق منها سوى "قوس الآثار" المقابل للكنيسة المريمية، بينما شهد ترميم الجزء الغربي منه  عام 2008، وعُثر  على العديد من المعالم الأثرية التي دُفِنت تحت سوق مدحت باشا بأعماق متفاوتة يصل بعضها إلى العشرة أمتار.

هو إحساس غريب، بعد أن نقطع هذا الشارع الممتد بنحو 1566 متراً، وكأننا مررنا على 2120 سنة من الحكايات والسِّيَر والآثار والتاريخ المديد، والأهمّ أننا لن نشعر بطول هذه المسافة لو استعنّا في نهايتها بكأسِ عرق من خمارة "أبو جورج" العريقة، لدرجة أننا قد نستأنف مشوارنا في زقاق حنانيا، ومنه إلى باب توما، فالقشلة، ومنها إلى الجامع الأموي وسوق الحميدية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard