اكتئاب وانتصار ومشاعر أخرى… بماذا يشعر فلسطينيو غزة بعد كل عدوان؟

الخميس 3 يونيو 202111:57 ص

حروب أربع في خمسة عشر عاماً جعلت من قطاع غزة المكان الأكثر اشتعالاً، ومن السكان أناساً دائمي الترقب والخوف، وحياتهم على المحك، خصوصاً بعد الحرب الأخيرة التي، حسب وصف الجميع، كانت "الأكثر قسوة".

الإصرار

في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة، يقف رامز المصري (39 عاماً)، وهو عاطل عن العمل، على ركام منزله المدمر، رافعاً شارة النصر. يقول: "الحرب ما انتهت، الحرب بدت اليوم، حرب نومنا في الشارع، حرب نفسيتنا المدمرة، حرب نستنى يعيدوا بناء بيتنا، ومع هيك احنا صابرين وصامدين بإذن الله".

وكان رامز يعيش مع عائلته في منزل من ثلاثة طوابق، أمره ضابط اسرائيلي عبر الهاتف بإخلائه ليتم تدميره. يقول لرصيف22: "هاي مش المرة الأولى اللي يتدمر فيها بيتي، فخلال حرب 2014، تم قصفه بالكامل وضليت 3 سنوات ابني فيه من جديد، ولسة ما فرحت عليه وتم تدميره كمان مرة".

وكانت إسرائيل قد شنت، في السابع من تموز/ يوليو 2014، حربها الثالثة على قطاع غزة، تحت اسم "الجرف الصامد"، فيما أطلقت عليها حركة حماس اسم "العصف المأكول"، واستمرت 51 يوماً، انتهت في 26 آب/ أغسطس 2014، وأدت إلى مقتل 2322 فلسطينياً، بينهم 578 طفلاً (أعمارهم من شهر إلى 16 عاماً) ، و489 امرأة، و102 مسناً (50-80 عاماً)، وجُرح نحو 11 ألفاً آخرون، وفقاً لإحصائيات صادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية.

ويؤكد رامز أن عائلته تصر على البقاء في نفس المنزل، وأنها غير نادمة على بنائه، وستعمره من جديد، حتى لو دمروه مئة مرة، فكل ذلك حسب وصفه "فدا فلسطين".


الضياع

في شارع الوحدة بحي الرمال، الأكثر تضرراً خلال الحرب، تضع شهد العسلي (24 عاماً) كرسياً أمام منزل خالتها، وتراقب العمارات المدمرة، وتقول: "هربنا أول أيام الحرب من الشجاعية، واجينا عند خالتي، لكن للأسف شفنا الموت بعنينا في ليلة تدمير شارع الوحدة، ولما صحينا الصبح، ونزلنا الشارع، ما قدرنا نحكي، ضلينا نعيط لأيام واحنا نتذكر، كيف الله نجانا من الموت".

العدوان الإسرائيلي على غزة 2012

شهد التي تخرجت من كلية التجارة كانت تنوي الالتحاق ببرنامج الماجستير، ولكنها اليوم تفكر باتجاه آخر، تقول لرصيف22: "ماجستير شو وأنا ما بشعر بالأمان، وفي أي لحظة ممكن البيت يقع عليّ وعلى شهاداتي، أنا اليوم صرت أفكر كيف ممكن أحصل على منحة للدراسة خارج غزة، وما بدي أرجع".

تتوقف لحظات ثم تستدرك: "لا مش ما بدي أرجع أنا مش فاهمة اشي، بحب بلدي والحمد لله الحرب وقفت، لكن احنا في حرب بقلوبنا، وفي صراع بين حبنا لغزة وبين إنه بدنا مستقبل ما يكون فيه موت".

"الحمد لله الحرب وقفت، لكن احنا في حرب بقلوبنا، وفي صراع بين حبنا لغزة وبين إنه بدنا مستقبل ما يكون فيه موت"

وتلفت شهد إلى أن شارع عمر المختار بنفس الحي لم يعد له ملامح، وقد كان أكثر المناطق جمالاً، وكل من يرغب بالتنزه يذهب اليه، إذ كان يحوي أرقى المحال التجارية، وأفخم المطاعم، أما اليوم فقد تحول إلى ركام، وهذا بحد ذاته، حسب وصفها، يشعرها بأنها "تائهة وضائعة"، ولا تعرف الى أين ستذهب الأمور، أو ماذا ستفعل هي بحياتها الخاصة، فعقلها توقف عن التفكير.


العدوان الإسرائيلي على غزة 2021

تحطيم نفسي

يؤكد الدكتور فضل أبو هين، أستاذ علم النفس، لرصيف22 أن مشاهد الدمار، والقصف، ولحظات الخوف، لا تفرق بين كبير وصغير، وستترك أثراً بعيد الأمد على نفوس الجميع، خصوصاً كبار السن والأطفال، الذين سيظلون حبيسي الصدمة، التي يشعرون بها الآن، وستظل داخل عقولهم لسنوات قادمة. يقول: "في هذه الحرب شاهدنا كل أنواع الأسلحة، وكل أنواع الطائرات والصواريخ، استخدمت ودكت مئات الأهداف ليل نهار بهدف زرع الخوف، وتحطيم نفوس الفلسطينيين، وتدميرهم معنوياً ومادياً من أجل قلعهم من أرضهم".

العدوان الإسرائيلي على غزة 2021

ويضيف: "حجم الدمار لم تشهده غزة قبل ذلك، وكما يقول المثل: "بعد السكرة بتيجي الفكرة"، لذلك الناس في مرحلة السكرة لأن أهوال الحرب لا تنتهي مباشرة".

ويكمل: "هنالك طريقتان لردات الفعل، الأولى تظهر سريعة متمثلة بالخوف والتوتر، والأخرى بعيدة الأمد، وهي الأخطر لأنها تساهم لاحقاً في تشكيل شخصية الإنسان وقيمه وسلوكياته".

القلق والتوتر والهروب

ويؤكد الخبير النفسي أن "الاستهداف الذي طال بيوت المدنيين جعلهم في قلب المعركة، ومشاهد الدمار التي استيقظوا عليها بعد الحرب هي جزء من الدمار الأكبر، الذي شلّ نفسيتهم، فالدمار مادي للحجر، ومعنوي لروح الانسان، وهو النوع الأخطر، لأن إعادة الترميم عملية تستغرق سنوات طويلة".

وعن أعراض الصدمة، يشير الى أن كل الناس تقريباً تعاني نفس الأعراض، كالقلق والتوتر وقلة النوم والتشتت والفزع من الأصوات المرتفعة المفاجئة، وحالات من التبول اللاإرادي خصوصاً عند الأطفال، وبعض الأشخاص تتطور الحالة لديهم لتصبح مرضية، وهؤلاء بحاجة لتدخل كيميائي باستخدام العلاج والأدوية.

ويقول: "العلاج النفسي السريع هو التفريغ النفسي بوسائل وطرق مختلفة، والحديث وعدم كتمان المشاعر، ولكن هنالك أشخاص ردات فعلهم النفسية تتمثل في الهروب الجسدي، ومغادرة المكان، فيفكرون مباشرة بالسفر والهجرة".

ويضيف: "هذه الظاهرة موجودة قبل الحرب نتيجة للحروب السابقة، وازدادت بعد هذه الحرب، فبمجرد الشعور باقتراب الحرب أو جولة تصعيد أخرى، يزداد التفكير في النجاة بالنفس والأبناء عبر السفر والهجرة، وترك البلد، وهذه ردة فعل طبيعية".

"عايزة أرجع بلدي"

تقول سامية حسين (61 عاماً) وهي مصرية الأصل، متزوجة ومقيمة في غزة: "عشت في رعب ما بينوصف، والخوف اللي تعرضتله أول ما قصفو البرج اللي انا ساكنة فيه لا يمكن وصفه، أنا صرخت وعلى طول جرينا وبنعيط، نزلت على طول في لبس الصلاة، ما أخذت ولا اشي من البيت، وجرينا في الشارع أنا وولادي".


العدوان الإسرائيلي على غزة 2021

وتضيف، وهي تبكي: "أنا كنت في عز الحرب أتمنى لو حد ينجدني، ويشيلني يطلعني برة غزة، لأني كنت بشوف الموت كل لحظة، وأهلي واخواتي في مصر كانوا معاياة على التليفون لحظة بلحظة بيعطيوا علينا".

تعيش سامية، وهي موظفة حكومية متقاعدة مع زوجها وأبنائها في غزة منذ عام 1995، وحسب رأيها هذه البلد في حرب متواصلة، وتقول: "كل كم سنة في حرب، وكل مرة نقول الحمد لله نفدنا منها، وأفضل قاعدة علشان عيالي، لكن المرة دي كانت أبشع وأقسى حرب تمر علينا، ده احنا كنا بنتشاهد في كل دقيقة على شان كده خلاص أنا عايزة أسافر وارجع بلدي، وأعيش بقية عمري في هدوء".

"لمين نترك بلدنا؟"

رحمة رامز (54 عاماً)، ربة منزل، وكانت معلمة في مدارس الأونروا لمدة 30 سنة، وعاشت حسب وصفها ثلاث انتفاضات، وثلاث حروب، ولكنها تأثرت بالأخيرة أكثر، ترى أن الاختلاف الكبير كان واضحاً، "فالصواريخ كانت تسقط على رؤوسنا، وكل شيء كان مستهدفاً"، وتقول: "أيام الانتفاضة كان الاحتلال يستخدم الرصاص وقنابل الغاز، واحنا كنا نحارب بالحجر، وكان عدد الشهداء قليل، لكن في الحروب الأخيرة خصوصاً آخر حرب، إسرائيل استخدمت صواريخ خيالية، وكانت تضرب كل مكان، وفي أي لحظة كنا بننتظر الموت".

"كل الناس تقريباً تعاني نفس الأعراض، كالقلق والتوتر وقلة النوم والتشتت والفزع من الأصوات المرتفعة المفاجئة، وحالات من التبول اللاإرادي خصوصاً عند الأطفال"

وعن مشاهد بعد الحرب، تؤكد رحمة أنها لا تزال تعيش كابوساً مما رأته من مشاهد الدمار والركام والبيوت الآيلة للسقوط، ومن أبراج تم إخلاؤها قبل أيام لأنها لم تعد صالحة للسكن، ويجب إزالتها.

وتتابع: "كل شيء بالبلد مدمر، لا في كهربا ولا مي، للأسف هاي الحرب دمرت، يتمت، رملت بشكل كبير، وخايفة إنها تتكرر، ولكن للأسف ما في مكان نلجأ إله، وين بدنا نروح، ولمين نترك بلدنا".

 وقد شنت إسرائيل أول حروبها على قطاع غزة في 27 كانون الأول/ ديسمبر لعام 2008، تحت اسم "الرصاص المصبوب"، فيما أطلقت عليها حركة حماس اسم "حرب الفرقان"، واستمرت لـ21 يوماً، انتهت في 18 كانون الثاني/ يناير من العام ذاته، أدت الى مقتل أكثر من 1436 فلسطينياً، بينهم نحو 410 طفلاً، و104 امرأة، ونحو 100 من المسنين/ات، وإصابة أكثر من 5400 آخرين نصفهم من الأطفال.

صدمة ما بعد الحرب

الطبيب النفسي فضل عاشور، الذي يفتح في كل حرب عيادته لاستقبال من يعيشون صدمة الحرب، يؤكد لرصيف22 أن الوضع هذه المرة مختلف تماماً، ويقول: "الناس ما زالت حتى اللحظة تقول لبعضها حمد لله على السلامة، الناس تحمد الله أنها لم تمت في الحرب، وهذا شكل من أشكال الصدمة النفسية".

ويضيف: "طبعاً من مر بتجربة قصف منزله أو منزل قريب منه، أعراض الصدمة تكون عنده أكبر، وهذا نلحظه خصوصاً فيمن تم انتشالهم من تحت أنقاض المنازل، التي تعرضت للقصف، فأغلبهم حتى اللحظة لا يشعرون بهول ما حدث، ولا يشعرون بفقدان عائلاتهم لأنهم تحت صدمة بعدما نجوا من الموت".

ويرى عاشور أن الحرب لم تكن حرباً ضد المقاومة بقدر ما كانت حرباً ضد الإنسان لتحقيق أكبر قدر من الرعب، وقتل الروح المعنوية، وزرع حالة من عدم الأمان، إذ يشعر الجميع كأنهم مستهدفون في ظل زيادة الاضطرابات والقلق النفسي وعدم القدرة على التحكم بالانفعالات النفسية والسلوكية، وكل هذه الآثار لا تزول بانتهاء الحرب بل على العكس، تزيد وترتفع وتيرتها، وتظهر بعد الحرب بشكل أكبر، وتنعكس على سلوك الفرد وتعامله مع المحيطين به.

وقد شنت إسرائيل في 14 من تشرين الثاني/ نوفمر 2012 حربها الثانية على قطاع غزة، تحت اسم “عامود السحاب”، وأطلقت عليها حماس اسم “حجارة السجيل"، واستمرت لمدة 8 أيام، أسفرت عن مقتل 162 فلسطينياً، بينهم 42 طفلاً، و11 سيدة، وإصابة نحو 1300 آخرين، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.

أما العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، فقد بدأ في 11 آيار/ مايو 2021، واستمر 11 يوماً، وأدى إلى مقتل 254 فلسطينياً،  بينهم 66 طفلاً، و39 امرأة، و 17 مسناً، إضافة إلى 1948 إصابة بجروح مختلفة.

ويشير عاشور الى أن مشاهد الدمار بعد الحرب، ورؤية بيوت عزاء الشهداء تؤدي إلى نوعين من ردات الفعل، أحدها يتمثل في التمسك بالوطن، والآخر محاولة الهروب من أي حرب قادمة عبر التفكير بالسفر والهجرة، وهذا النوع أيضاً يعيش حالة من الصراع النفسي بين حب الوطن والرغبة في الأمن والاستقرار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard