إعادة إعمار غزة... هل سيستفيد الاقتصاد المصري؟

الأحد 23 مايو 202103:20 م

بمجرد أن أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تقديم مبلغ 500 مليون دولار كمبادرة مصرية لإعادة إعمار قطاع غزة الذي تعرض جانب كبير من بنيته الأساسية للتدمير نتيجة العدوان الإسرائيلي الأخير، سارعت اتحادات وغرف تجارية مصرية إلى الترحيب بالمبادرة وإعلان المشاركة فيها، إذ ستعتمد عملية تنفيذ إعادة الإعمار على شركات مصرية متخصصة، حسبما أعلن المتحدث باسم رئاسة الجمهورية المصرية.

إعمار قطاع غزة خطوة مصرية تضاف إلى خطوات أخرى تهدف لاقتناص كعكعة إعمار دول في المنطقة مزقتها الحروب، كجنوب السودان والعراق وليبيا، حيث اتفقت مصر على إعادة إعمار هذه الدول في مجالات البنية التحتية والصحة والكهرباء ودعمها بالعمالة المصرية الماهرة والنقل والمواصلات والتعليم

الشركات أو الغرف المصرية التي أعلنت مشاركتها في إعادة إعمار غزة، حتى الآن هي شركات متخصصة في صناعات مواد البناء، أبرزها اتحاد غرف صناعات مواد البناء، وستقدم مساهماتها إلى القطاع "بأقل التكاليف وبأسعار التكلفة لأننا أمام مهمة وطنية من طراز فريد"، كما قال إسماعيل لقمة رئيس شعبة المواسير بغرفة صناعات مواد البناء باتحاد الصناعات المصرية لبوابة الأهرام الحكومية.

في الغالب، ُتقدم مبالغ إعادة الإعمار على شكل حزم استثمارية تقوم بها الشركات المتخصصة لإصلاح ما جرى تدميره نتيجة الحروب. وفي حالة قطاع غزة فإن آليات إعادة الإعمار المفروضة بحسب الاتفاقية للموقعة مع دولة الاحتلال تتكون من 4 اتجاهات هي عادة الأكثر تضرراً وهم: " إصلاح المساكن، بناء المنازل، التطشيب، المشاريع وتشمل أعمال البناء الضخمة أو مشاريع البنى التحتية الممولة من قبل ممولين محليين أو دوليين".

وقال محللون تحدثوا إلى رصيف 22 إن خطوة مصر بإعادة إعمار غزة، هي خطوة سياسية أكثر منها اقتصادية، وليس هناك فائدة مباشرة يمكن أن يجنيها الاقتصاد المصري من خلال هذه العملية.

إعمار قطاع غزة خطوة مصرية تضاف إلى خطوات أخرى تهدف لاقتناص كعكعة إعمار دول في المنطقة مزقتها الحروب، كجنوب السودان والعراق وليبيا، حيث اتفقت مصر على إعادة إعمار هذه الدول في مجالات البنية التحتية والصحة والكهرباء ودعمها بالعمالة المصرية الماهرة والنقل والمواصلات والتعليم، وقد بدأت بالفعل شركات مصرية لاغتنام فرص استثمارية في هذه الدول، وتجلت أولى هذه الخطوات في إنشاء اتحاد الغرف التجارية وحدة خاصة لحصر مشاريع إعادة الإعمار التي سيتم طرحها وآلية التمويل المناسبة لها.

وينظر - عادة -  إلى عملية إعادة الإعمار إلى أنها فصل جديد من فصول التنافس بين الدول في إقليم أو بلد ما، وطريقة لتعزيز نفوذ الدول في المنطقة التي بها الصراع، أو أداة من الأدوات لإقناع الأطراف المتنازعة بالجلوس على طاولة المفاوضات لعقد اتفاق سلام أو الوصول إلى تسوية سياسية، وذلك عن طريق تشغيل الشركات التابعة للحكومات في الدول المعنية بإعادة الإعمار، بهدف تحقيق أرباح ومكاسب اقتصادية وبالطبع أهداف سياسية.

وقال محللون تحدثوا إلى رصيف 22 إن خطوة مصر بإعادة إعمار غزة، هي خطوة سياسية أكثر منها اقتصادية، وليس هناك فائدة مباشرة يمكن أن يجنيها الاقتصاد المصري من خلال هذه العملية.

إعادة تأسيس للنفوذ المصري

في عام 2006 توترت العلاقات المصرية مع حركة حماس بعد فوزها في الانتخابات التشريعية بقطاع غزة، فقامت مصر بسحب وفدها الأمني الدائم في القطاع، وهو ما ترك فراغاً لأي دور مصري محتمل، في مقابل ذلك تزايد النفوذ القطري والتركي  في غزة على حساب النفوذ المصري، إلى أن جاء عام 2017 ليؤسس لمنعطف هام في العلاقات بين مصر وحماس، عندما أسقطت محكمة مصرية اعتبار حماس جمعة إرهابية وأعلنت مصر استضافة رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية تمهيداً لإنجاز ملف المصالحة الوطنية الفلسطينية. وفي أكتوبر من نفس العام حدث تطوراً جديداً في العلاقات، بعدما زار وفد أمني مصري القطاع للبدء الفعلي في تنفيذ بنود المصالحة.

يقول الباحث البارز في الشؤون الدولية والأمنية محمد العربي لرصيف22، إن عملية إعادة الإعمار هي عملية سياسية في المقام الأول، تستفيد منها الدولة المانحة في القدرة على التأثير في الوضع السياسي لمرحلة ما بعد الصراع، سواء في غزة أو في أي مكان آخر. لكن في حالة غزة – حسب ما يشير الباحث – فإن هناك شبه تأسيس للنفوذ المصري الذي تراجع خلال السنوات الماضية.

"بيزنس" إعادة الإعمار ارتبط منذ حرب العراق بوقائع فساد كبيرة للدول والشركات المشاركة... هل تقدر مصر على تجاوزها ولا تتورط فيها؟

ويضيف أن دوافع مصر من تصدر عملية إعادة إعمار غزة، يدخل ضمن سياسيات مصر في إعادة هيكلة سياستها في الوطن العربي وفي دعم قضية فلسطين خلال الفترة الأخيرة، وبالتالي هذا أمر طبيعي، لأنه من غير الطبيعي أن تكون مصر مستثناة من عملية إعادة الإعمار وتركها في يد قوى أخرى مثل الإمارات وقطر للاستئثار بهذا الملف.

تتفق معه شيرين الشواربي أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة، وتقول في تصريح مقتضب لـ رصيف 22 إن القرار سياسي، والاستفادة منه ستتوقف على من سيتحمل فاتورة الإعمار.

إعمار غزة.. سيناريو متكرر

ليست المرة الأولى التي تُطرح فيها مبادرات لإعمار قطاع غزة، فبحسب دراسة صادرة عن مجلة "سياسات عربية" في يوليو / تموز 2020، تلقت فلسطين أكثر من 30 مليار دولار أمريكي في الفترة ما بين توقيع اتفاقيات أوسلو في 1993 و2019 توجه جانب منها إلى القطاع المزدحم بمخيمات النازحين الفلسطينيين الذين أجبرتهم دولة الاحتلال على ترك منازلهم وأراضيهم.


واحدة من تلك المساعدات ما أعلن عنه تحت اسم "مؤتمر القاهرة" لإعادة إعمار غزة برعاية مصرية نرويجية في 12 تشرين أول / أكتوبر 2014، في أعقاب الحرب على غزة في يوليو/ تموز وأغسطس/ آب من نفس العام، وتعهدت الدول المانحة (قطر والسعودية والكويت والإمارات والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي) بتقديم مساعدات بلغت مجموعها أكثر من 2 مليار دولار، لكن ما تم صرفه من مساعدات بلغت نحو 54% من إجمالي الدعم الذي جرى الإعلان عنه في مؤتمر القاهرة، إذ أوفت 32 جهة مانحة فقط من أصل 53 جهة بتعهداتها.

وتفسر الدراسة سبب تباطؤ عمليات إعادة الإعمار في غزة بتلكؤ المانحين وقلة حماسهم للمشاركة، وذلك بأسباب متعلقة بخشية المانحين من الغضب الإسرائيلي وتقديم أمن إسرائيل على اعتبارات أخرى، وعدم رغبة المانحين في التعامل المباشر مع الموظفين المدنيين من حركة حماس، وخوفهم من تجدد الحرب.

باب خلفي للفساد.. ولكن

تعد عملية إعادة إعمار العراق بعد الاحتلال الأمريكي للبلاد، إحدى الصور الواضحة لفشل إعادة الإعمار، فبحسب تقرير صادر عن البوابة الدولية لمكافحة الفساد، اتٌهم متعاقدون غير عراقيين بإنفاق ما يقرب من 25 مليون دولار من أموال إعادة الإعمار، خصصت لتجديد 20 مركز شرطة في البصرة، أنفقت الدولارات الهائلة على توفير أبواب ونوافذ جديدة، وطلاء الجدران والأثاث، لكن محافظ البصرة والقاضي السابق وائل عبد اللطيف قال إنه كان بإمكان شركة عراقية مؤهلة أن تقوم بهذه الأعمال مقابل 5 ملايين دولار أمريكي فقط، وباقي المبلغ سيكون كافياً لإنشاء مبنى حكومي في البصرة.

بسبب ذلك، ووقائع عدة أخرى، صار الحديث عن إعادة الإعمار مرتبطاً بقضايا فساد كبيرة.

وتعليقاً على ذلك، قال المحلل الاقتصادي المقيم في لندن، أحمد ياسين لـرصيف 22 إن برامج إعادة الإعمار، عادة ما ينظر إليها على أنها باب خلفي للفساد، لاسيما في حال كانت الجهات الممولة هي أطراف دولية مثل الاتحاد الاوروبي، و لكن بالنسبة لخطوة الحكومة المصرية في إعادة إعمار قطاع غزة، فإن مجال الفساد سيكون محدوداً، وذلك بسبب أن تغطية تكلفة إعادة الاعمار ستتم من خلال الحكومة المصرية، أمر آخر يعتبره ياسين مساعداً في تحجيم دور الفساد، وهو أن المبلغ المعلن عنه لن يتم دفعه بشكل نقدي مباشر، وإنما على شكل حزم استثمارية، وبناء عليه فالتكلفة الواقعية ستكون أقل بكثير من المبلغ المعلن عنه.

ويوافقه الرأي محمد العربي الذي ذهب إلى أن " العملية الاستثمارية طالما كانت بين أطراف من الدولة والقطاع الخاص، فليس هناك مخاطرة بأن يتم هدر الأموال، أو أن أشخاص أخرى يمكن أن تستفيد"، لكنه أشار إلى ثمة استفادة أخرى يمكن أن تجنيها بعض شركات القطاع الخاص " طبيعي جداً أن يكون هناك تفضيلات من قبل الدولة لبعض الشركات من دون غيرها"، على حد قوله.

هذه التفضيلات يتوقع ياسين أنها الشركات المرتبطة بالجيش والتي تنشط في سيناء ومشروعات الدولة القومية، ومن المتوقع أن تحصل على نصيب الأسد في عملية إعادة إعمار غزة، وفق قوله.

وهو نفس ما أشار إليه رئيس اتحاد المقاولين محمد سامي في حديثه لموقع مصراوي المحلي، بأن الشركات العاملة في سيناء هي الأكثر مواءمة للعمل في إعادة إعمار غزة، لأنها أكثر دراية بطبيعة هذه المناطق وكيفية توريد الخامات.

وهناك أكثر من شركة تتبع جهاز الخدمة الوطنية التابع للجيش المصري وتنشط في سيناء، كما هو موضح على موقع الجهاز، ومن هذه الشركات الشركة الوطنية للصناعات الغذائية، شركة العريش للأسمنت، الشركة الوطنية لاستصلاح وزراعة الأراضي بشرق العوينات.



صفقة ذات أبعاد رمزية

بحسب ياسين، فإن الخطوة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة هي سياسية اكثر ما هي اقتصادية، و لا يرى ياسين أي "فائدة مباشرة يمكن أن يجنيها الاقتصاد المصري، فهي صفقة ذات أبعاد رمزية".

ويقول إن الهدف من المبادرة المصرية " تقوية دور مصر الإقليمي في وجه دول منافسة تحاول أخذ أدوار، مثل تركيا".

وينتقل ياسين إلى الناحية الاقتصادية لإعادة الإعمار، فيقول إن الشركات المشاركة في  العملية هي المستفيد الوحيد، كما أنها ليس الاستفادة المتوقعة طالما أن الحكومة المصرية هي من تقوم بتغطية التكلفة، إذ أن الحكومة ستغطي قيمة الصفقة (نصف مليار دولار) من خلال احتساب نفقات الشركات المصرية التي ستقوم بإنجاز المشاريع ضمن قيمة الإعمار، واحتساب تكلفة توريد مواد أولية مصرية المصدر ضمن الصفقة أيضاً "لذلك يمكن القول واقعياً إن قيمة الصفقة ستكون أقل بكثير مما تم الإعلان عنه"، بحسب ياسين.

نفس الشيء يقوله رئيس اتحاد المقاولين بأن تحمل مصر تكلفة إعادة الإعمار، لا يعني أن مصر ستدفع أموالاً لكن قد يأتي من خلال تحمل الشركات المصرية تكلفة الأعمال، أو "المساهمة بتوريد جزء من إنتاجها للاستخدام في إعادة الإعمار من دون مقابل أو بمقابل رمزي، تدفعه لها مصر. العملية كلها ستدار في مصر من خلال التعاون بين الشركات المصرية والحكومة المصرية"

وتضيف شيرين الشواربي أنه لو تكفلت الحكومة المصرية بإعادة الإعمار، فإن ذلك سيشكل عبئاً كبيراً على الموازنة، لكن في حال تحمل الشركات المصرية أو المجتمع الدولي قيمة الإعمار، فإن مصر يمكن أن تستفيد من خلال فتح أسواق جديدة لشركاتها.

في كل الأحوال، فإن ما يهدد عملية الإعمار في غزة هو عدم الوصول إلى تسوية، لذا فإن إعادة الإعمار تعد مسألة غير مجدية، حسب وصف مجلة "دراسات سياسية" وذلك بسبب تكرار العمليات العسكرية التي تلغي تلقائياً استدامة مشاريع الإعمار وبرامجه، وهذا ما أشار إليه جون كيري وزير الخارجية الأمريكي الأسبق في مؤتمر القاهرة 2014، حيث وجه نداء للفلسطينيين والإسرائيليين لاستئناف مفاوضات السلام، لطمأنة الدول المانحة بأن المشاريع الممولة لن يتم تدميرها في حرب أخرى. لكن مع حضور الدور المصري بقوة في الحرب الأخيرة على غزة بعد الموافقة على وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل برعاية مصرية، يطمح مراقبون أن يساهم النفوذ المصري في حماية مشاريع إعادة الإعمار.                                                                                        

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard