"كانت الفساتين الملونة في الانتفاضة الأولى"... لباس الصلاة "زي حرب" النساء في غزة

الأحد 23 مايو 202105:37 م

في منتصف الليل، بدأت طائرات الاحتلال تقصف في كل اتجاه شمال القطاع. ألسنة اللهب منتشرة. القيامة حينها قامت فعلاً، لكن كيف سنموت؟ الأفضل أن نموت ونحن محجّبات، ربما سيتم انتشالنا من تحت الأنقاض، أو ربما تتطاير جثثنا، أو قد نكون نحن الأشلاء، لا يهم، المهم أن نكون بلباسنا.

تعتاد النساء على أن لكل مناسبة أزياءها، ولكن في قطاع غزة الأمر مختلف تماماً، فتجبر الظروف النساء أحياناً على اختيار ملابس كزيٍّ رسمي لهن، ليس من باب التزيّن أو متابعة صيحات الموضة، لكن لاستقبال الحرب.

اعتادت عايدة المصري (35 عاماً) من مدينة بيت حانون، كمعظم الغزيات، ارتداء الزي الرسمي، والذي بات منتشراً بينهن حين تدقّ الحرب أجراسها، وهو عبارة عن حجاب صلاة بات يطلق عليه "زيّ الحرب".


الحرب هي من فرضت عليهن ذلك، فالنساء في قطاع غزة، وإن كن في حرب، أمام مسؤوليات كبيرة كونهن يعشن في مجتمع محافظ، وأهمها يتعلق بشكل لباسهن، بأن يكون" محتشماً"، وفق تعبيرهن.

تضيف عايدة لرصيف22: "في الوقت الذي من المفترض فيه أن أرتدي ملابس العيد التي اشتريتها لأتزيّن بها، أرتدي زيّ الحرب".

"بسبب الحروب المتكررة على القطاع، يجب علينا دائماً أن نكون كنساء على جهوزية تامة، خاصّة فيما يتعلق بلباسنا، فطائرات الاحتلال عندما تبدأ بالقصف لا تعطينا مهلة للتفكير فيما سنرتديه، قد نضطر للهروب أو النزوح في حالة من الخوف والهلع من حمم الصواريخ".

"كلما أراه معلقاً في خزانتي، على الفور تستعيد ذاكرتي صوت صراخنا بالحرب، حين انهالت علينا القذائف وهربنا من المنزل، وكنت حينها مرتدية لباس الصلاة وحافية القدمين"

اللافت في الأمر أنه تزامناً مع بداية الحرب، تجهّز النساء هذا اللباس، فمنهن من تضعه بجانبها على الدوام في المنزل، ومنهن من تنام به، أخريات يرتدين العباءة السوداء أيضاً، وهذا جزء من طبيعة البيئة الغزية، التي يغلب عليها الطابع المحافظ حتى في وقت الأزمات.

"يذكرني بالحروب الماضية"

سمر توفيق (29 عاماً) قررت هذه الحرب أن تخالف المعتاد، فامتنعت عن ارتداء " حجاب الصلاة"، كونه ينذر بحالة شؤم، ويذكرها بمأساة الحروب الماضية على القطاع.

فهي تقول: "كلما أراه معلقاً في خزانتي، على الفور تستعيد ذاكرتي صوت صراخنا بالحرب، حين انهالت علينا القذائف وهربنا من المنزل، وكنت حينها مرتدية لباس الصلاة وحافية القدمين، فخفت كثيراً أن يعاد المشهد ذاته مرة أخرى".

"كل ما يعنيني أن أنفد بجلدي من الصواريخ".

"في وقت الحرب أنسى كل ما هو متعلق بالأزياء أو الموضة أو شكلي أمام الناس، وأنا أهرب بالشارع، كل ما يعنيني أن أنفد بجلدي من الصواريخ".

وتوضّح سمر أنها طيلة أيام الحرب كانت ترتدي العباءة السوداء ليل نهار، لم تخلعها عن جسدها قط، تحسّباً لأي طارئ قد يحدث.

"تبتعد النساء في وقت الأزمات والحروب بغزة عن اللباس المزركش أو الملوّن، وتكتفي أغلبهن بلباس العباءة السوداء أو حجاب الصلاة"، تنهي سمر حديثها.

ومع نهاية العدوان على غزة، أعلنت وزارة الصحة بالقطاع عن ارتفاع حصيلة شهداء العدوان إلى 243 شهيداً، عقب انتشال جثامين 9 شهداء من أنقاض استهداف إسرائيلي في خان يونس، وشهيدة طفلة من تحت أنقاض منزل في مدينة غزة.

وأضافت الصحة، في آخر تحديث لحصيلة شهداء العدوان، أن من بين الشهداء 66 طفلاً و39 سيدة و17 مسناً بالإضافة إلى 1910 إصابة بجراح.

وقد صرحت مديرة مركز لجان المرأة، تغريد جمعة، أن "النساء يدفعن الثمن باهظاً وقت الحروب على القطاع، تتمثل في فقدهن خصوصيتهن لتواجدهن في أماكن غير أماكنهن، الافتقار للرعاية الصحية والنفسية".

كما بيّنت أن الخدمات الصحية المقدّمة للنساء في غزة، خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة، لم تتجاوز الـ 30% من إجمالي الخدمات الصحية المقدمة في القطاع.

وتفيد جمعة أن النساء في الحروب المتكررة على القطاع يعشن ظروفاً قاسية، فهن ما زلن يدفعن ثمن الحروب وتداعياتها، من آثار نفسية وتردّي الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية.

وقالت جمعة إن "محصّلة ضحايا الحروب الثلاثة الأخيرة التي شنّتها إسرائيل على غزة، من النساء، بلغت حوالي 600 امرأة".

كيفية الهروب

قضت مريم المدهون (35 عاماً) عشرة أيام في مدارس النزوح الخاصة بالأونروا، هاربة من حمم القذائف التي اجتاحت منطقتها في بيت حانون، شمال قطاع غزة، تقول: "نزحت برفقة أشقائي دون أن نأخذ معنا ملابسنا أو أموالنا، أو حتى مأكلنا أو أوراقنا الثبوتية. لم نكن بوعينا، حتى أني لم أفكر في شكل وطبيعة الملابس التي أرتديها".

تتابع: "حين انهالت علينا القذائف كالمطر كان كل تفكيرنا منحصراً بكيفية الهروب من حصارها، بالطبع هذا ليس السيناريو الأول، فقد مررت في الحروب السابقة بنفس القصة، وفقدت عدداً من عائلتي، لذلك منذ بداية الحرب جهزت ملابس الصلاة، والتي اعتدت على لبسها في الحروب كونها واسعة، ومريحة، وأكثر خصوصية من غيرها، ومناسبة لطبيعة المجتمع الغزي".

لم تعد مريم إلى منزلها حتى بعد انتهاء العدوان، فلا معالم لمنزلها، بسبب الدمار الشامل الذي حدث بفعل القذائف البركانية التي انطلقت عليهم في أول أيام الحرب على غزة.

توضّح لرصيف22: "أتنقّل بنفس اللباس، ومازلت في مدارس النزوح، لذلك أجد في لباس الصلاة الزي الأنسب، أشعر أني أتمتع بخصوصية أكبر، في الوقت الذي نفتقد فيه نحن كنساء الخصوصية في مدارس النزوح التابعة لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين بغزة".

ويعيش أكثر من 42 ألف مواطن لجؤوا إلى 52 مدرسة تابعة لمنظمة غوث، وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وأخرى حكومية، بسبب القصف العنيف وتضرّر منازلهم في المناطق الشرقية الحدودية، ومناطق شمال قطاع غزة.

ولا زالت، حتى بعد انتهاء الحرب على القطاع، تعيش معظم العائلات المتضررة منازلها في أماكن اللجوء، ولا يزال زي الصلاة هو لباس الحرب، تترك النساء التمسّك به في وقت السلم، وتعود له في وقت العدوان كزيّ رسمي، فهو بالنسبة لهن بات هوية وليس مجرد قطعة قماش.

أزياء النساء والحرب

يعلق علاء أحمد، والمكنى "أبو يوسف"، والذي يعمل في حياكة وتصميم الملابس منذ ما يزيد عن 20 عاماً، حيث عاصر مراحل صيحات الأزياء في غزة عبر الأجيال، قائلاً: "بالطبع أثّرت الحروب المتعاقبة على طبيعة أزياء النساء بغزة".

ويكمل: "من تابع جيل الثمانينيات وحتى الآن يدرك هذا جيداً، وذلك لطبيعة الأحداث التي يمر بها القطاع، فمثلاً النساء في فترة الثمانينيات، وقت اندلاع الانتفاضة الأولى مع الاحتلال الإسرائيلي، كن يرتدين الفساتين الملونة، والمسنات يلبسن التنورة السوداء الفضفاضة، ويغطين رؤوسهن بالشال الأبيض المنسدل على أكتافهن".

"النساء في فترة الثمانينيات، وقت اندلاع الانتفاضة الأولى مع الاحتلال الإسرائيلي، كن يرتدين الفساتين الملونة، والمسنات يلبسن التنورة السوداء الفضفاضة، ويغطين رؤوسهن بالشال الأبيض المنسدل على أكتافهن"

"ومع توالي السنين تغيّر هذا اللباس، مع تكرار الحروب على القطاع، وبات السائد لباس العباءة السوداء وحجاب الصلاة، وهذا يتماشى مع طبيعة الظروف التي تعيشها النساء في الحروب، إذ يبتعدن عن اللباس المزركش أو المثير، حتى في منازلهن، فهن يشعرن أنهن أمام مسؤولية كبيرة، وهي ارتداء ملابس مناسبة للحرب، محتشمة، خشية النزوح، القصف أو الموت".

ويلفت علاء إلى أن تأثير الحرب على أزياء النساء يستمر حتى بعد الحروب، فمن الملاحظ أن غالبية النساء يبتعدن عن اللباس المزركش أو الملون، خاصة من فقدن أزواجهن وأصبحن أرامل، أو من فقدن أبناءهن أو ذويهن.

ويوضح أن العديد من النساء بعد الحرب، يتوجّهن لطلب عباءة سوداء أو ملابس داكنة، فلا متسع من الفرح والبهجة لديهن، حسب وصفهن، وحتى إن لم يفقدن أحداً من ذويهن، فهنالك مؤازرة قوية بين النساء الغزيات لبعضهن البعض.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard