"نقفز حتى نشعر بالنشوة"... مغامرات رياضة الباركور "الخطرة" في غزة

السبت 8 مايو 202104:24 م

اعتادت الحروب، إلى الدرجة التي صنعت من الموت حياة، فالعديد من المباني التي تعرضت للقصف في غزة كانت تتحول الى ساحة لممارسة الباركور.

تلك الرياضة التي كان بعض محبيها ضحية القصف، فقدوا أحد أطرافهم، لكنهم تجاهلوا الإعاقة، وخطورة المكان، واستمتعوا باللعبة، الى أن أصبح لهم أكاديمية خاصة، تحتضنهم، وتطور مهاراتهم.

المغامرة وحب التجربة

"هذه اللعبة في دمي من وأنا صغير، باحب الحركات الخطيرة، وكنت بلعبها بدون ما أعرف اسمها"، يقول محمد عليوة (18عاماً)، الذي استمر في ممارسة اللعبة، خصوصاً بعد أن شاهد مقاطع فيديو، وحاول التعلم منها، ولعدم وجود نوادٍ لها، اختار أن يمارسها فوق المباني، التي دُمرت خلال الحروب على غزة.

ويضيف محمد: "تخيل أن تصعد الى أعلى بناية من ستة أو سبعة طوابق مدمرة بشكل شبه كلي، وآيلة للسقوط، ثم تقرر أن تصعد أعلاها، وتقفز الى مبنى آخر بجوارها، هو الآخر مدمر بفعل القصف الإسرائيلي".

أحمد أبو دقن، رغم فقدانه لقدمه اليسرى منذ الصغر يمارس رياضة الباركور بانتظام

ويتابع: "مشاعر المغامرة وحب التجربة يقتلان أي خوف بداخلي، حتى لو كنت أجازف بحياتي في سبيل ممارسة اللعبة، والتقاط صور مختلفة، فرسالتي للعالم أننا في غزة قادرون على القفز عن كل أوجاعنا".

وخلال مشاركة محمد في مسيرات العودة في 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، فقد ساقه اليمني، ولكن هذه الإعاقة لم تثنه عن الاستمرار في اللعب، يقول لرصيف22: "اللعبة تزيد إصراري على الحياة، وتمنحني الأمل حتى لو بساق واحدة فلا شيء مستحيلاً".

ويكمل: "نحن لا نختلف عن الشخص السوي في ممارسة اللعبة، لكني أتذكر كيف أنني في المرة الأولى التي لعبت بساق واحدة، كنت أتأرجح وطلبت من زملائي مساعدتي على القيام ببعض الحركات حتى أصبحت شيئاً فشيئاً أتفوق عليهم".

قصف وقفز

"في حرب 2014 كنا 20 لاعباً نلعب على السوافي، وهي منطقة رملية مهجورة جنوب خان يونس، وكان بجوارنا موقع تابع للمقاومة الفلسطينية، وفجأة صار قصف، وصارت الصواريخ تنزل علينا، لكن استمررنا باللعب، وما خفنا من الصواريخ، بالعكس أخذنا فيديو ومجموعة صور رائعة للقفز، ومشهد الصواريخ حولنا".

"كان بجوارنا موقع تابع للمقاومة الفلسطينية، وفجأة صار قصف، وصارت الصواريخ تنزل علينا، لكن استمررنا باللعب، وأخذنا فيديو وصور رائعة للقفز، ومشهد الصواريخ حولنا"

يقول عبد الله القصاب (24 عاماً) الذي يهوى رياضة الباركور منذ طفولته، ويمارسها بشغف، رغم أنه حصل على بكالوريوس اللغة الإنجليزية. ويؤكد أن الفيديو والصور يوصلان رسالتهم للعالم، يقول: "إحنا صامدين على أرضنا وحياتنا مستمرة، رغم كل مظاهر الموت، وحبنا لهذه الرياضة رغم الخطورة، ونحن بأي لحظة معرضين للموت حتى ساحات التدريب، ونتمرن عليها، هي المباني المهدمة من الصواريخ، فكنا نظهر حجم الدمار، وفي نفس الوقت حبنا للعبة وللحياة".

محمد عليوة، يتدرب على رياضة الباركور في المباني المهدمة بقطاع غزة

ولم يكن هذا المشهد الوحيد لمغامرات اللعبة على أنقاض الموت، ويستذكر عبد الله مقبرة خان يونس، التي اتخذها أيضاً ساحة للتدريب، وتم قصفها أكثر من مرة، ويقول: "كل ما يتم قصف مكان في المقبرة أذهب وأمارس لعبتي على الركام من مكان لمكان، وفي حي الشجاعية الذي تم تدميره أصبحنا نلعب على الركام بين المباني المهدمة، بل كنا نختار أكثر مكان يشكل صعوبة وخطر، ونقفز عنه حتى نشعر بنشوة اللعبة الخطيرة".

"فقدت قدمي وليس حلمي"

أما أحمد أبو دقن (17عاماً) الذي يعاني من بتر قدمه اليمنى، بسبب حادث سير وهو في الثالثة من عمره، فيقول: "من صغري بحب أعمل هذه الحركات، وتعلمتها أكثر عن طريق الإنترنت، ومع كثرة الحروب كنا نلجأ للبيوت المدمرة، والمباني التي تعرضت للقصف، ونمارس اللعبة هناك رغم خطورتها".

أحمد الطالب في الثانوية العامة انضم الى أكاديمية wallrunnerz، وهي أول أكاديمية متخصصة لرياضة الباركور في غزة حيث انضم لفريق pk gaza.

أحس بفرق كبير بين اللعب في المباني المقصوفة، واللعب في نادٍ متخصص مصمم لهذه الرياضة.

وشكلت إعاقة أحمد حالة خاصة، إذ يندهش كل من يشاهده كيف يقفز بخفة، وبكل ثقة، ودون خوف حتى قال أحدهم له يوماً: "إنت عندك رجل وحدة دير بالك عليها مش تخاطر فيها"، ولكنه استقبل ذلك بالعكس، يقول: "هذا الكلام شجعني أكثر، وبالنهاية أنا فقدت رجلي، لكن لا أستطيع أن أتخلى عن حلمي".

جهود وإمكانيات ذاتية

"غزة باركور" هو أول فريق ممارس لهذه الرياضة في غزة، ومن أول الفرق التي نشأت في الوطن العربي، فقد بدأ هذا الفريق بممارسة رياضة الباركور نهاية عام 2005.


"القصة بدأت من فيلم وثائقي حضرته اسمه Jump Londonk، بيحكي لأول مرة عن رياضة الباركور، ويعرف الناس عليه، حبيت الفكرة، وبدأت أتعلمها من اليوتيوب، وأمارسها لغاية ما تمكنت منها، ولكن وجدت أنه ممارستها في المباني المدمرة أمر خطير، لذلك فكرت في إنشاء أكاديمية متخصصة"، يقول جهاد أبو سلطان (33 عاماً) لرصيف22، وهو أحد مؤسسي أكاديمية wallrunnerz المتخصصة لرياضة الباركور.

"تخيل أن تصعد الى أعلى بناية من ستة أو سبعة طوابق مدمرة بشكل شبه كلي، وآيلة للسقوط، ثم تقرر أن تصعد أعلاها، وتقفز الى مبنى آخر بجوارها، هو الآخر مدمر بفعل القصف الإسرائيلي"

ويضيف: "جهزنا أكاديمية wallrunnerz قبل ثلاثة شهور بجهد، وإمكانيات ذاتية، ولا نضاهي الأكاديميات الدولية، خصوصاً من حيث المعدات، فهي أفضل الموجود، وأكثر أمناً من اللعب في الأماكن المدمرة".

ويتابع: "تمت دعوتنا لبطولتين الاولى wfpf في لاس فيغاس، والثانية بطولة air wipp في السويد، ولكن ما شاركنا بسبب المعابر المغلقة، ولكن شاركت في إيطاليا في مشروع تبادل ثقافي، واكتساب قدرات من لاعبين مثل: فلورنتينو بيريز، وهو لاعب وممثل فرنسي من مؤسسي الباركور في العالم".

إقبال غير متوقع

عن تدريب الهواة، يشير جهاد إلى أن عدداً كبيراً من محبي الرياضة كانوا يخافون من المخاطرة في التدريب عليها في الأماكن المفتوحة، ولكن بمجرد تأسيس الأكاديمية، سارعوا للانضمام لها، خصوصاً الذين هم من فئة ذوي الإعاقة إذ وجدوا فيها تحدياً لإعاقتهم، ويقول: "الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، تدريبهم يتطلب جهداً أكبر من الأشخاص الأسوياء من ناحية اهتمام وإعداد بدني عالٍ، فالجهد مضاعف".

ويضيف: "اللافت أيضاً هو ميل الفتيات للاشتراك بهذه اللعبة، ولم أتوقع أن يكون الإقبال كبيراً".

ويحلم جهاد في بناء أكبر أكاديمية للباركور في فلسطين، يتبادل فيها أبناء فلسطين في الضفة الغربية وغزة تدريبات مشتركة، لأن ذلك يقوي الشخص الذي يمارس تلك الرياضة، ويزيده خبرة وكفاءة.

محمد عليوة، يمارس رياضة الباركور في مباني دمرها العدوان الإسرائيلي على غزة

ورياضة الباركور، هي رياضة بدنية غير تنافسية تتضمن التحرك بحرية على أي أرض، وتخطي أي عقبات باستخدام القدرات البدنية فقط، وبدأت في فرنسا كنشاط عسكري، وفي عام 2016، أصبحت بريطانيا الدولة الأولى التي تعترف بالباركور رسميّاً كنوع من أنواع الرياضة.

أما في غزة فقبل أن يتم تأسيس الأكاديمية، نشأ فريق Myuz gaza قبل سنة تقريباً، وأصبح الفريق الرسمي للأكاديمية الجديدة، ويقول الكابتن أحمد أبو حصيرة (37 عاماً)، حائز بكالوريوس تربية رياضية: "أنشأت الأكاديمية بمجهود شخصي، وتمويل ذاتي، وبعض المساعدات من محبي الرياضة حتى أننا كنا نشارك في حفلات أفراح وغيره، ونقدم عروضاً من أجل الحصول على بعض المال لتجهيز الأكاديمية".

ويشير أبو حصيرة إلى محاولة الأكاديمية استقطاب أجانب للمشاركة والتدريب، يقول: "الموضوع كان صعباً بسبب المعابر المغلقة، إضافة الى حرمان الفريق من المشاركة في ورشات عمل تدريب، خاصة في هذه اللعبة خارج غزة أيضاً بسبب المعابر المغلقة".

نادرة وحلوة

رغم انها لم تتجاوز الـ 13 من عمرها، تمارس نوال شحادة هذه الرياضة الصعبة في الأكاديمية، فهي تراها "نادرة وحلوة ومختلفة كتير عن باقي الألعاب". تقول لرصيف22: "باشعر أني مختلفة وأنا بمارس الباركور، خصوصاً أنه ما في كتير بنات بيلعبوها، وطموحي أصبح مدربة في هذه اللعبة، وأشترك بمسابقات وعروض".

نوال شحادة، تمارس رياضة الباركور في أكاديمية متخصصة

وتقول والدة نوال (ماجدة شحادة): "شجعت نوال على المشاركة والتدريب بهذه اللعبة المختلفة، وبشكل عام أصبح هنالك انفتاح ووعي أكبر بأهمية اندماج ومشاركة الفتيات في كل أنواع الرياضة".

أما منال الحلاق (28 عاماً)، خريجة التربية الرياضية، فتقول: "مش من الصعب على أي شخص ينضم للأكاديمية، المهم توافر الإرادة والشجاعة لأنه إذا كان الخوف مسيطر على اللاعب، مستحيل يتخطى ويقفز".

منال الحلاق، تلعب رياضة الباركور في أكاديمية متخصصة بقطاع غزة

وتدرب منال مجموعة مكونة من 34 صبية، وترى أن ذلك يشير إلى "وعي المجتمع بحق الفتيات في ممارسة الرياضة، مهما كانت جديدة، ومختلفة أو حتى خطيرة".

وتطمح منال إلى السفر، وتلقي تدريبات احترافية، والمشاركة في مسابقات لإظهار وجه غزة المشرق، المليء بالحيوية بعيداً عن تنميطها في صور الحرب والدمار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard