"فلسطين في عيون المغاربة"... عودة جناح مناهضة التطبيع إلى الواجهة

الجمعة 21 مايو 202105:21 م

على الرغم من قرار السلطات المغربية منع تنظيم مسيرة "مليونية" لنصرة فلسطين في الدار البيضاء يوم الأحد 23 أيار/ مايو، إلا أن "مجموعة العمل الوطنية من أجل فلسطين" تحدّت قرار المنع، قائلةً في بيان إن تبريره "بسبب إجراءات مكافحة وباء كوفيد19"، تعبيراً عن "منطق سلطوي في منع حق الشعب المغربي في التعبير بالتظاهر عن تضامنه مع شعب فلسطين وكبته، وتبنّيه خيار المقاومة الشاملة، ورفضه لكل أشكال التطبيع والهرولة".

منطق التحدي هذا، مؤشر على عودة جبهة مقاومة خيار التطبيع المغربي مع إسرائيل الذي ظهر في الأيام الأخيرة عبر تنظيم وقفات ومسيرات في عشرات المدن المغربية، وخروج وجوهٍ بارزة من حزب العدالة والتنمية الإسلامي الذي يترأس الحكومة، تطالب بالعودة عن قرار التطبيع.

عودة الجناح الرافض للتطبيع

بعد مرور ما يقارب أسبوعين من القصف، واعتداءات الاحتلال الإسرائيلي على منازل وأحياء المدنيين في غزة، وفي الضفة الغربية بما فيها القدس، والذي أودى بحياة عشرات الأشخاص بينهم أطفال، عادت القضية الفلسطينية إلى الساحة السياسية الدولية بقوة بعد خفوت ملموس، وحظيت بدعم كبير من الشعوب العربية، وكذلك الغربية التي أحرجت الأنظمة المُطبِّعة، وعادت جبهة المعارضة إلى التعبير عن رغبة شعبية في مناهضته، والمغرب من تلك الدول.

شاركت في هذه الاحتجاجات خمسون مدينة مغربية، وربما أكثر، بتفاوت في أعداد المشاركين في المسيرات بين مدينة وأخرى. وفي تناقض ملحوظ بين الممارسة والخطاب، إذ إن "العدالة والتنمية" لم يعترض على قرار التطبيع بصفته "الحزب الذي يقود الحكومة"، إلا أن برلمانيّيه شاركوا في مسيرات، وطالبوا بإغلاق مكتب الاتصال الإسرائيلي في الرباط، احتجاجاً على العدوان الإسرائيلي.

وفي الوقت الذي كانت الأحزاب السياسية مترددة في التعبير عن تضامنها مع القضية الفلسطينية، خرجت الجموع لتؤكد على أن القضية الفلسطينية هي قضيتها الأولى.

عادت القضية الفلسطينية إلى الساحة السياسية الدولية بقوة بعد خفوت ملموس، وحظيت بدعم كبير من الشعوب العربية، والمغرب من تلك الدول على الرغم من التطبيع مع إسرائيل

وفي هذا الشأن أكدت الحقوقية والرئيسة السابقة للجمعية المغربية لحقوق الانسان خديجة الرياضي، التي تشارك دوماً في الوقفات والمسيرات المناصرة للقضية الفلسطينيّة، في تصريح لرصيف22 بأن الشّعب الفلسطيني "هو الذي أعاد التوهّج إلى قضيّته بفضل مقاومته الباسلة وصموده ووقوفه البطولي في وجه جرائم الاحتلال الصهيوني، وعصابة المستوطنين التي يستعملها ويحميها". وأضافت أن الشعب الفلسطيني هو الذي أرجع إلى القضية الفلسطينية مكانتها التي من المفروض أن تحتلّها باستمرار في المشهدين الإعلامي والسياسي، العالمي والمغربي".

وأوضحت المتحدثة أن القضية الفلسطينية "قضية فريدة من نوعها، نظراً لبشاعة الجرائم التي ترتكبها الصهيونية ضد هذا الشعب وفظاعتها، ونظراً لطبيعة الاحتلال العنصري الذي تمارسه الصهيونية، مشيرةً إلى أن عودة المظاهرات وضعت الجميع أمام مسؤولياتهم، وأحرجت المطبّعين، خاصةً الأنظمة التي ارتمت في حضن الصهيونية، ومن ضمنها النظام المغربي".

بدوره أكد عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية لجماعة "العدل والإحسان" الإسلامية  حسن بناجح في حديث مع رصيف22 أن "القضية الفلسطينية لم تَغِب يوماً لتعود، وهذه القضيّة العادلة تحظى بالأهمية القصوى في وجدان الشعوب العربية والإسلامية".

وأضاف بناجح: "إن عاصفة الغضب ضد ما يرتكبه الصهاينة من عدوان مستمرّ لعشرات السنين، قد تختلف وتيرته مع تغيّر الأحداث، ولكن ما إن تحاول الآلة الصهيونية القمعية تحويل جنايتها إلى تَعَدٍّ على الحُرمات والمقدّسات والأرواح والممتلكات، حتّى تهب الجماهير بكل ألوانها الشعبية والسياسية والإعلامية والحقوقية للمطالبة بردع هذا الكيان وإرجاعه عن غيّه".

وأكد المتحدث على أن الشعب الفلسطيني له كامل الحق في المقاومة والدفاع عن أرضه وعرضه المغتصبَين، أمام صمت المعنيين من مؤسسات دولية وغيرها لفرض عقوبات على المنتهكين للحقوق الإنسانية والمعايير الدولية المعمول بها.

شعوب ضد الحكام

عودة رفض التطبيع بكل أشكاله امتدت إلى دول عربية عدة وعبر العالم، إذ شهدت عواصم، من ضمنها عواصم عربية أعلنت تطبيع علاقاتها مؤخراً مع إسرائيل، مظاهرات شعبية نصرةً لفلسطين. ويرى أستاذ الفلسفة في جامعة الزيتونة ورئيس مركز مسارات للدراسات الفلسفية والإنسانيات فوزي العلوي في تصريح لرصيف22 أن القضية الفلسطينية "كانت وستظل قضية حق، تشير إلى مظلومية شعب بأكمله صودرت حقوقه كافةً، ومورست عليه أبشع الجرائم والانتهاكات الرسمية من خلال الدولة الاستعمارية الأولى، وتحديداً الانتداب البريطاني، ثم وعد "بلفور"، واتفاقية "سايكس بيكو". من خلال هاتين المحطتين تم تسليم فلسطين إلى كيان غاصب لا صلة له لا بالجغرافيا ولا بالتاريخ".

وأكد المتحدث أن عودة القضية الفلسطينية إلى المشهد، هي عودة طبيعية إلى السياق الطبيعي للتاريخ، وتنسجم مع منطق الجغرافيا، ومع الفطرة البشرية، ومع ما عهدته الإنسانية من سنن كونية. ولا تخرج القضية الفلسطينية عن هكذا مرجعيات نظرية، ومقدمات تأطيرية.

في هذا السياق أفاد بناجح أن "الجماهير الشعبية لم توافق يوماً على خيانة القضية الفلسطينية، ولا صمتت أو تهاونت، على الرغم من حجم التغليط والتدليس الذي تتعرض له باستعمال الممكن والمستحيل من وسائل".

وأبرز بناجح أن "مواقف السلطات الرسمية والحكام لم تخرج عن طابعها المتخاذل، تارةً في السرِّ وطوراً في العلن، على الرغم من محاولات التمسّح، خلال المناسبات العابرة، بالقضية، والسعي إلى الظهور في جبّة المدافع عن شعب فلسطين في بعض الأحيان". وأشار ‏إلى أن "المواقف الرسمية تبقى باهتة جداً، وفاقدة للوضوح والالتزام والجدية، عكس ما تؤمن به الشعوب، وتسعى إليه وتفصح عنه بعد أن ترى أن الردود الرسمية غير لائقة بحجم قضية مركزية كالقضية الفلسطينية".

وأكد عضو الأمانة العامة لجماعة العدل والإحسان على أن "الأنظمة العربية الحاكمة المتخاذلة عرّاها صمود المقاومة المحتضَنة من الشعوب، وأصبحت الأنظمة الآن في عزلة غير مسبوقة. ومن معجزات هذا الزمن أن القضية الفلسطينية هي من تحررنا وليس العكس".

"فلسطين في العيون"، شعار يرفعه المغاربة في المسيرات المناصرة لفلسطين. بعد الصمت عن التطبيع، يعود المغاربة إلى رفض العلاقات المغربية الإسرائيلية، عقب العدوان الإسرائيلي

في المقابل يرى العلوي. أن القضية الفلسطينية تتباين بين الموقفين الشعبي والرسمي العربي. وهذا التناقض إنما يشير ‏إلى أن الطبقة السياسية الحاكمة لا علاقة لها بقاعدتها الشعبية، وأنها ليست وليدة حركة ديمقراطية، أو انتخابات حرة ونزيهة. بل إن معظم الأنظمة العربية هي إما أنظمة استبدادية، وإما وراثية ملكية أو نتيجة انقلابات عسكرية، باستثناء بعض التجارب الديمقراطية الخجولة التي لم تكتمل، بسبب عدم استعداد ما يوصف بالدولة العميقة المُعبِّرة عن التوجهات الاستعمارية والإمبريالية، لرفع يدها عن الأنظمة المنتخبة حتى تكون حرة ومستقلة".

وأضاف المتحدث أن "هذه الأنظمة الرسمية لا تملك حق إبداء الرأي، والتعبير عن العمق الشعبي. أما تنكّر هذه الأنظمة للقضية الفلسطينية، فَيَنِمُّ عن رفضها لروح الديمقراطية، في مقابل إيمان الشعوب التي تعبّر عن حبها لقيم العدالة وتعلّقها بها، وبالقيم الإنسانية السامية".

في سياق متصل ترى الرياضي أن "هذا التباين بين الموقفين الشعبيّ والرسميّ، ليس إلاّ وجهاً من الوجوه المتعددة لتناقض الأنظمة الاستبدادية المتسلطة على الشعوب في هذه البلدان التي طبّعت أنظمتها مع الكيان الصهيوني، والتي تتسلط عليها وتقمعها، مشيرةً إلى أن هذا جانب من جوانب التعارض حد التناحر بين الأنظمة وشعوبها في هذه الدول".

وأضافت الرياضي: "الموقف الرسمي للأنظمة المطبّعة يوضح بجلاء أن لا علاقة لتلك الأنظمة بشعوبها، وأنها لا تمثلها، ولا تعبّر عن مواقفها، ولا عن وجهة نظرها في القضايا كلها، بما فيها القضية الفلسطينية. بل هي أنظمة فُرضت على هذه الشعوب بحماية من الاستعمار ومن أنظمة الدول العظمى، ومن الصهيونية نفسها".

ولفتت المتحدثة إلى أن "سياسات القمع والإفقار والتجهيل، بالإضافة إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني، كلها سياسات متجانسة لأنظمة لا وطنية ولا ديمقراطية ولا شعبية، ولا علاقة لها بشعوبها، بل وبعيدة كل البعد عن مطامح الشعوب وآمالها التي تئنّ تحت وطأة هذه الأنظمة الاستبدادية، والتي فُرضت وتسلطت عليها، وتركها الاستعمار على رأسها، ولا زالت تقاومها".

عَوْدٌ أبدي رغم التطبيع

أكّدت الرياضي أن "الأنظمة المطبّعة مع إسرائيل، وكل الأنظمة الاستبدادية، ترتمي في أحضان الصهيونية؛ لتنال حمايتها وحماية الدول الإمبريالية الراعية للصهيونية، مشيرةً إلى أن هذه الأنظمة لا تستمد شرعيتها من الشعوب، ولا يمكن لشعوبها أن تحميها، لأن هذه الشعوب لم تخترها، وليست راضية عن نمط حكمها".

وأضافت المتحدثة أن هذه الأنظمة تحتمي من شعوبها بالقوى الأجنبية الصهيونية، والقوى الإمبريالية.

وترى الرياضي "أن رد فعل الشعوب بالقوة، هو الذي يجعل هذه الأنظمة تحسّ أنها مهددة في كيانها، وفي الحماية الصهيونية والأمريكية التي تطمح إليها، أو التي تبحث عنها من خلال هذه القرارات الخائنة التي لن تنفعها، ولن تنقذها من شعوبها".

التباين بين الموقفين الشعبيّ والرسميّ، ليس إلاّ وجهاً من الوجوه المتعددة لتناقض الأنظمة الاستبدادية المتسلطة على الشعوب في هذه البلدان التي طبّعت أنظمتها مع الكيان الصهيوني

وبدوره قال العلوي إن التاريخ وفلسفة الحضارة يقرّان بأن إرادة الشعوب لا يمكن أن تُقهر، إذا ما تمت المقدمات الضرورية والموضوعية لتحقيق النصر لهذه الإرادة.

ويرى المتحدث أن الطبقات السياسية والحزبية، والنخب الأكاديمية والفكرية، وكذلك النخب المثقفة، تراجعت عن أدوارها التوعويّة، ولفتَ النظر إلى "أن معظم النخب السياسية، سواء التي في الحكم أو في المعارضة، ليست وفية لأصالة الحركة الاجتماعية والتاريخية لشعوبها، ولا تعبّر عن أصالة هذه المواقف الشعبية".

وأكد العلوي أن هذه المواقف الأخيرة تبرز أنْ "لا مستقبل للتطبيع، وأن مصير الشعوب بيدها، وأنها هي من تمتلك قرارها، مشيراً إلى ضرورة العمل على تجذّر وعي حضاري بالأبعاد الخطيرة للصهيونية القائم على ضرورة جعل فلسطين قضية مركزية ليس للتحرر الوطني فحسب، بل للتحرر القومي والإنساني والأممي.

رأي بناجح لم يكن مختلفاً عن رأي العلوي إذ أكد أنْ "لا بديل عن الاستماع بتمعن إلى صوت الشارع ونبض الأغلبية، خصوصاً في قضية لا غبار عليها، والتنكر لها يُعدّ موالاةً لظلم الغريب على حق القريب، وهذا ما لا يُقبل شرعاً وواقعاً وعرفاً".

وأضاف بناجح أن "موقف الشعوب أصيل كأصالتها، وتأثيره على الأنظمة ظاهر بلا شك، حتى أن المطبّعين الجدد وقفوا في العقبة، فأصبحت مواقفهم تتضارب بشكل أحرجهم كثيراً".

وأكد أن من أوغل في المسير على الطريق الخطأ من أنظمة التطبيع، سواء الجديدة منها أو القديمة، ستبتلعه أمواج الغضب الشعبي بكل تأكيد".

موجة غضب تضع القضيّة في القلب، وفي العين كما يقول شعار يتردد في كل المسيرات المغربية "فلسطين في العيون".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard