المغرب يتخلى عن دور "دركيّ أوروبا"... المهاجرون ورقة ضغط على إسبانيا

الخميس 20 مايو 202103:03 م

على القنوات الإسبانية، وفي الشبكات الاجتماعية، توالت مشاهد الذين عبروا مياه المتوسطي المنخفضة بسبب الجَزْرِ. بعضهم قاصرون أو رُضَّع في عمر الزهور حملهم آباؤهم بين أذرعهم للعبور من مدينة الفنيدق المغربية إلى مدينة سبتة (تحت السيادة الإسبانية).  عشرات الأمتار عَبَرها ما بين أربعة إلى ثمانية آلاف شخص في أيام قليلة، في مشهد أثار رعب الطبقة السياسية الإسبانية، وحرّك دبلوماسية الاتحاد الأوروبي التي أعلنت تضامنها مع عضو الاتحاد.

توقف المغرب عن منع المهاجرين من الاتجاه إلى سبتة أدى إلى تدفق 8 آلاف منهم إلى المدينة. فهل تعاقب الرباط مدريد على استقبال زعيم بوليساريو؟

لم يحرّك المغرب الرسمي ساكناً أمام جحافل المهاجرين غير النظاميين، لكنْ بدت الرسالة واضحة: المغرب ينزع بزّة "دركيّ أوروبا"، بعد أن كان يقف حاجزاً أمام المهاجرين، من أجل الضغط على إسبانيا والتعبير عن غضبه من سياسة الجارة الشمالية، إلى درجةٍ دفعت الرباط إلى استدعاء سفيرتها في مدريد للتشاور حول علاقة جوار تسوء يوماً بعد يوم.

رجّة سياسية في مدريد

بحسب جريدة "إل باييس" واسعة الانتشار، فإن الحكومة الإسبانية تمر بـ"أسوأ أزمة دبلوماسية مع المغرب في عهد الديمقراطية". أزمة صعبة تدفع رئيس الحكومة إلى إبداء الحزم من دون إثارة غضب المغرب. إذ حاول رئيس الوزراء بيدرو سانشيز في تصريحاته أن يُطمئن الرأي العام الإسباني إلى التحكّم بالوضع، وبأن حكومته قادرة على التعامل معه، لكن من دون استفزاز الجارة الجنوبية.

وعلى الرغم من أن وزيرة الخارجية الإسبانية كانت قد استدعت السفيرة المغربية للاستفسار حول ما يجري، وردّ المغرب باستدعاء سفيرته إلى الرباط للتشاور، فإن مدريد والرباط تتبادلان الضربات من خلال وجوه سياسية أو حكومية بارزة، من دون أن تدخلا في مواجهة مفتوحة.

وقفة لسكان سبتة الغاضبين من وصول المهاجرين إلى المدينة

 وخلال جلسة برلمانية، انتقد زعيم "الحزب الشعبي" المعارض بابلو كاسادو سياسة سانشيز التي قادت البلاد إلى أزمة مع الرباط "أدت إلى الفوضى"، بحسبه. هذا فيما دعا حزبه وزير الداخلية إلى تقديم استقالته. ويتخذ "الحزب الشعبي" موقفاً يدعو حكومة بلاده إلى التواصل مع السلطات المغربية لإيجاد حل نهائي للمشكلة التي تمخّضت عن استقبال إبراهيم غالي زعيم جبهة بوليساريو، المطالبة باستقلال الصحراء الغربية، في إحدى المستشفيات الإسبانية.

رئيس الحكومة الإسباني بين مطرقة "ورقة المهاجرين" المغربية وسندان انتقادات المعارضة. ووزيرة الدفاع الإسبانية تقول إن بلادها لا تقبل "الاستفزاز" المغربي

ويأتي تصعيد المملكة المغربية بعد أن وُوجِهت بالصمت من طرف مدريد لأسابيع، على الرغم من أنها طالبت بتفسير رسمي إسباني لاستقبال غالي للعلاج، لتردّ بورقة "عدم التعاون الأمني على مستوى قضايا الهجرة".  ما دفع وزير الدولة المغربي مصطفى الرميد إلى أن يبرّر هذا التصرّف بلغة لا تخلو من تهكّم، إذ قال في تدوينة إنه بعد أن لم تحترم إسبانيا حسن الجوار: "فقد كان من حق المغرب أن يمدّ رجله لتعرف إسبانيا حجم معاناة المغرب".

من جهتها قالت وزيرة الدفاع الإسبانية مارغاريتا روبليس إن حكومة بلادها "لن تقبل أي استفزاز" في "هذه الأزمة الخطيرة للغاية"، وحذّرت من أن بلادها "ستستعمل كل الوسائل الضرورية لحماية وحدتها الترابية وحدودها".

ويأتي هذا التصعيد الكلامي في وقت رفض فيه إبراهيم غالي الذي بدأت صحته تتحسن توقيع استدعاء من قاضٍ للإدلاء بشهادته حول تهمتين موجهتين إليه تتعلقان بانتهاك حقوق الإنسان، إحداها رفعها فاضل بريكة الحامل للجنسية الإسبانية، والذي يتّهم الجبهة باختطافه وتعذيبه عام 2019.  وتقول الحكومة الإسبانية إنها لا تريد التدخل في الملفّ لأن القضاء مستقل، وهو التبرير الذي لا يقنع الرباط.

تبريرات متضاربة

منذ سنوات عديدة، لبس المغرب بزّة الدركي، وحال دون ولوج الآلاف من الراغبين في الهجرة غير النظامية نحو أوروبا في إطار اتفاقية بينه وبين الاتحاد الأوروبي، شأنه شأن الدول المغاربية القريبة من السواحل الأوروبية على البحر الأبيض المتوسط.
وفي كانون الأول/ ديسمبر الماضي، أدلى ناصر بوريطة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالمغاربة، بتصريحات قال فيها إن بلده لا يمكنه أن يكون دركيّاً يمنع عبور المهاجرين السرّيين نحو أوروبا.
تصريحات ربطها في حينها بوريطة بغياب التنسيق الدولي في مواجهة شبكات الاتجار بالبشر، مضيفاً أن تحويل دول العبور إلى شرطي للهجرة، أمر غير مقبول، وأن المسؤولية ملقاة أيضاً على الدول الأوروبية.

مهاجرون وصلوا إلى سبتة

بوريطة، وإن برّر حينها تصريحاته وموقف بلده بعدم قدرة البلاد على تحمّل ضغط حركة الهجرة، إلا أن سياق العلاقات المتشنجة بين المغرب وإسبانيا لم يكن ليخفى على المتتبعين لتطور الملفات المتنازع عليها بين البلدين.
ويرى رئيس مرصد الشمال لحقوق الإنسان محمد بنعيسى، الذي حضر الأحداث الأخيرة في الفنيدق، في تصريح لرصيف22 أن كلا التبريرين صحيح. مضيفاً أنه عاين شخصياً تساهل السلطات الأمنية المغربية وعدم زجرها لآلاف المهاجرين الذين حاولوا دخول مدينة سبتة بعد تراجعها عن الحواجز التي كانت تقيمها عند المعبر الحدودي، وعدّها وسيلة ضغط من الرباط على الحكومة الإسبانية بعد استضافتها لزعيم بوليساريو، وتشنج العلاقات منذ فترة سابقة بينهما، ما دفع إلى تأجيل القمة العليا المشتركة بين البلدين في أكثر من مناسبة.

وزير الدولة المغربي مصطفى الرميد قال إن عدم احترام إسبانيا لحسن الجوار يمنح المغرب الحق "في مدّ رجليه". وإسبانيا أنزلت الجيش إلى سبتة لمنع تدفق آلاف المهاجرين

وذكر بنعيسى أن "ترسيم الحدود البحرية بين المغرب وإسبانيا والمشاريع المنجزة في مدن الشمال المغربي، أزعجت كثيراً السلطات الإسبانية، وهو ما أكده موقفها السابق حسب رأيه في دعم طرح انفصال الصحراء"، مشدداً على أنها "لا تهتم لاستقرار المغرب الاقتصادي، ويهمها بدرجة أولى مصالحها".
لكن بنعيسى واعٍ أن الوضع قد يؤثّر على المغرب أيضاً، فهو بحسبه "المتضرر الأكبر من تشنج العلاقات مع إسبانيا وبعض الدول الأوروبية، بينها ألمانيا وهولندا، في ظل المشاكل التي تعيشها فرنسا الحليف التقليدي الأول للمغرب الذي يعيش وضعاً صعباً، سواء فيما يتعلق بالمؤشرات الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية".

ضغط للتفاوض

وتوقع بنعيسى أن الأحداث الأخيرة أزمة عابرة وأن "أطراف الخلاف ستجلس إلى طاولة الحوار خلال الأيام القليلة المقبلة، ولن يخسر المغرب الكثير، بما أن أوروبا يهمها بدرجة أولى الاستقرار الأمني بالمغرب، بشكل أو بآخر".
وفي السياق ذاته يرى الباحث محمد شقير أن عبور مجموعة من المهاجرين غير النظاميين من المغرب إلى مدينة سبتة الإسبانية، وبدرجة أقل إلى مليلية، كان أمراً واقعاً في السابق، لكنّ وتيرته تصاعدت خلال الأيام الماضية، مضيفاً "أن المغرب يعدّه نتاجاً للأزمة الاقتصادية الحالية، في الوقت الذي بررته السلطات الإسبانية مدعومة بالمفوضية الأوروبية كردة فعل سياسية بعد استضافتها زعيم جبهة بوليساريو".
وتابع شقير في تصريحه لرصيف22: "إن المشكلة أعمق من ردة فعل للسلطات المغربية على استقبال غالي، بل هي نتاج تراكمات، ومسألة بنيوية بعد إغلاق معبري سبتة ومليلية"، مضيفاً أن "المستجد في الملف هو دعم المفوضية الأوروبية للطرح الإسباني، وهو ما من شأنه زيادة حدّة المشكلة"، متابعاً "يجب حلّها في إطار شمولي، ومن دون خلفيات، وهو ما عدّه منطقاً سليماً لإنهائها".
ولم يستبعد الباحث أن "يستغل المغرب ورقة الهجرة السرّية كونه بوابة أوروبا، لخدمة مصالحه في ملف الصحراء، مشيراً إلى أنه ينبغي على الاتحاد الأوروبي والشركاء الأوروبيين، اتخاذ مواقف واضحة ومساندة المغرب كونه شريكاً استراتيجياً لأوروبا، مذكّراً بمسارعة الولايات المتحدة الأمريكية بالاعتراف بمغربية الصحراء في الوقت الذي يتقاعس فيه الشركاء الأوروبيون"، حسب تصريحه في هذا الإطار.

وشدد شقير على أن المشكلة الأساسية التي تعترض وضوح الموقف الأوروبي من ملف الصحراء، هي عدم تجانس الدول الأوروبية، بما أن مصالحها غير متجانسة ومتباينة تجاه دول أخرى خارج قارّتها، ما ينعكس على تعامل الاتحاد الأوروبي مع شركائه، ويضعف سياسته الخارجية.
وذكر الباحث أن موقف الحزب الشعبي الإسباني، المعارض للتوجه الحكومي، ومعه مجموعة مِمَّن أسماهم "عقلاء" إسبانيا، يبقى طبيعياً بما أنه يدخل في إطار التجاذبات السياسية، مضيفاً أنهم محقّون في طرحهم مساندة المغرب على أساس أن مصالح بلادهم مرتبطة بمصالح المغرب، بعدما تضررت مجموعة من القطاعات الاقتصادية جراء الأزمات الأخيرة ومن ضمنها أزمة كوفيد19.
وفي سياق متصل يرى بنعيسى أن موقف الحزب الشعبي الإسباني يبقى عادياً، لأنه حزب ينتمي إلى المعارضة، ويسعى للضغط على الحكومة الإسبانية لتحقيق مكاسب شعبية، مضيفاً أنه لو كان في الحكومة لتبنّى الموقف الرسمي الحالي نفسه.

المهاجرون ضحية السياسة

بدا المشهد سوريالياً. جحافل على شاطئ البحر يقفون أمام الحواجز الفاصلة بين مدينتي سبتة والفنيدق، بملابس البحر، ينتظرون دورهم للسباحة، ليس طمعاً في الاستجمام أو الاستمتاع برمال شواطئ شمال المغرب، بل للـ"حْرِيِق" إلى إسبانيا كما يسمّي المغاربة ظاهرة الهجرة غير النظامية التي صارت نادرة في الأعوام الأخيرة، بعد توقيع المغرب اتفاقيات عدة مع الاتحاد الأوروبي تفرض عليه منع تدفّق المهاجرين، سواء المحليّين أو القادمين من دول جنوب الصحراء الأفريقية إلى جيب سبتة.
حسب تقديرات أولية أعلنت عنها سلطات سبتة، فإن ثمانية آلاف شخص، غالبيتهم مغاربة، وبينهم مواطنون من دول جنوب الصحراء، نساء ورجال، وضمنهم أكثر من 1500 قاصر، تحفّزوا للعبور إلى إسبانيا.

فبعد أن انتشر بين ساكني الشمال المغربي في الـ17 من أيار/مايو خَبَر تراجع السلطات المغربية عن زجر الحالمين بالعبور إلى مدينة سبتة سباحة، تحفّز آخرون "للرحيل"، وجاؤوا من مدن أخرى في الحافلات، أو مشياً على الأقدام، للهجرة إلى المدينة ومنها إلى أوروبا. ما دفع إسبانيا إلى إعلان حالة تأهب في المدينة.

انتقل رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى سبتة ليَعِدَ بعودة "النظام"، ونُشِر نحو ثمانية آلاف جندي لمنع تدفق المهاجرين، كما صرح أكثر من مسؤول أوروبي عن دعمه لإسبانيا من قبيل رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين التي غرّدت على تويتر معلنةً تضامن الاتحاد الأوروبي مع إسبانيا، مع إقامة علاقات مبنية على "الثقة المتبادلة" والالتزامات المشتركة.

لكن خلف التجاذبات السياسية يدفع المهاجرون الثمن غالياً. فمشاهد الرضّع على حافة الموت بسبب انخفاض درجة حرارتهم، والقاصرين الذين لم يغادروا زمن الطفولة، بملابس البحر محاطين بالجنود الإسبان، يتعرضون للتعنيف تارةً، وللمواساة من عناصر الصليب الأحمر تارةً أخرى، أثارت انتقادات من داخل المغرب لموقف السلطات المغربية، ورأوا فيه زجّاً بمواطنين مغاربة في معركة سياسية.

 وعلى الرغم من أن المغرب وافق على استعادة المئات من مواطنيه إلى بلادهم، فإن القانون الأوروبي يمنع على إسبانيا إعادة القاصرين، إلاّ إذا ما توصل البلدان إلى اتفاق، وتحاول الحكومة الإسبانية حاليا إيواء 200 قاصر في مدن إسبانية مختلفة. هكذا قد يظل مئات من اليافعين المغاربة، عالقين بين وهم الجنّة الأوروبية، وواقع مرير يعيشه المهاجرون باستمرار في أوروبا التي تصير يمينية وشعبوية أكثر فأكثر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard