أطباء بلا عطل ومرضى يعيشون على إيقاع الانتظار ... المستشفيات المغربية ضحية فيروس كورونا

الخميس 6 مايو 202105:25 م

يتصبب وجهه عرقا ويتحدث بصعوبة بالغة ويقف بالكاد وهو يتّكئ على كتف فتاة عشرينية في انتظار دوره ليدخل إلى غرفة الطبيب، هنا بقسم المستعجلات (الطوارئ) في المستشفى الجامعي ابن رشد في مدينة الدار البيضاء.

يشرع الحاج عبد الواحد في الحديث عمَّا أوصله إلى هنا، لكن الألم يمنعه عن إكمال جملته، فتنوب عنه ابنته كريمة لتحكي قصته لرصيف22: "لقد تعرض لحادثة سير خطيرة ويبدو أن ضلعه ويده كُسرا، فهو لا يستطيع تحريك الأخيرة ويقف بصعوبة بالغة".

تحاول وزارة الصحة المغربية أن تَظْهَر وكأنها ذلك "السوبرمان" الذي واجه فيروس كورونا بكل هدوء وقوة وحكمة. لكنّها في واقع الأمر تعاني من اختلالات جمّة.

حركة دؤوبة هنا بقسم الطوارئ. يقف المرضى وذووهم في طوابير في انتظار خروج ممرضة تضع كمامة ويبدو عليها التعب لتنادي على المريض المقبل. تستمر كريمة في حديثها لرصيف22 قائلة إنها تنتظر بمعية والدها لما يزيد عن ساعة: "في كل مرة أطلب من إحدى الممرضات تعجيل دوره لأنه وضعه خطير يكون الجواب واحدا: عليه انتظار دوره!" تضيف الشابة بحسرة.

المستشفى ضحية كوفيد

غير بعيد عن قسم العناية المخصص لمرضى كوفيد19، الذي مُنِعنا من دخوله بسبب الإجراءات الصحية، تَجِدُ وجوهَ المرضى عابسة بسبب طول الانتظار ويقابلها نفس العبوس على وجوه الممرضات والممرضين كذلك. تؤكد إحداهن في حديث مقتضب مع رصيف22 بصوت مخنوق بعد احتجاج أحد المرضى الذي لم يعد يطيق صبرا: "نفعل كل ما في جهدنا. لكننا من لحم ودم لذلك نتعب. يجب فهم أننا نحتاج لدقائق من الراحة بين الفينة والأخرى".

يوضح طبيب أربعيني (طلب عدم ذكر اسمه) لرصيف22 بأن وزارة الصحة تريد إظهار صورة غير حقيقية عن الوضع: "تحاول وزارة الصحة المغربية أن تظْهَر وكأنها ذلك 'السوبرمان' الذي واجه فيروس كورونا بكل هدوء وقوة وحكمة. لكنها في واقع الأمر تعاني من اختلالات جمّة ويجب على مسؤوليها أن يتعلموا درسا من الجائحة في تدبير المستشفيات". ويضيف بسخرية: "الطبيب المغربي ليس بساحر ليحقق أمنيات المرضى وخاصة في قسم المستعجلات. أحيانا لا نتوفر على المعدات وأحيانا أخرى حتى الطاقم الطبي من ممرضين غير متوفر، فكيف تطلبون من الطبيب أن يقوم بعمله؟ كأنك تطلب من الجندي أن يخوض الحرب وهو أعزل بلا سلاح".

قطاع الصحة في "العناية المركزة"

مع استمرار أزمة كوفيد19، تتزايد هشاشة أقسام الطوارئ والعناية المركزة، ويعاني مرضى مصابون بأمراض أخرى من حالة من عدم الاهتمام يصفونها "بالتهميش".

وبلغ عدد إصابات فيروس كورونا لحدود بداية شهر أيار/ مايو نصف مليون إصابة مؤكدة، وذلك وفق ما تؤكده بيانات وزارة الصحة المغربية. فيما تجاوز عدد الوفيات تسعة آلاف حالة ويقترب من عتبة عشرة آلاف.

تترتب عن الوضع الوبائي حالة من القلق لدى المرضى الذي يعانون من أمراض خطيرة مثل مريض آخر التقيناه، جاء إلى قسم الطوارئ بالدار البيضاء، بعدما ارتفع إيقاع دقات قلبه. يقول لرصيف22: "أعاني من مشكلة في القلب. وبسبب ضيق ذات اليد لم أجد إِلاّ قسم المستعجلات بالمستشفى العمومي لألجأ إليه، والحمد لله عاملوني باحترام رغم الضغط الذي يُوَاجهونه خلال هذه الفترة".

لكن الحظ الذي أسعفه، لا يسعف كثيرين يجدون أنفسهم أمام مشاكل أخرى تضاف إلى الضغط الذي على الطاقم الطبي. فالمعدات والأجهزة تتعطل أحيانا، في حين تنقص المواد الأساسية كالدعامات الحديدية المستعملة في الكسور، وأحيانا حتى الإبر والضمادات. عبد الواحد المصاب في حادثة سير لم يكن محظوظا، وبسبب عطل مؤقت في جهاز الأشعة، استغرقت زيارته لقسم المستعجلات أزيد من 5 ساعات، تقول ابنته وهي تغالب حسرتها: "ليس باليد حيلة. هذه هي مستشفياتنا العمومية، كل شيء فيها معطل وخارج الخدمة".

الطواقم الصحية غاضبة

هشام بحيري، طبيب مختص في طب الطوارئ وهو أيضا المدير السابق للمستشفى الجهوي مولاي عبد الله بمدينة سلا قرب العاصمة الرباط، قال إن وضعية "المستعجلات" بالمستشفيات المغربية وبعد عام تقريبا من استقبال مرضى كوفيد 19 تدفع إلى احتقان أكبر داخل المستشفيات المغربية: "فالأطباء والممرضون بلا عطل طيلة هذه المدة، والتعب النفسي بدأ يصل عند بعضهم لمستويات قياسية، خاصة بعد انتشار السلالة البريطانية المتحورة للفيروس في سبع جهات مغربية".

وكشف بحيري وهو أحد أعضاء "الجمعية المغربية لطب المستعجلات" لرصيف22 أن أغلب المستشفيات لا تتوفر على أطباء أخصائيين في أقسام الطوارئ، فمثلا مدينة سلا والتي يعيش فيها مليون و30 ألف مغربي تتوفر في مستشفاها الرئيسي على 9 أطباء يعملون في الطب العام و4 أخصائيين فقط، والرباط لا يوجد بها أخصائيون والدار البيضاء فيها أخصائيان اثنان فقط".

"كانت فترة رعب وجحيم، وجدنا أنفسنا أمام الخطر وكنا ملزمين على المواجهة رغم نقص المعدات ووسائل الوقاية"

ويردف بحيري "عدد الأخصائيين داخل أقسام الطوارئ بكافة المدن المغربية لا يتجاوز الخمسين، وأكثر من نصفهم يمارسون مهامهم في مستشفيات عسكرية وليست مدنية. لذلك وجب الاهتمام بهذا التخصص أكثر، خاصة أن الجائحة أثبتت أن المستشفيات تحتاج لهؤلاء الأطباء، فالجمعية كان لها دور كبير في تحضير البروتوكول المستعمل لعلاج مرضى فيروس كوفيد19 والذي أثبت نجاعته".

تعليق العطل والتعويضات الهزيلة ومطالب أخرى جعلت الممرضين وتقنيي الصحة في المستشفيات العمومية المغربية يخوضون في التاسع عشر من نوفمبر الماضي، إضرابا لمدة 48 ساعة بجميع المصالح الاستشفائية والوقائية باستثناء أقسام الطوارئ وأقسام كوفيد19، للمطالبة بتسوية أوضاعهم المادية، واحتجاجا على "غياب الحوار"، و"التنكيل" بهم في وقفة احتجاجية قبل ذلك، من طرف الوزارة الوصية.

حسب تقارير إعلامية مغربية متطابقة فإن عدد الأطباء المغاربة المهاجرين نحو الخارج بلغ إلى حدود سنة 2020 أزيد من 8000 طبيب

وتزامنا مع الإضراب نظم المئات منهم وقفات احتجاجية دعت إليها حركة الممرضين وتقنيي الصحة أمام المستشفيات ومديريات وزارة الصحة في العديد من المدن، متهمة الحكومة "بالاستمرار في تجاهل مطالبهم المشروعة، وتعنيف زملائهم في وقفة احتجاجية من طرف رجال الأمن، ومعبرين عن معاناتهم الكبيرة".

وفي نفس السياق، يحكي الطبيب الذي لم يرد الكشف عن هويته عن فترة توافد مرضى كوفيد19 بشكل كبير على المستشفيات: "كانت فترة رعب وجحيم، وجدنا أنفسنا أمام الخطر وكنا ملزمين على المواجهة رغم نقص المعدات ووسائل الوقاية. وحتى الدعم العائلي كنا نتلقاه عبر الهاتف. لقد غبت عن بيتي ولم أر أسرتي لأزيد من شهرين، وفي نهاية المطاف كان لا بد من الاحتجاج لنحصل على مستحقاتنا المالية".

ما يعانيه الأطباء والأطر شبه الطبية بالمستشفيات المغربية جعلت الكثير منهم يهاجر إلى الضفة الأخرى، فحسب تقارير إعلامية مغربية متطابقة فإن عدد الأطباء المغاربة المهاجرين خارج البلاد بلغ إلى حدود سنة 2020 أزيد من 8000 طبيب، بمعدل سنوي يقدر ب 300 طبيب، والطبيب الذي تحدثنا معه واحد منهم. بعد سنة من التفكير قرر الرحيل بدوره. يقول: "بعد كل هذا أصبحت أفكر جديا في الهجرة إلى بلد يحترم أطباءه".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard