الصحراء الغربية وليبيا وإرهابي سابق... أشواك في العلاقات المغربية الألمانية

الأربعاء 19 مايو 202103:56 م

يوماً بعد يوم، تُفرّق السبل بين الرباط وبرلين، كأن الصداقة المعلنة لسنين طويلة أضحت ذكرى. الرباط التي حصلت على دعم ألماني سخيّ طوال سنوات لمشاريع عديدة، كان آخرها توقيع اتفاقية مساعدات في كانون الأول/ ديسمبر بقيمة تبلغ 1.3 مليار يورو لمواجهة تداعيات أزمة كوفيد19، جافت برلين التي أصبحت "رهينة" غضب المملكة التي أعلنت معها قطيعة لم يسبق لها مثيل في العلاقات بين الدولتين.

وبعد أن أعلنت الرباط في آذار/ مارس الماضي قطع علاقاتها مع السفارة الألمانية في الرباط، والمنظمات الألمانية المانحة، بسبب ما عدّته "خلافات عميقة تهمُّ قضايا مصيرية" (لم تحددها)، خرجت وزارة الشؤون الخارجية المغربية ببلاغ شديد اللهجة، تعلن فيه استدعاء السفيرة المغربية في برلين للتشاور مطلع أيار/ مايو الجاري، وتوضح فيه ما صمتت عنه زمناً طويلاً، ووَصَفته بمراكمة ألمانيا "مواقف عدائية تنتهك المصالح العليا للمملكة المغربية".

جافت الرباط برلين التي أصبحت "رهينة" غضب المملكة التي أعلنت معها قطيعة لم يسبق لها مثيل في العلاقات بين الدولتين

وأفاد بيان الخارجية المغربية أنّ هذه "المواقف العدائية" تتمثّل في ثلاث نقاط خلافية أساسية؛ تكمن الأولى في موقف ألمانيا من قضية الصحراء الغربية. وذلك بعد دعوتها إلى اجتماع لمجلس الأمن حول ملف الصحراء عقب إعلان إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في كانون الثاني/ ديسمبر 2020 اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، المنطقة المتنازع عليها منذ عقود بين المغرب وجبهة بوليساريو المدعومة من الجزائر، ما عدّه المغرب "موقفاً خطيراً لم يتمّ تفسيره إلى الآن"، من قِبل السلطات الألمانية.

ويبدو أن الرباط لم تعد تتقبل أن تُسائلها قوى غربية بخصوص ملفات حقوق الإنسان العالقة في المملكة، والتي ترى الرباط أحياناً أنها تُستعمل للضغط عليها. غضب الخارجية المغربية بدا واضحاً من البيان الذي عبّر عن رفضه تعاون السلطات الألمانيّة مع مدانٍ سابق في المغرب بقضايا إرهاب يحمل جنسية البلدين. وقالت الخارجية المغربية إنّ السلطات الألمانية: "تعمل بتواطؤ مع مدانٍ سابق بارتكاب أعمال إرهابية، ولا سيما من خلال الكشف عن معلومات حساسة قدّمتها أجهزة الأمن المغربية إلى نظيرتها الألمانية".

ويتعلّق الأمر بمحمد حاجب وهو مواطن مغربي ألماني، سبق أن سُجن في قضية إرهاب، إذ أُدين بالسجن عشرة أعوام خُفّضت لاحقاً إلى خمسة، وعاد إلى ألمانيا بعد الإفراج عنه. واشتهر حاجب ببثّ فيديوهات على يوتيوب تتضمن انتقادات حادة للسلّطات المغربية وبخاصة أجهزتها الأمنية، وظروف التحقيق، واعتقال المدانين بملفات الإرهاب في المملكة.

بالإضافة إلى ذلك، عبّر المغرب عن غضبه من استبعاد برلين له من المؤتمر الذي انعقد العام الماضي، وحاول إيجاد مخارج للانقسام الليبي، والحد من دخول فاعلين دوليين ووكلائهم إلى صفّ الحرب الأهليّة الليبية.

ورأى بيان الخارجية المغربية أنّ هناك "محاربة مستمرة، ولا هوادة فيها للدور الإقليمي الذي يلعبه المغرب"، وتحديداً دوره في الملف الليبي، من خلال "محاولة استبعاد المملكة من دون مبرر من المشاركة في بعض الاجتماعات الإقليمية المخصصة لهذا الملف"، كتلك التي عُقدت في برلين. 

غضب الرباط، الذي لم تعلن عنه في حينه، يأتي بسبب دورها في تقريب وجهات النظر بين الفرقاء الليبيين خاصةً من خلال الحوار الليبي في الصخيرات (2015)، وبحكم أن المغرب يرى نفسه فاعلاً دبلوماسيّا قادراً على الوساطة بين أطراف النزاع الليبي، أقْصَته برلين من حساباتها "دون مبرّر" بحسب الموقف المغربي.

في المقابل، ارتأت ألمانيا اختيار تغليب الواقعية، وامتصاص الغضب المغربي، من دون الدّخول في مزايدات كلاميّة قد تزيد الوضع سوءاً. ووصفت وزارة الخارجية الألمانية قرار المملكة المغربية استدعاء سفيرتها في برلين للتشاور بـ"المؤسف"، و"غير العادي"، مشيرةً إلى أنّه يبقى "إجراءً غير مناسبٍ لأجل تسوية أزمة دبلوماسية"، كما صرحت متحدثة باسم الخارجية في برلين.

وتابعت المتحدثة في تصريح لوسائل الإعلام، أن الحكومة الفيدرالية الألمانية طالبت الجانب المغربي بتوضيحات حول سبب اتخاذ هذا الإجراء. كما قالت إن "الاتهامات وطبيعة الكلمات الواردة في بيان الخارجية المغربية لا تستند إلى أيّ أساس"، مضيفةً أن التطورات الأخيرة "مؤسفة لأن الحكومة الفيدرالية حاولت كثيراً أن تخلق حواراً بنّاءً".

السرّ في الصحراء

في تعليقه على تطوّرات العلاقات بين البلدين، قال الخبير المغربي في العلاقات الدولية، حسن بلوان إنّ الخطوة المغربية "تأتي بعد استنفاد جميع الطرق الدبلوماسية لثني ألمانيا عن مساعيها العدائية ضد المغرب خاصةً فيما يتعلق بملف الصحراء"، مشيراً إلى أن إجراء سحب السفيرة للتشاور يأتي "بفعل تراكمات كثيرة عدّها المغرب تصرفات عدائية ضده وضد وحدته الترابية ودوره الإقليمي، وهو ما كان سبباً في تجميد العلاقة مع سفارة ألمانيا في الرباط خلال شهر أذار/ مارس المنصرم".

وتابع المتحدّث في تصريح لرصيف22 أنّ "بلاغ الخارجية المغربية كان واضحاً وشديد اللهجة، وانتقل من التلميح إلى التصريح، ووضع النقاط على الحروف بذكره وتسميته أسباب هذا الإجراء الدبلوماسي. كما أن الخطوة تُعدّ رسالة مباشرة إلى ألمانيا مفادها أن المغرب لن يتوانى عن الدفاع عن حقوقه المشروعة خاصةً إذا تعلّق الأمر بالصحراء والسيادة المغربية".

من أسباب القطيعة الدبلوماسية بين المغرب وألمانيا، المعتقل السابق بقضايا إرهاب محمد حاجب الذي تقول الرباط إنه تلقى "معلومات حسّاسة" من الأجهزة الألمانية

وأضاف المتحدث أن البيان "استفاض في ذكر أسباب هذه الخطوة، وهي الموقف من قضية الصحراء خاصةً بعد الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية، ومحاولات تهميش دوره الإقليمي كفاعل في حل أزمات المنطقة خاصةً الملف الليبي، بعد رعايته لاتفاق الصخيرات سنة 2015، وملفات تخصّ الأمن في الصحراء والساحل، بالإضافة إلى احتضان أشخاص مناوئين للمغرب، حسب بيان الخارجية المغربية، وإفشاء معلومات سرّية قدمها المغرب في إطار التعاون الأمني والاستخباراتي".

ورأى بلوان أنّ لغة البيان تعكس الدينامية التي أطلقها المغرب من أجل طي نزاع الصحراء نهائياً، والتي تصطدم دائما مع ما وصفه بأنه: "استفزازات ألمانية، وذلك على مستويين، من خلال عرقلة جهود تفعيل القرار الأمريكي في الصحراء، بحكم الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وألمانيا وباقي الدول الأوروبية في عهد إدارة الرئيس الحالي جو بايدن، بالإضافة إلى تأثيرها على الاختراقات التي يسجلها المغرب في الاتحاد الأوروبي بحكم التأثير القوي لألمانيا على هذا التكتل الأوروبي الذي يبني سياسته الخارجية على الإجماع".

وتساند ألمانيا في هذا المجال القرارات الأممية في ما يخص الصحراء المتنازع عليها بين المغرب وجبهة بوليساريو المدعومة من الجزائر. إلاّ أن الرباط أصبحت أكثر حدة في علاقتها بالدّول التي ترسم سياسات الاتحاد الأوروبي خاصةً ألمانيا والجارة إسبانيا التي تستعمل ملف الصّحراء للضغط ما أمكنها على المغرب.

وأوضح بلوان أن معاكسة ألمانيا لتوجّه المغرب في هذا الملف الحيوي والمفصلي بالنسبة إلى المغاربة "شكّل منذ وقت طويل مصدر إزعاج وارتياب للدولة المغربية من التصرفات الألمانية وأهدافها، الأمر الذي دعا إلى اتخاذ هذه الخطوة الدبلوماسية المتمثلة في استدعاء السفيرة للتشاور".

وحول ما إذا كانت هذه المواقف الألمانية ترقى إلى مستوى قطع العلاقة مع سفارتها في الرباط واستدعاء السفيرة المغربية في برلين، أكد الخبير المغربي أنها لا ترقى إلى هذا المستوى، غير أنّ ألمانيا حسب المتحدّث ذاته "مُطالَبةٌ بإعادة النظر في تصرفّاتها ضد حليف إستراتيجي موثوق ويعوّل عليه بحجم المغرب، ولا غنى لألمانيا عن التعاون البنّاء على أساس المصالح المتبادلة، كما لا يمكنها ضمان تعاون أمني غرب المتوسط من دون المغرب، وحلّ مجموعة من الملفات الإقليمية الحساسة بمحاولات إقصائه ومعاكسة مصالحه الحيوية".

ملفات معقّدة

بدوره، يرى المحلل المختص في الشؤون الأمنية كريم عايش، أن الدبلوماسية المغربية عملت على إيقاف اتصالاتها مع السفارة الألمانية واستدعاء سفيرتها بالتوازي مع البلاغ شديد اللهجة، لبعث إشارات إلى حكومة برلين لتراجع مواقفها التي عدّتها عدائيةً، ومن بينها إقصاء المغرب عن استكمال مسار مفاوضات الملف الليبي، ونقلها من مدينة الصخيرات في المغرب، الذي نتجت عنه مخارج إيجابية في هذا الشأن، إلى برلين مع احتقار دور الرباط في الملف.

لم تقبل الرباط أن تُقصى عن مؤتمر برلين المخصص للملف الليبي، ورأت أن ألمانيا تقزّم دورها الإقليمي وتعرقل مساعيها من خلال مؤتمر الصخيرات للحوار الليبي

وتابع عايش في تصريح لرصيف22، أنّ المعطى الجديد الذي طفا على السطح، وزاد من تعقيد الوضع بين البلدين، هو ما يتعلّق بملف المغربي الألماني محمد حاجب المعتقل السابق بقضايا إرهاب، والذي رأى بلاغ الخارجية المغربية أنّ السلطات الألمانية تواطأت معه، وكشفت له عن معطيات قدّمتها الأجهزة الأمنية المغربية إلى نظيرتها الألمانية، وحذّرته من السفر بعد أن قدّم المغرب مذكرةً تطالب بتوقيفه من قِبل الإنتربول، كما أنها تتساهل بحسب زعم المتحدث "مع الدعوات الإرهابية التي يُطلقها، ودعواته إلى تنفيذ أعمال إرهابية في المغرب عبر فيديوهات على اليوتيوب".

وكان حاجب، حسب تقارير إعلامية مغربية بصدد الالتحاق بزوجته في إيرلندا، وطلبت منه المخابرات الألمانية عدم السفر بعدما كشفت له مضمون الأمر الدولي بتوقيفه الصادر عن السلطات المغربية، موردةً أن السلطات الألمانية أفشت "أسرار التعاون الاستخباراتي بين الدول في سابقة من نوعها لتمكين المتطرّف حاجب من عدم الملاحقة من قبل منظمة الشرطة الجنائية الدولية".

لكن إلى الآن تعالج ألمانيا الملف بتأنٍّ، ولم تعلّق على المؤاخذات المغربية، على الرغم من أنها كانت قد استفسرت من السفارة المغربية عن "الغضب المغربي". كما لم تُقدم برلين على سحب سفيرها من الرباط، وكأنها تريد أن تُظهر أنّ الأزمة الحالية، سحابة صيف عابرة في علاقاتها مع الرباط.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard