بينما هبّت فلسطين التاريخية... "وقفت السلطة الفلسطينية وإعلامها وقوف المتفرج"

الجمعة 21 مايو 202102:17 م

حُكم على الفلسطيني منذ بدء الهجرة اليهودية إلى فلسطين، أن يبذل دمه وجسده في سبيل استعادتها. وعليه، فإن مفهوم المقاومة الشعبية ليس دخيلاً، ولا جديداً على أبناء فلسطين. نتذكر ما قاله خليل السكاكيني في جريدة "الإقدام"، عن طبيعة التحدي الصهيوني: "على الشعب أن يكون واعياً أنه يمتلك أرضاً ولساناً، وإذا شئت أن تقتل شعباً ما، فاقطع لسانه، واحتل أرضه". وهذا يشبه ما يهتف به المتظاهرون حالياً: "اهتف اهتف علّي الصوت، واللي بيهتف ما بيموت".

بدأت المظاهرات في حي الشيخ جرّاح، وامتدت إلى الداخل الفلسطيني الذي كاد أن يحرر نفسه بنفسه، كما وصفه الشارع الفلسطيني. وبلغت ذروتها في 18 أيار/ مايو 2021، حين أعلن الداخل الفلسطيني يوم الثلاثاء الماضي، يوم إضراب في أرجاء فلسطين التاريخية كافةً من النهر إلى البحر، فضلاً عن انضمام الجولان السوري المحتل.

يوم الجمعة 21 أيار/ مايو، الساعة الثانية فجراً، احتفلت فلسطين بوقف العدوان الإسرائيلي على غزة من دون شروط، بناءً على اقتراح مصري. وكان القيادي في حركة حماس أسامة حمدان قد أعلن موعد بدء الهدنة، وقال إنهم حصلوا على ضمانات من الوسطاء لرفع يد الاحتلال عن حي الشيخ جرّاح، والمسجد الأقصى.

على الرغم من تفاوت الآراء، دعم معظم الشعب موقف المقاومة، وأكد بأنها الخيار الوحيد لاستعادة الأرض، لا اتفاقيات السلام والمحاكم الدولية. وانطلاقاً من هذا الإيمان بجدوى المقاومة الشعبية، حصلت المظاهرات التي امتدت طوال فترة العدوان على غزة، وحي الشيخ جرّاح. فكيف جرت المظاهرات في الضفة الغربية، وما هي آراء الشارع الفلسطيني فيها، ولماذا كانت مظاهرة يوم الثلاثاء، "يوم الإضراب"، من أكبر المظاهرات في تاريخ فلسطين منذ الإضراب العظيم عام 1936؟

"بعد أن بدأت أدوات النضال الشعبي بفقدان هويتها السياسية والوطنية، جاء هذا الإضراب كمراكمة طويلة لحالة الركود"

"عودة بعد تيه"

على صعيد رام الله، خرج آلاف الفلسطينيين في المظاهرة التي امتدت من المنارة حتى "بيت إيل"؛ منطقة التماس مع المحتل. وكانت أكبر مظاهرة منذ عام 2001. "عودة بعد تيه"؛ هكذا وصف أستاذ الإعلام في جامعة بير زيت معزّ منصور، المظاهرة التي ضمت آلاف الفلسطينيين في مدينة رام الله التي كانت خارج المشهد منذ بدء الأحداث، لأن السلطة الفلسطينية قمعت المتظاهرين، وضربت بعضهم حين خرجوا إلى الشارع قبل أيام من إعلان الإضراب احتجاجاً على الحكومة.

يقول محمد عاطف، أحد المشاركين في المظاهرة، لرصيف22: "فكرة هذا الإضراب تجلّت في توحيد أرض فلسطين، ولكنها ليست الفائدة الوحيدة مع أنها الأهم. فأي مظهر من مظاهر الاعتراض على وجود الاحتلال مبارك، واستشعار رام الله التي خرّبتها السلطة بكل ما تعنيه كلمة خراب من إفرازات دلالية، نستشعرها بما يحدث في الضفة وغزة والداخل والقرى والمخيمات من مواجهات، هو من نتائج هذه المظاهرات".

أما الكاتب والمؤرّخ الغزّي حسام أبو نصر الذي يسكن في رام الله، فيقول لرصيف22: "أعتقد أن هذه المظاهرات هي رفض طبيعي للعدوان الإسرائيلي المستمر على القدس وغزة، ولكن ما يميّز المظاهرات الحالية هو توحّد أبناء الشعب الفلسطيني من جميع مدنه وفصائله، على رفض الاحتلال ووجوب زواله. والاحتلال الإسرائيلي نفسه اعترف أنه فقد السيطرة على المظاهرات، خاصةً في اللدّ، وحيفا، ويافا، ومدن الداخل التي خرجت إلى الشوارع وهتفت لغزة".

ووصف رازي النابلسي مظاهرات رام الله، عبر صفحته على فيسبوك: "اليوم، وإحنا واقفين، لاقيت ناس بتوزّع ساندويشات، طلعوا أمهات بالبيوت ما أجوا على المُظاهرة، بس قرروا يعملوا ساندويشات للمتظاهرين. شو ممكن يكون أحلى من هيك؟ شو ممكن يكون أحلى من إنه الشعب، بعمل شو بقدر، كُل واحد من محله، وكُل واحد من قدراته. أمهات، بتقدرش توصل المُظاهرة، بعثت أكل لأولادها بالمُظاهرة، لكُل أولادها، لكُل أولاد هالبلد. بتعرفوا قدّيه كان عظيم؟".

ما يميّز المظاهرات التي حدثت، هو توحدها أمام قضية فلسطين، خاصةً مدن الداخل المحتل التي لم تشهد هبّة كهذه منذ أكثر من عشرين عاماً. لذا، فهي ليست مظاهرات عفوية، وإنما سببها القهر والكبت الذي عاشه الفلسطيني على مدار السنوات. وهذا ما أكده أنس حمد الله، أحد المتظاهرين، لرصيف22: "بعد أن بدأت أدوات النضال الشعبي بفقدان هويتها السياسية والوطنية، جاء هذا الإضراب كمراكمة طويلة لحالة الركود، وأعاد للنضال هويته. الشارع الآن يقوده الشباب في كل أماكن وجوده، والشباب يسجّل تاريخه النضالي الجديد من خلال هذه الإضرابات والمظاهرات، لذا أصبحت القيادات الكلاسيكية، والنخب المخملية، تركض خلف الشباب لا العكس".

الحكومة تبحث عن اتفاقات سلام جديدة

في 20 أيار/ مايو، استقبل الرئيس محمود عباس وزير الخارجية الألماني هايكو ماس، في مقر الرئاسة، تحت حراسة غير مسبوقة، في الوقت الذي كان يتظاهر فيه مئات الفلسطينيين في ميدان المنارة في رام الله، احتجاجاً على تصريحاته المؤيدة لإسرائيل في عدوانها على شعبنا.

إصرار عباس على الحل السلمي، وملاحقة إسرائيل في المحاكم الدولية، هو ما أثار حفيظة الفلسطينيين ودفعهم إلى مؤازرة المقاومة وحركة حماس في غزة. والحقيقة أن الحلول السلمية منذ الدولة العثمانية، وسايكس بيكو، وسان ريمو، وكامب ديفيد وصولاً إلى أوسلو وما بعدها، أثبتت فشلها الذريع، مقارنةً بالمقاومة العسكرية والشعبية.

"هذا الزخم من الشهداء والإضراب في كل فلسطين هو أيضاً دفعة مقدمة ضد كل من تسول له نفسه بعد ذلك للحديث عن "مفاوضات واتفاقات سلام"

كتب المحلل السياسي إبراهيم أبراش على صفحته عبر فيسبوك مجموعة من التساؤلات: "أين منظمة التحرير واللجنة التنفيذية ورئيسها؟ وهل ما زالوا يبحثون الأوضاع ليقرروا ما يعملون؟ أين حركة فتح ولجنتها المركزية الذين لم نعد نسمع لهم صوتاً، بينما كانت تصريحاتهم وتغريداتهم في أمور أقل شأناً مما يجري، لا تتوقف؟ أين الحكومة؟ وهل ما زالت تدرس الوضع؟ وما هي نتائج دراستها؟ وأين وزير الخارجية والسفارات؟ وهل عندهم أكثر من إحالة الملفات إلى محكمة الجنايات؟ أين الإعلام الرسمي وتلفزيون فلسطين الذي استمر لأيام يقف موقف المتفرج والمحايد، ولم يتحرك إلا بعد أن أصبحت بعض الفضائيات العربية، وخصوصاً قناة الجزيرة فلسطينيةً أكثر من تلفزيون فلسطين؟".

أكد أبراش أن السلطة فقدت قدرتها على قيادة الشعب الذي اتجه إلى موافقة قيادات أخرى، هي حماس والمقاومة التي أثبتت حضورها في الميدان. ولكن ما يعيب هذه القيادات هو اقتصارها على غزة. فالثورة الفلسطينية التي حدثت في جميع المناطق، والمدعّمة بالإضراب والالتفاف العربي، تحتاج إلى قيادة وطنية موحدة حتى لا يتم إجهاضها بهدنة أو بعودة إلى طاولة المفاوضات التي تقشَّر خشبها من فرط استعمالها.

"مساء الفساد والفشل السياسي"

تباينت ردود الفعل على مواقع التواصل، فكانت مشاعر الفخر بالوحدة من جهة، والسخط والسخرية من الحكومة من جهةٍ أخرى. فالمظاهرات التي حملت مشاعر الثورة والتمرد وحب الوطن، افتُقِد فيها الموقف المشرّف للقيادات الفلسطينية. كتبت سلام صبح عبر صفحتها على فيسبوك: "تأبى مقاطعة رام الله إلا أن نمسّي عليها بالفساد والفشل السياسي... يا عمي على الأقل أرفضوا استقبال وزير الخارجية الألماني عشان ما نظل نخوّن فيكم". كما علّقت إنعام العبيدي: "هذا الزخم من الشهداء والإضراب في كل فلسطين، هو أيضاً دفعة مقدمة ضد كل من تسوّل له نفسه بعد ذلك الحديث عن ‘مفاوضات واتفاقات سلام’ وما إلى ذلك من تفاهاتٍ سمّمتم بها الأجواء".

أما الجانب الإسرائيلي فقد عدّها هزيمةً كبرى، إذ جاء في صحيفة "يديعوت أحرنوت" أن عضو الكنيست عن حزب "الصهيونية الدينية" إيتمار بن غفير علّق قائلاً: "وقف إطلاق النار المخزي هو استسلام خطير لإرهاب حماس".

انتهى العدوان الإسرائيلي على غزة، بعد أن حصد أرواح مئات الشهداء، وآلاف الجرحى، ودمّر البنية التحتية والمناطق الحيوية، إلا أن المقاومة أثبتت نجاعتها، وبيّنت للملوّحين باتفاقيات السلام أن تاريخ فلسطين الذي سُلب بالدماء، لا يُسترد بالمفاوضات، والاختباء في المقرات السياسية.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard