فتور دبلوماسي أو تريّث مدروس... أين السفير الأمريكي في الرباط؟

الخميس 20 مايو 202102:27 م

مضت أربعة أشهر تقريباً، على مغادرة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب البيت الأبيض، وتولّي غريمه الديمقراطي جو بايدن مقاليد السلطة على رأس الولايات المتحدة الأمريكية، من دون أن تحدد الإدارة الجديدة ملامح طبيعة العلاقات الثنائية المستقبلية بين الولايات المتحدة وبين من تحب سفارتها في الرباط وصفه بـ"أقدم حليف عبر التاريخ".

وضع يفرض طرح مجموعة من التساؤلات حول مسار ومآل هذه العلاقة التي يبدو ظاهرها "فاتراً" نوعاً ما بالنظر إلى تأخّر الولايات المتحدة الأمريكية في تعيين سفير جديد لها، فضلاً عن ضبابية الموقف الأمريكي بخصوص ملف الصحراء الغربية، وعدم اتضاح الصورة بخصوص السياسة الخارجية لإدارة بايدن تجاه عدد من الدول من بينها المغرب.

تأخر تعيين سفير أمريكي في الرباط يثير التساؤلات. بين من يرى فيه عُرْفا، ومن يرى فيه بوادر فتور دبلوماسي

ومن المعلوم أن العلاقات المغربية الأمريكية شهدت خلال الأسابيع الأخيرة من ولاية الرئيس السابق ترامب تطورات كبيرة ومهمّة، خاصةً مع الاعتراف الأمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء، وما تلاه من زيارة وفد رفيع المستوى بقيادة مستشار ترامب وصهره جاريد كوشنير لحضور مراسم تطبيع العلاقات المغربية الإسرائيلية، ثم وفادة نائب وزير الخارجية المكلّف بشؤون شمال أفريقيا والشرق الأوسط ديفيد شينكر إلى مدينة الداخلة (جنوب المملكة)، برفقة السفير الأمريكي في الرباط وقتها، ومن ثم تفقد مكان بناء القنصلية الأمريكية التي تقرر إنشاؤها لأغراض اقتصادية... قبل أن يصبح المشروع محل تساؤل، كما الكثير من الأمور. ولعل أبرزها لماذا تأخّر تعيين سفير حتى الساعة في الرباط؟

تأخّر مقصود؟

تعيش العلاقة بين الدولتين في عهد الإدارة الجديد حالة من "الغموض" بالنسبة إلى بعض المراقبين، ذلك أنها لم ترقَ بعد إلى مرحلة تحديد موقف واضح من المستجدات الأخيرة المرتبطة بملف الصحراء، أو طرح اسم سفير جديد في المملكة من شأنه أن يتولى التمثيل الديبلوماسي الأمريكي خلفاً للسفير دافيد فيشر، الذي انتهت مهامه تماشياً مع التقاليد الدبلوماسية الأمريكية بمجرد حلول 20 كانون الثاني/ يناير 2021، يوم تنصيب الرئيس الأمريكي السادس والأربعين بايدن خلفاً لترامب، بحكم أنه سفير عُيّن بشكل سياسي وليس من طرف الخارجية الأمريكية، ويستقيل السفراء السياسيون مباشرة بعد رحيل الرؤساء الذين عيّنوهم.

تحاول الرباط بعث رسائل طمأنة بخصوص تأخر تعيين سفير أمريكي.  وأكد وزير الخارجية ناصر بوريطة أن المغرب والولايات المتحدة الأمريكية يجمعهما حوار سياسي إستراتيجي قوي وتعاون أمني

ولعل هذا التأخر في تعيين سفير جديد زاد من توجس المراقبين والمحللين بخصوص مستقبل العلاقة بين الدولتين، خاصةً بعد قيام الولايات المتحدة مؤخراً بتعيين سفراء جدد لدى بعض الدول، بما فيها الجزائر حيث عينت إليزابيث مور أوبين، وهو ما كانت له قراءة مغايرة لدى البعض، إذ رأوا أن الإدارة الأمريكية الجديدة تعطي الأولوية للجزائر مقابل ما عدّوه "حالة فتور دبلوماسي" مع المغرب.

مسألة تأخُّر تعيين سفير أمريكي في المغرب، هو في الحقيقة وضع لا يعدّ "سابقة أو استثناءً" على مر العقود الماضية، لعل الفترة الرئاسية لدونالد ترامب التي ظل فيها منصب السفير الأمريكي في المغرب شاغراً لما يزيد عن السنتين، هي الأقرب، وذلك بعد انتهاء مهام دوايت بوش عام 2017 على رأس السفارة الأمريكية في العاصمة الرباط، فيما لم تتم المصادقة على تعيين دافيد فيشر كسفير للولايات المتحدة الأمريكية في الرباط إلا في أواخر سنة 2019، قبل أن يصل في بداية العام 2020 بشكل رسمي لتولي المنصب.

ويتّبع الرؤساء الأمريكيون تقليداً معروفاً في مسألة تعيين السفراء الجدد من السلك الدبلوماسي الأمريكي، إذ يعمدون إلى تعيين عدد من السفراء الذين تدرّجوا في وزارة الخارجية الأمريكية، وعدد آخر من السفراء الذين يكمن تسميتهم بـ"السفراء السياسيين"، أي السفراء الذين لم يعملوا من قبل في وزارة الخارجية، ويقوم الرئيس الجديد بتعيينهم في إحدى السفارات الأمريكية في الخارج.

ويقول المستشار السياسي والدبلوماسي المقيم في واشطن سمير بنيس بهذا الخصوص إنه "تماشياً مع هذا التقليد، فإن 30 بالمئة من السفراء الجدد الذين يقوم الرئيس الأمريكي الجديد بتعيينهم يُعدّون من ‘المعينين السياسيين’، بينما النسبة الباقية يجري تعيينها من السلك الدبلوماسي".

وشدد بنيس في مقال مفصّل له يشرح فيه حيثيات تأخّر تعيين السفراء الأمريكيين على أن "الدول التي يقوم الرئيس الأمريكي بتعيين المقربين منه فيها، أو أولئك الذين أسهموا في حملته الانتخابية، هي الدول التي تُعدّ في الغالب دولاً محورية بالنسبة إلى واشنطن، والدول التي تتميز باستقرار سياسي واقتصادي".

وتحاول الرباط بعث رسائل طمأنة في هذا الخصوص، إذ قال وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، في حواره مع منظمة "أيباك" التي تُعدّ أقوى لوبي مدافع عن المصالح الإسرائيلية في أمريكا: "إن المغرب والولايات المتحدة الأمريكية يجمعهما حوار سياسي إستراتيجي قوي، ومهام عسكرية تنسيقية، بالإضافة إلى اتفاق التبادل التجاري الحر، إذ إن المغرب هو البلد الأفريقي الوحيد الذي يرتبط بالولايات المتحدة بهكذا اتفاق".

وأضاف بوريطة أن المغرب يُعدّ أيضاً حليفاً مهماً للولايات المتحدة خارج "حلف الناتو"، وتجمعه بها اتفاقيات تعاون عسكرية، وتنسيق في مجال محاربة الإرهاب، وعليه فهي "علاقة متجذرة ومتكيفة"، حسب تصريح وزير الخارجية المغربي.

وعلى غرار تصريح بوريطة، شدد الخبير في العلاقات الدولية حسن بلوان، على أن العلاقات المغربية الأمريكية دائماً ما توصف بالمتينة، وهو الثابت غير القابل للتغيّر، وذلك لمجموعة من الأسباب لعل أهمها بحسب المحلل السياسي هو "التنسيق المشترك الاقتصادي والسياسي والأمني".

وزاد بلوان في تصريحه لرصيف22 أنه وبالإضافة إلى ما سبق، فالمثير هذه السنة هو "القيام بعدد من المناورات العسكرية التي لم يسبق لها مثيل، والتي من المرتقب أن تشمل أيضاً منطقة الصحراء. وعليه فبالنسبة للإدارة الأمريكية المغرب حليف إستراتيجي من خارج حلف الناتو، ومتقدم على جميع بلدان المنطقة".

وعلى الرغم من التنسيق الأمني والعسكري الذي ستترتب عليه إقامة مناورات عسكرية منها "الأسد الأفريقي" التي ستقام في حزيران/يونيو، بالإضافة إلى "مصافحة البرق" البحرية التي أُقيمت في آذار/ مارس الماضي، فإن هناك تذبذباً في الرؤية السياسية لدى الإدارة الديمقراطية. لكن هذا لا يمنع القول بحسب الخبير في العلاقات الدولية، إن "السيناريوهات التي كان يرجوها خصوم المغرب لم تصل مع هذه الإدارة إلى القطيعة، ولكن ما زال الموقف الأمريكي مخيباً للآمال بالنسبة للمغرب في ما يتعلق بهذه القضية. أما على مستوى الشراكة فهي مستمرة".

خلاف لا يفسد الودّ

غالبية المحللين المغاربة تذهب إلى أن تريّث إدارة بايدن في إبداء موقف واضح من الملفات الحيوية للمغرب، يعود إلى ملفات أهم مطروحة على طاولة إدارة بايدن، سواء صراعاته الدولية والتجارية مع الصين وروسيا في مناطق مختلفة، أو ملفات تطورت إلى أزمات عسكرية وإنسانية معقدة كما اليمن. وهو ما يدفع أستاذ القانون الدولي بجامعة محمد الخامس في الرباط، تاج الدين الحسيني، إلى أن يرفض عدّ تأخر الولايات المتحدة الأمريكية في تعيين سفير لها في المغرب، مؤشراً سلبياً يدلّ على فتور العلاقة الدبلوماسية بين البلدين، مشدداً على أن أمريكا تعْمدُ عن قصد إلى التأخير في ما يخص الدول المهمّة لها، كونها تنتظر حتى تختار الشخصية المناسبة". ولفت الحسيني في حديثه مع رصيف22 إلى أن "المغرب دائماً ما كان يحظى هو الآخر بهذه الخصوصية على مَرّ التاريخ، فالولايات المتحدة الأمريكية تتريّث مطولاً قبل أن تستقر على سفير مناسب".

أما بخصوص حالة التذبذب والغموض الطارئة على العلاقة بين البلدين في الآونة الأخيرة، فيرى أستاذ العلوم السياسيّة المغربي أنها "منتظرة" من طرف الإدارة الديمقراطية، لأن الحزب معروف بتحفظه في ما يخص كل القضايا المرتبطة بتقرير المصير، والمسائل المرتبطة بالشعوب والديمقراطية والحرية، مشيراً إلى أن "هذه القضايا بالذات لديهم حساسية تجاهها، ويتحفّظون تالياً عليها".

وإلى جانب ما سبق يرى الحسيني أن "الإدارة الجديدة والحزب الديمقراطي على العموم دائماً ما يحاولون الإمساك بالعصا من الوسط في العلاقة مع الدول الجارة التي تربطها بالولايات المتحدة علاقة متكافئة. وبالنسبة إلى المغرب والجزائر، وإن كان الأول صديقاً تقليدياً، لكن تربط الولايات المتحدة بالجزائر مصالح مادية هامّة في ما يخص المواد الطاقية كالغاز والبترول، إلى جانب الاستثمارات الأمريكية فيها".

حليف دائم

واستحضر الأستاذ في جامعة عبد المالك السعدي، محمد العمراني بوخبزة من جهته، العلاقات الثنائية بين المغرب والولايات المتحدة، وهي "قديمة جداً"، ويقول إنه "لم يسبق أن عرفت حالة فتور، أو شابتها تقلبات أثّرت على طبيعتها".

وقال بوخبزة في تصريحه لرصيف22، إن حالة التوافق التاريخي بين الدولتين "لا تعني أنه في العقود الأخيرة كان هناك عمل جاد لأجل بناء علاقة بشكل مغاير ومختلف"، مشيراً إلى أن "هناك مؤسسات وعمل مشترك حول برامج مهمّة، كما هناك اعتماد أمريكي على المغرب في عدد من القضايا لأنه يُعدّ شريكاً موثوقاً".

وشدّد على أن "ما لا يمكن إغفاله هو أن العلاقات الخارجية الأمريكية مرتبطة بمراكز الدراسات التي تحفّز العلاقات الخارجية للبلاد، والمعلوم أن الإدارة الأمريكية مرتبطة بمجموعة من المؤسسات التي تؤثّر على القرار الخارجي الأمريكي، خاصةً الجماعات الضاغطة التي تشتغل بشكل عالمي، ومعلوم أن للمغرب علاقات مهمة مع هذه الجماعات".

واستبعد المحلل السياسي والخبير في العلاقات الدولية "إمكانية تراجع الإدارة الأمريكية عن قراراتها الأخيرة المرتبطة بملف الصحراء، بحكم أن بايدن هو الآخر لديه علاقات سابقة مع المغرب، ويعرف المملكة وكم هي شريك موثوق، وأن المغرب من الدول الثابتة في مواقفها السياسية". ثم إن هذه الإدارة بحسب بوخبزة "لا يُتوقع أن يكون لها نوع من التوجس أو الحيطة والحذر من تقلبات القرارات الخارجية المغربية، ولا أظن أنها قد تغير شيئاً في تعاملها أو مواقفها". فهل يكون السفير المستقبلي، ولو تأخّر، كما يقول المثل الفرنسي، "الكرزة على الحلوى"، التي تعيد طَعْم الساعات الأخيرة من إدارة ترامب؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard