أنا سمراء وجميلة... مغربيات يقاومن العنصرية

الاثنين 26 أبريل 202104:26 م

"نظراتهم تشعرني بأني قبيحة المظهر ومستهجَنة. كلماتهم تهمس في أذني بأن نظرتهم لي دونية تكتنز حقدا دفينا بدون مبررات، يصفونني بالقبيحة، "العَزِّيَة" (السوداء)، وتعابير أخرى أقل ما يمكن أن أقول عنها إنها جارحة، وضاربة في احتقار الآخر، لا لشيء إلا لأنني مختلفة، نعم لأني سمراء البشرة". كانت هذه كلمات أطلعتنا عليها الشابة بسمة متوكل التي تبلغ من العمر 26 سنة. بسمة شابة ناجحة في مسارها الدراسي وتتابع تكوينها الأكاديمي بسلك الدكتوراه تخصص علم الاجتماع. لكن المشكلة التي تؤرقها منذ الطفولة هي التمييز الذي تتعرض له بسبب بشرتها السمراء.

تمكنت مثل قريناتها من الشابات المغربيات من تحقيق نجاحات مهمة في مسارها الدراسي، لكن لم تسلم من العنصرية والتمييز والتنمر بسبب لون بشرتها. اللقاء مع هذه الشابة الطموحة كان سلسا فياضا بالحديث بعيدا عن أية قيود تذكر، فكونها كانت على حد تعبيرها "حقلا خصبا لممارسة مختلف أشكال الاستهجان والاحتقار من طرف الآخر"، فهي لم تجد صعوبة في التعبير عن المشاعر التي خالجت صدرها حينما تذكر التجارب السلبية التي كانت عرضة لها بلا حسيب ولا رقيب.

واقع يومي وفي كل مكان 

تقول بسمة إن ما عمق حزنها، وشعورها بالتمييز هو أنها لم تتعرض للعنصرية في الشارع أو المدرسة فحسب، بل تعرضت لها أيضا في الوسط العائلي. تحكي أنها ذات يوم استقبلت ضيفة زارتهم بغتة في بيتهم الصغير، فلم تتوان لحظة في إظهار أشكال الترحاب والكرم الذي تتميز به الأسرة المغربية. زينت مائدة الأكل بما لذ وطاب واستقبلت السيدة بطريقة لاقت استحسانها. إلا أن الشابة وجدت نفسها في نهاية المطاف أمام أسئلة محرجة طرحتها الضيفة: "متى ستجدين زوجك المستقبلي؟ لا أظن أن هذا الزوج المزعوم سيكون معك كريما في المهر، بكل بساطة لأنك شديدة السواد". حينها شعرت الشابة بجرح عميق لم تفلح الأيام في تضميده حتى اليوم.

بعينين منكسرتين ويدين ترتجفان كانت بسمة وفية في نقل هذا الشعور الذي وصفته بالمؤلم، قالت إنها شعرت حينها بالاغتراب وسط أهل أشعروها بالتنكر والاستهجان، ودونت في مذكراتها: "لولا السيطرة على مشاعري أوشكت على الصراخ والبوح بصوت عال: أيها العالم كفاك أن تتلذذ بالتجريح والتنكيل بي، فأنا بريئة وسواد البشرة لم يكن يوما جرما حتى يكتب عليّ الدهر أن أحاكم بسببه".   

تقول بسمة في تصريحها لرصيف22 إن التجارب التي مرت منها جعلتها توقن أن المغرب يعد من أكثر البلدان التي تعيش على وقع العنصرية والتمييز بسبب سواد البشرة، لكن قلما نصادف أصواتا تناهض هذه السلوكيات التي تصفها بالهجينة.

تعرضت بسمة للعديد من المواقف الجارحة في طفولتها، لكن الأمر الذي آلمها بشكل أعمق هو أن المجتمع يعتبر الأمر عاديا ولا يصنف هذه التصرفات في خانة الجرائم المنبوذة. لهذا السبب وجدت نفسها أصبحت محبة للكتابة، فقررت إصدار روايتها التي تتحدث عن الاضطهاد الذي  تتعرض له فئة سود البشرة في المغرب، الرواية ستحمل عنوان "سمراء...لكن جميلة"، وهي حاليا تضع اللمسات الأخيرة عليها قبل الخروج إلى سوق القراء.

تلقيب شخص بـ"كَحْلُوش" أو "عزي" (أسود) أمر مهين لكرامته الإنسانية وليس أمرا هينا. نساء مغربيات يعانين التنمر بسبب لون بشرتهن

في هذه الرواية ستنطلق الشابة من تجارب عاشتها، ومجموعة من المواقف التي تعرضت خلالها للتمييز والإساءة داخل المجتمع، سواء المدرسة أو الشارع وكذلك مقرات العمل المختلفة، وفي الوقت ذاته ستخصص جانبا مهما للحديث عن النجاحات التي حققها أبطال هذه القصص رغم ما لحق بهم من أذى وتنكيل. كما أنها ستخصص حيزا للحديث عن المعجمين العربي والأمازيغي ومجموعة من العبارات الجارحة في حق أشخاص هم من ذوي سود البشرة، ونجد من قبيل هذه العبارات "حَرْطَانِي" وأيضا "عزي".

غير أن الأمر الذي تريد بسمة التركيز عليه في روايتها أكثر، هو التساهل "الفظيع" الذي يتعامل به المجتمع المغربي مع العنصرية ضد سود البشرة، فهي تؤكد على أن تلقيب شخص بـ"كَحْلُوش" أو "عزي" أمر مهين لكرامته الإنسانية وليس أمرا هينا، ما يستدعي بحسبها التعبير بمختلف أشكال الرفض الممكنة اتجاه هذا "التواطؤ المجتمعي المغربي اتجاه العنصرية الممارسة علينا".  

كما تشير الشابة إلى أشكال أخرى من العنصرية، من قبيل رفض مجموعة من الأسر المغربية تزويج أبنائها أو بناتها بأشخاص سود البشرة، خصوصا وأن هذه المسألة تتجاوز الحالات المعدودة إلى ظاهرة مترسخة في الجهة الجنوبية من المغرب، التي تقيم اعتبارا كبيرا للفوارق بين الطرفين من حيث درجة سواد البشرة، أكثر من ذلك فبعض الأسر تمارس هذا التمييز حتى في مقابرها، فمثلا هناك بعض الأسر في الجنوب التي ترفض رفضا باتا دفن موتاها في مقبرة يتواجد بها موتى سود.

صمت عن واقع قاتم

حينما نصادف موضوعا لا يقتصر على حالات معزولة بل هو ظاهرة تنتشر في المجتمع، فالعرف السليم يفرض الرجوع إلى الدراسات الأكاديمية، والأبحاث الميدانية التي أجريت بخصوص هذه المواضيع بهدف تحقيق فهم سليم ومتكامل حولها. غير أن ما يلفت الانتباه ويبدو محيرا هو افتقار المكتبة المغربية لدراسات محكمة تدلو بدلوها في الأسباب التي تمثل وراء انتشار ظاهرة التنمر ضد سود البشرة. في الصدد ذاته نصادف بعض الدراسات المحتشمة التي تناولت بعض حيثيات الموضوع، من قبيل الباحث في علم الاجتماع ياسين أسني الذي أعد دراسة ميدانية حول "وضع المرأة السوداء في المغرب بين وصمي اللون والنوع الاجتماعي"، إذ تعتبر من أبرز الدراسات التي قدمت نتائج ملموسة ارتباطا بموضوع العنصرية ضد السود في المغرب.

من أبرز المحاور والأفكار البارزة التي وقف عندها الباحث هي نوعية السلوكات العنصرية التي تتعرض لها المرأة، مبرزا أن المرأة المغربية لا تتعرض للعنصرية في شقها المتعلق بسواد البشرة بشكل منهجي ومؤسساتي، بل غالبا ما تقع ضحية لعنصرية عفوية، لكنها مترسخة في المخيال الجمعي، تظهر بشكل جلي من خلال كلمات إعلامية وأخرى سينمائية تروج لها وسائل تواصل مختلفة، كما يشير الباحث في هذه الدراسة إلى أنه بالرغم من أن المرأة السمراء تجمعها قواسم مشتركة متعددة مع الرجل الذي يعاني هو أيضا من التمييز بسب سواد البشرة، غير أن معاناة المرأة تظل مضاعفة خصوصا وأنها تدفع الثمن أولا لأنها امرأة  في مجتمع عربي ذكوري محض، وتدفع الثمن لأن بشرتها سمراء. 

ومن ثم خلص الباحث إلى أن المرأة تعاني من النظرة الذكورية لأن الرجل يسعى إلى إخضاعها للسلطة الذكورية، معتبرا أنها جسد وجب حجبه وفق معايير يسطرها الزوج والأخ والأب في المجتمع العربي، إضافة إلى المعاناة التي تنضاف بحكم سواد بشرتها الأمر الذي يجعلها عرضة للعديد من السلوكيات العنيفة بحكم معياري النوع واللون.

مقابل الفتور العلمي الذي يلف الموضوع من حيث الدراسات العلمية والأبحاث الأكاديمية المنجزة بالعربية نجد عدة أبحاث بلغات أجنبية لمؤرخين وعلماء اجتمعاء مغاربة عملوا بشكل كبير على الموضوع،  من قبيل شوقي الهامل في كتابه "المغرب الأسود، تاريخ العبودية، العرق، الإسلام" (باللإنجليزية وغير مترجم إلى العربية)، أو أعمال عمر بوم عن المسألة العرقية والدينية في المغرب، وهما معا أستاذان في جامعات أمريكية.

"أنا سمراء وجميلة". صرخة شابة مغربية ضد كل أشكال التنمر  والتمييز التي تتعرض لها النساء سوداوات البشرة

بالمقابل نجد أن الجمعيات الحقوقية وخصوصا النسائية لا تولي أهمية كبرى للعنصرية التي تتعرض لها المرأة المغربية السمراء. على العكس نلاحظ أن هذه الجمعيات تتحرك مرارا حينما يتعلق الأمر بعنصرية اتجاه أحد المهاجرين، أو إحدى المهاجرات الإفريقيات الوافدات من الدول المجاورة، الأمر الذي يدفعنا إلى أن نثير أكثر من تساؤل حول تصور المغاربة لمسألة اللون، وهل سواد البشرة مرتبط دوما بالأجنبي والغير، رغم أن جزءا كبيرا من المجتمع المغربي أسود البشرة، مثل القبائل الأمازيغية المحلية أو الذين استقرت عائلاتهم في المغرب منذ قرون بسبب تاريخ  الإسلام والتجارة والعبودية والارتباط الوثيق للممالك المغربية القديمة بإفريقيا جنوب الصحراء.

حملات افتراضية لمناهضة العنصرية

في السياق ذاته وسعيا للحد من ممارسات عنصرية ضد النساء المغربيات ذوات البشرة السمراء، اجتاح في الفترة السابقة هاشتاغ "أنا ماشي عزية" (لستُ سوداء) على المنصات الرقمية، كشكل من الأشكال التعبيرية المناهضة للاضطهاد الذي تتعرض له هذه الفئة من النساء، وتهدف هذه الحملة الالكترونية التي أطلقتها مجموعة من الشابات كن ضحايا العنصرية، إلى مناهضة الصور النمطية عن سواد البشرة.

تعززت هذه الصفحة من خلال انضمام العديد من الفتيات اللواتي كانت لهن تجارب مع العنصرية، والسبب هو لون بشرتهن، فتم تطوير محتوى الصفحة من خلال نشرهن لصورهن ومقاطع فيديو يطالبن من خلالها باحترام الاختلاف والحد من التهكم على الآخر بسبب سواد بشرته.

هذه الحملة النسائية، جاءت لتكمل مجموعة من المبادرات التي نظمت في السنوات الأخيرة، منها "أنا ماشي عزي" التي أطلقتها منظمة "كاديم" وهي جماعة مناهضة العنصرية ومرافقة الأجانب، وخصصت لمسألة العنصرية التي يتعرض لها مهاجرون منحدرون من دول جنوب الصحراء، وحملة رجالية لمغاربة بدورهم يعانون من التمييز بسبب لون بشرتهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard