في المغرب... مظاهرة افتراضية ضد "الانتقام الإباحي"

الأربعاء 3 فبراير 202108:36 م

لم تكن هناء. أ تتوقع أن تتحول حياتها إلى جحيم بعد خمس سنوات من موعد غرامي مع حبيبها السابق. ما كان يفترض أنه لحظات حميمية بعيدة عن الأعين تعود إلى عام 2015، تحول إلى فيديو سجله شريكها الجنسي حينها، قبل أن ينشره من دون موافقتها عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي والمواقع الإباحية في كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

 

بعد أسابيع من الحادث، امتلأت صفحات مئات رواد فيسبوك وباقي الشبكات الاجتماعية بصورة على خلفية حمراء تحمل هاشتاغ " #STOP 490" استجابة لنداء حركة "خارجات عن القانون" التي تدعو إلى إسقاط "المادة 490" من القانون الجنائي المغربي، وهي مادة تجرم العلاقات الجنسية الرضائية بين البالغين، في ما أطلق عليه "اعتصام افتراضي".


وفي بيان، نددت الحركة باعتقال "هناء الأم لطفلين والتي تعيش وضعاً اجتماعياً هشاً" وأدخلت السجن بدل الدفاع عنها كضحية، ليتساءل أعضاء الحركة: "ما الذي يدور في أذهان أولئك الذين من المفترض أن يقيموا العدالة عندما يختارون بدلاً من حماية هناء، مقاضاتها والحكم عليها بمقتضيات الفصل 490؟".


أضافت الحركة، التي وقّع على بيانها التأسيسي أكثر من 10 آلاف شخص، أن المظاهرة الرقمية تأتي لمساندة المرأة التي خرجت من السجن المحلي لمدينة تطوان، في 3 شباط/ فبراير، وينتظر أن تتقدم بطلب استئناف للحكم بدعم من حقوقيين ومحامين.


واستغرب الائتلاف، الذي ينظم حملات دورية على شبكات التواصل الاجتماعي للتوعية بضرورة حماية حقوق الأفراد من خلال تعديل القوانين العقابية وبالترافع أمام المؤسسات العمومية (نيابة عامة، وبرلمان، ووزارات… إلخ)، استعمال المادة القانونية في متابعة الشابة هناء.

نداء حركة "خارجات عن القانون" يدعو إلى إسقاط "المادة 490" من القانون الجنائي المغربي، وهي مادة تجرم العلاقات الجنسية الرضائية بين البالغين في ما أطلق عليه "اعتصام افتراضي" #المغرب

عوضاً عن حماية حقها في الخصوصية - خصوصية الصورة - وفي الحفاظ على حياتها الشخصية كضحية للانتقام الإباحي أو Revenge porn انبرى القضاء لمعاقبتها، في حين لم يُساءل شريكها السابق الذي يعيش خارج المغرب بأي حال.


شدد البيان أيضاً: "من المفترض في القانون المغربي أن يحمي الضحايا مثل هناء وليس معاقبتهم". فبدل اللجوء إلى الفصل 448-1 من القانون الجنائي الذي "يعاقب على الاستغلال الجنسي لأغراض إباحية بالسجن من خمس إلى 10 سنوات والفصل 447-1 الذي يعاقب على نشر مقاطع فيديو خاصة دون موافقة الشخص المعني من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات سجناً" استُعمِل الفصل 490 ليزيد من المتاعب النفسية والاجتماعية للضحية.


وتنص المادة 490 من القانون الجنائي المغربي على أن "كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة فساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر إلى سنة".


انتقام جنسي و"مآرب أخرى"

وتدافع المنظمات الحقوقية عن ضرورة إلغاء المادة التي يقول الفاعلون الحقوقيون إنها تستعمل أحياناً في قضايا يتابع فيها ناشطون وصحافيون وتستغلها بعض "المواقع الإعلامية" المقربة من السلطات لتصفية الحسابات مع كثير من الناشطين في السنوات الأخيرة.


وكانت حركة خارجات وخارجون عن القانون قد تشكلت في أعقاب قضية اعتقال الصحافية المغربية هاجر الريسوني. ونُشر نص وقّعه 490 شخصاً في جريدة "لوموند" الفرنسية يطالب بإلغاء المادة. وبعد حملة تضامن محلية ودولية واسعة جراء الحكم عليها بموجبه أُفرج عنها بعفو ملكي هي وخطيبها الذي اعتقل بنفس التهمة.

عوضاً عن حماية حقّ هناء في الخصوصية وفي الحفاظ على حياتها الشخصية كضحية للانتقام الإباحي أو Revenge porn، انبرى القضاء المغربي لمعاقبتها، في حين لم يُساءل شريكها السابق الذي يعيش خارج #المغرب بأي حال

أعطاب النظام القضائي الذي يجرم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، يمتد إلى جزء كبير من المجتمع ويضع مواطنات مغربيات وأحياناً رجالاً في موضع المتهم والمذنب بسبب أنهم يعيشون حرياتهم الشخصية، قبل أن يتحول الشريك إلى عدو يستغل الصور الجنسية للانتقام. وأحياناً، تعيش الضحايا الصمت والخوف من الفضيحة فلا تقدم شكوى ضد من نشر صورها الحميمية، خاصة في أوساط النساء اللواتي يعتبرن الطرف الضعيف في المعادلة.


ومن الدوافع التي أدت إلى انتشار قضية هناء هو أن "الصحافة الصفراء" تلقفت التسجيل لتجعل منه قضية رأي عام، ضاعف من الجانب الفضائحي فيها أن المرأة تضع "الحجاب" وأن أحداثها وقعت في مدينة تطوان الصغيرة المُحافِظة (شمال المغرب).


تعقبت الأجهزة الأمنية المرأة التي تظهر في الفيديو ولُقِّبَت بـ"مولات الخمار" (أي المرأة التي تضع الحجاب) قبل أن تعتقل ويُحكم عليها بشهر سجناً في 14 من كانون الثاني/ يناير الماضي. وتقول تقارير إعلامية إن الأمن المغربي نشر مذكرة توقيف دولية في حق الشخص الذي صورها.


حملة مساندة الأم العزباء التي أطلق عليها "اعتصام افتراضي" ساندها كثيرون من ضمنهم البرلماني اليساري عمر بلافريج والممثلة لبنى أبيضار، اللذين نشرا الصورة بدورهما.

أعطاب النظام القضائي الذي يجرم العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، يمتد إلى جزء كبير من المجتمع ويضع مواطنات مغربيات وأحياناً رجالاً في موضع المتهم والمذنب بسبب أنهم يعيشون حرياتهم الشخصية، قبل أن يتحول الشريك إلى عدو يستغل الصور الجنسية للانتقام

ويقول الناشطون إن من يتابَعون بالقانون يكونون ضحايا لاستغلال جنسي ولعدالة عقابية لا تولي أي اهتمام للوضع الاجتماعي لمن يساقون إلى المحاكمة خاصة في الأوساط الشعبية التي لا تصل قضاياها إلى وسائل الإعلام. ويجد المعتقلون أنفسهم عزل أمام مواد قانونية صارمة تدخل الكثير منهم إلى السجون ودائرة الخزي الاجتماعي.


كريمة نادر عضو "ائتلاف 490" وحركة خارجات عن القانون التي انتقلت إلى مدينة تطوان لمساندة الشابة المعتقلة لحظة خروجها من السجن، ضمن وفد حقوقي، قالت إن هناء "كانت ضحية للتشهير ولقوانين سالبة للحريات تحاكم النساء والشباب في وضعية هشة على علاقاتهم وحميميتهم وأشياء لم يرتكبوها عن وعي (بالقانون)".


وتابعت: "هناء قضت شهراً في السجن وهي في وضع نفسي صعب جداً بسبب مصير ابنيها... هي أم لطفلين يعجزان عن الذهاب إلى المدرسة أو الخروج إلى الحي لأنهما أصبحا مثار سخرية من الجميع وعرضة للشتائم بسبب ما تعرضت لهم أمهما".


ويهدف ناشطون من الحركة ومن منظمات مدنية أخرى إلى استئناف الحكم، كي تستطيع المرأة العيش دون عواقب حكم قانوني لن يؤدي إلا إلى تعميق مشاكلها الاجتماعية. وأيضاً إلى الترافع في المستقبل لإلغاء كل العقوبات القانونية التي تجعل جزءاً من المغاربة "مجرمين إلى أن يتغير القانون".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard