"بلادي وإن جارت عليّ عزيزة"... حكايات العودة لمستثمرين يمنيين من السعودية

الأحد 25 أبريل 202105:33 م

على وقع أزمة إنسانية وظروف اقتصادية قاسية يعود الآلاف من المغتربين اليمنيين إلى بلادهم، بعد أن ضاقت بهم سبل العيش عقب الشروط والإجراءات الجديدة لسوق العمل في المملكة العربية السعودية، وبعد ترحيل آلاف آخرين ممن يعملون بشكل غير رسمي.

خلال السنوات الماضية فرضت السلطات السعودية على العمالة اليمنية رسوماً سنوية باهظة، تماماً مثل غيرهم من الجاليات الأجنبية، العربية والآسيوية، أثقلت كاهل مغتربين يمنيين، وانعكست سلباً على حياتهم المعيشية، بالإضافة إلى سعودة غالبية المهن، خصوصاً محالّ الملابس النسائية، والعطور، وأدوات التجميل، والإكسسوارات، والتي باتت تعمل بها نساء سعوديات، ليؤثر مئات المغتربين العودة إلى اليمن.

ومع دخول الحرب في اليمن عامها السابع، تشكل عودة المغتربين عبئاً على الاقتصاد اليمني المنهار أساساً، ووفقاً للأمم المتحدة فإن نحو 50 ألف شخص يعيشون حالياً في ظروف تشبه المجاعة، ويشتد الجوع في المناطق المتضررة من الصراع، ويحتاج ما يقرب من 21 مليون شخص، أي أكثر من 66% من إجمالي عدد السكان، إلى مساعدات إنسانية وحماية.

"عودة المغتربين"

بعد غربة استمرت نحو 10 سنوات في المملكة العربية السعودية، عاد أبو حمزة (40 عاماً) إلى اليمن العام الماضي 2020 على غرار الآلاف من المغتربين.

وقد غادر أبو حمزة اليمن في عام 2010، والأوضاع آنذاك كانت مستقرة في البلاد، لكنه فضل الخروج، والسفر إلى السعودية، بعد حصوله على فيزا للعمل براتب مرموق في إحدى شركات المقاولات والبناء.

يقول أبو حمزة لرصيف22: "عندما وصلت إلى السعودية، بدأت العمل في الشركة حتى تمكنت من فتح محل لبيع الملابس النسائية، ولم أكن أتوقع أن يصل الحال في السعودية إلى سعودة المهن، إذ انعكست سلباً على حياتنا، ومستقبل مشاريعنا الاستثمارية الصغيرة".

المشاريع الاستثمارية التابعة لمغتربين فضلوا العودة من السعودية إلى اليمن، ظهرت بشكل كبير في العاصمة صنعاء، ومناطق سيطرة الحوثيين

وقال مغتربون يمنيون لرصيف22 إن السلطات السعودية فرضت مؤخراً على ملاك محالّ الملابس النسائية التابعة لمغتربين يمنيين توظيف نساء سعوديات للعمل، وذلك انعكس سلباً على دخلهم اليومي، بالإضافة إلى رفع رسوم الإقامة السنوية التي وصلت إلى نحو ثمانية آلاف ريال سعودي على الفرد الواحد، أي ما يقارب 2100 دولار أمريكي.

ومنذ عودته إلى اليمن يحاول أبو حمزة لملمة أوضاعه المعيشية، وإعادة بناء حياته، بعد أن اضطر لبيع مصدر دخله في السعودية.

"عاجز" في السعودية

خلال الآونة الأخيرة ظهرت العديد من المشاريع الاستثمارية لمغتربين يمنيين، عادوا مؤخراً إلى بلادهم، وتنوعت المشاريع بين المحالّ التجارية، وشراء العقارات، وإنشاء شركات الصرافة وغيرها، ومن أبرز المناطق التي شهدت تلك التغيرات، شارع العدين في مدينة إب وسط اليمن، والعاصمة صنعاء، ومعظمها يقع تحت سيطرة الحوثيين.

تمكن أبو حمزة من فتح محل لبيع الملابس النسائية في إحدى الأسواق التجارية في العاصمة صنعاء، بعد قيامه ببيع مجوهرات زوجته، بالإضافة إلى بعض الأموال التي ادخرها خلال سنوات الغربة في السعودية.

تماماً مثل أبو حمزة، فضّل عبد العزيز ناجي (45 عاماً) العودة إلى اليمن مع أفراد أسرته، إذ وجد نفسه بعد نحو أكثر من 15 عاماً، عاجزاً عن تأمين مستقبل أفراد عائلته في السعودية.

يقول عبد العزيز، وهو مالك محل تجاري صغير (بقالة) لرصيف22: "ضاقت بنا الأرض في السعودية بفعل المضايقات المستمرة التي لا تكاد تتوقف، بالإضافة إلى رسوم الإقامة السنوية الباهظة، التي أثقلت كاهلنا، خصوصاً خلال السنوات الخمس الماضية".

تمكن عبد العزيز في نهاية 2019 من افتتاح محل تجاري لبيع المواد الغذائية في قريته بريف محافظة إب، وسط اليمن.

"الاستثمار في بلادي"

يعتزم عبد الرؤوف مرشد، وهو مغترب يمني ومالك محل سابق لبيع العطورات والاكسسوارات بمكة، فتح مشروع استثماري هو الآخر في اليمن، لكنه ينتظر وجود المكان المناسب. يقول: "المشاريع الاستثمارية التابعة لمغتربين فضلوا العودة إلى اليمن، ظهرت بشكل كبير في العاصمة صنعاء، ومناطق سيطرة الحوثيين، على الرغم من الجبايات التي تفرضها سلطات الأمر الواقع على رجال الأعمال، والعراقيل التي يواجهها أصحاب رؤوس الأموال، والتي تتمثل بصعوبة نقل البضائع، والانفلات الأمني الذي تشهده بعض المناطق اليمنية".

تعرض مرشد هو الآخر لما صنفه "مضايقات" من السلطات السعودية، ابتداءً من مكاتب العمل، وصولاً إلى السعودة، يقول: "في الآونة الأخيرة تزايدت حدة المضايقات، وفرض عقوبات باهظة على المخالفات".

يتذمر مرشد من فرض السلطات عليه توظيف النساء برواتب يعتبرها باهظة، يقول: "نحن ملّاك محالّ العطور والإكسسورات في مكة فرضوا علينا توظيف سعوديات للعمل، دون أن يتم تأهيلهن لسوق العمل، وبغض النظر عن كفاءتهن، ندفع لهن رواتب شهرية باهظة من رأس مالنا".

"أنشطة اقتصادية غير مفيدة"

تحدثت الصحافة المحلية، ومسؤولون يمنيون منذ أعوام حول عواقب ترحيل العمالة اليمنية من السعودية، والتي لا توجد إحصائية دقيقة لها، والعديد منهم يندرج تحت بند العمالة غير المرخصة.

وقد انتقد وزير الثقافة اليمني السابق خالد الروشيان ترحيل العمالة اليمنية، واعتبر عودة المغتربين "كارثة كبرى ستطال المملكة قبل اليمن"، مشيراً إلى إمكانية استغلال الحوثيين لغضبهم، وبطالتهم.

وذكرت المنظمة الدولية للهجرة في آذار/ مايو 2018 أن السلطات السعودية رحلت 17 ألف مهاجر يمني عام 2018، من أصل 700 ألف يمني يعملون هناك، وعبرت عن مخاوف من ترحيلهم جميعاً، رغم ظروف الحرب في بلادهم.

وقد سبق وأن رحلت السعودية كل العاملين اليمنيين من أراضيها عام 1999، بعد أن صوتت الحكومة ضد تدخل الأمم المتحدة لإخراج القوات العراقية من الكويت، وسبب ذلك أزمة اقتصادية أشعلت حرباً أهلية، من بين عوامل أخرى، بين الشمال والجنوب عام 1994.

"نحن ملّاك محالّ العطور والإكسسورات في مكة فرضوا علينا توظيف سعوديات للعمل، دون أن يتم تأهيلهن لسوق العمل، وبغض النظر عن كفاءتهن، ندفع لهن رواتب شهرية باهظة من رأس مالنا"

يقول رئيس مركز الإعلام الاقتصادي في اليمن، مصطفى نصر: "هناك عشرات الآلاف من المغتربين عادوا إلى اليمن عقب الإجراءات والشروط الجديدة لسوق العمل السعودية".

وعن التأثيرات الناجمة عن عودة المغتربين، يقول لرصيف22: "عودتهم لها تأثيرات سلبية على الاقتصاد اليمني، خصوصاً أن الكثير من العمالة كانت ترفد الاقتصاد بالعملة الصعبة، بالإضافة إلى أنها كانت تعيل مئات الآلاف من الأسر التي قد تفقد مصدر دخلها".

وعن أموال المغتربين المستثمرين، وأنشطتهم الاقتصادية، يوضح نصر لرصيف22: "تحويل جزء من أموال المغتربين إلى اليمن شيء إيجابي، ولكن مع الأسف الشديد يتم استغلال الأموال في شراء العقارات، وإنشاء شركات صرافة، وغيرها من الأنشطة التجارية غير المفيدة في العملية الإنتاجية".

"إحساس بالفرحة"

لا يستطيع أبو حمزة أن يخبيء إحساسه بالفرحة منذ عودته إلى اليمن، بعد سنوات الغربة، يقول لرصيف22: "بلادي وإن جارت عليّ عزيزة، برغم الحرب، والدمار، والأزمات المستمرة في البلاد، الطمأنينة التي تحسها بين أهلك وأفراد عائلتك تنسيك كل تلك الأوجاع، مجرد لمة واحدة تكفي".

وبخصوص مشروعه الاستثماري، يقول أبو حمزة: "في البداية، كان الأمر أشبه بمغامرة كبيرة ،أن تقدم على بيع مجوهرات زوجتك، بالإضافة إلى كل الأموال التي حصلت عليها خلال سنوات الغربة، للاستثمار بمحل ملابس، في ظل عجز المواطنين عن توفير أبسط الاحتياجات الأساسية".

"إعادة بناء الحياة، والوقوف أمام متطلباتها ليست بالأمر السهل".

"إعادة بناء الحياة، والوقوف أمام متطلباتها ليست بالأمر السهل، لكن بحمد الله، بدأت الأمور تمضي نحو الأفضل شيئاً فشيئاً، أشعر بأن العمل في المحل بدأ يتحرك بشكل إيجابي، خاصة وأنا ألتزم الحرص والتقشف في الإنفاق، كي أتمكن من الاستمرار في المشروع، الذي يعتبر مصدر رزق أطفالي الوحيد" .

أما الشاب نجم الدين الوصابي (33عاماً ) وهو أحد المغتربين العائدين من السعودية، فقد تنقل منذ عودته في بداية عام 2020 بين محافظات يمنية عدة، بحثاً عن فرصة للعمل، حتى حصل عليها في مدينة عدن جنوب اليمن.

يعمل الوصابي الآن في خياطة الملابس النسائية (العبايات) في عدن، ومع ارتفاع عمولات التحويلات المالية، ومنع العملة الجديدة في مناطق سيطرة الحوثيين، مما أثر سلباً على العاملين في عدن. عاد إلى صنعاء للبحث عن عمل من جديد.

ويعمل الوصابي حالياً في أحد محال الملابس الرجالية، ويقارن العمل في صنعاء بالسعودية قائلاً لرصيف22: "لا أبذل طاقة كبيرة في عملي مثل السعودية، كنت أقضي وقتاً طويلاً بلا طائل".

ومع تدفق المغتربين المستثمرين إلى اليمن، يبرز التساؤل حول الاستفادة من الأمر. يرى مصطفى نصر أهمية تقديم السلطات المحلية تسهيلات للعائدين إلى بلادهم، ولديهم وفرة مالية، وتوفير دراسات الجدوى، والدعم البنكي، والتسهيلات الائتمانية للحصول على تمويل، وقروض مؤقتة، في حال احتاج بعضهم لذلك.

واختتم نصر حديثه بأن هناك محافظات معينة تستطيع فتح مشاريع فيها، والاستفادة من التغييرات التي حدثت في إطارها، وعلى الرغم من أن الحرب أثرت على بعض المناطق، هناك محافظات استفادت من هذه الحرب بشكل ملحوظ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard