"يموتون بصمت على أبواب المستشفيات وصالات المطار"... مرضى السرطان في اليمن

الاثنين 30 نوفمبر 202003:30 م

"أن أتمكن من الوقوف على قدمي مرة أخرى، وأن أعيش سنواتي الأخيرة في صحة وعافية، هذا كل ما أتمناه"، تقول محسنة علي (55 عاماً) المصابة بسرطان الثدي.

نصح الأطباء محسنة باستئصال الثدي قبل عامين، وبعد مرور فترة قصيرة من العملية شرع السرطان بالتفشّي في أنحاء جسدها، فسكن في يدها وساقها.

تتردد محسنة على المركز الوطني لعلاج الأورام السرطانية في العاصمة صنعاء، وهو المركز الذي يعجّ بالمئات من المرضى، الذين يتوافدون إليه لتلقي العلاج، وهي تجلس على عربة خاصة بذوي الإعاقة بعد أن أصبحت عاجزة عن الحركة.

محسنة، التي تنتمي إلى ريف محافظة ريمة، غرب اليمن، تقطع مسافة يومين للوصول إلى صنعاء، العاصمة، حتى تتلقى العلاج الكيماوي.

"كنت أحب تدبير شؤوني بنفسي، لكنني أصبحت عاجزة عن الحركة، على هذه العربة ينقلونني من مكان إلى آخر، وإذا أرادوا إنزالي من العربة، يحملني شخصان من كتفيّ، وآخران يحملاني من قدميّ"، تقول محسنة، بكلمات مختلطة بدموعها: "لي على هذه الحالة من العام الماضي، كم أتمنى أن أعود كما كنت، لقد أصبحت عالة على زوجي وأبنائي".

أما عن تكاليف السفر وتوفير الدواء، فتعتمد محسنة على التبرعات، التي يجمعها لها سكان بلدتها، بعد أن صرفت كل ما تملكه الأسرة من مدّخرات على صحتها، وعافيتها.

"كنت أحب الاعتماد على نفسي في كل شيء"، تقول محسنة، التي يرافقها دوماً زوجها واثنان من أبنائها، ولا تستطيع الحركة، بعد أن أنفقت كل مدخرات الأسرة لعلاج السرطان

اضطرت محسنة، التي يرافقها زوجها واثنان من أبنائها، إلى نقل مكان سكنها من الريف إلى العاصمة لاستئجار غرفة، والسكن فيها، حتى تتمكَّن من تلقّي الجرع الكيماوية، التي تتناولها بشكلٍ أسبوعي.

في سياق متصل يصل عدد المرضى السرطان المسجلين لدى المركز الوطني لعلاج الأورام بصنعاء إلى أكثر من 71 ألفاً من جميع المناطق اليمنية، حيث ارتفع عدد المرضى الجدد المسجلين لدى المركز سنوياً بنسبة 20% عمّا كانت عليه قبل الحرب التي تشهدها البلاد.

"خلع ضرسه فأصابه الورم"

لا يختلف كثيراً حال الطفل حمدي عبد الله، يسكن في محافظة الحديدة غرب اليمن، عن حال محسنة، إذ سلب الورم الخبيث حياته، وفرحته، بعد أن ظل أنفه ينزف دماً بين الحين والآخر، ما جعله عاجزاً عن الحركة وغير قادر على الوقوف، فالنزيف الأنفي يجعله بحاجة إلى الدم بشكل متواصل.

يتنقل به والده وهو يحمله على ظهره، بين المشافي، ومراكز التبرع بالدم، ومعه يحمل أحزانه، ومخاوفه التي لا تنتهي من فقدان نجله الأكبر.

أنزله والده من على ظهره، وهو يتصبَّب عرقاً، بعد أن حمله مشواراً طويلاً من مركز التبرع بالدم بالعاصمة صنعاء إلى مركز علاج الأورام، وبدأ يشرح لرصيف22 بصوت خافت عن إصابة فلذة كبده بالورم الخبيث. يقول: "هذا ولدي الوحيد، ولديَّ ثلاث بنات، أصيب بالتهابات في ضرسه، فعمد طبيب كان يعالجه في محافظة الحديدة، إلى نزع الضرس".

ولأن عملية اقتلاع الضرس كانت خاطئة، أحدثت أوراماً في الفم، فأجرى له الطبيب ثلاث عمليات لنزع الورم، فتحوّل من ورم حميد إلى خبيث، بحسب رواية عبد الله.

يتألم عبد الله لحال ابنه، الذي سلبه المرض طاقته، ويتمنى أن يراه بخير ولو كان الثمن حياته.

ويرجع الدكتور أحمد العريقي، وهو طبيب صيدلاني في مركز الأورام بصنعاء، الارتفاع الكبير لمرضى الأورام إلى عدة أسباب، أهمها عدم الكشف المبكر عن السرطان، بالإضافة الى عدم تجنب الأغذية والمشروبات التي قد تؤدي إلى الإصابة بالورم.

ويرى العريقي أن نبتة القات التي يتناولها نحو تسعين بالمئة من السكان، هي السبب الرئيس في استشراء السرطان في الأوساط اليمنية، إذ تُرش بمبيدات حشرية تؤدي إلى السرطان.

ويؤكد العريفي في حديث لرصيف22 أن هناك نقصاً في الأدوية التي يحتاجها مرضى السرطان في مركز الأورام الذي يقدم العلاج بشكل مجاني، فيضطر المريض الى شراء العلاج من الصيدليات الخارجية، كما أنّ هناك أدوية غير متوفرة حتى في السوق، يحتاج إليها المرضى بشكل أساسي.

"ارتفاع قياسي لمرضى السرطان"

قدّر وزير الصحة في حكومة صنعاء، طه المتوكل، وجود ارتفاع قياسي في أعداد مرضى الأورام في اليمن، حيث تضاعفت منذ بداية الحرب في البلاد بنسبة تصل إلى 100%، ناهيك بارتفاع وفيات مرضى سرطان الدم إلى قرابة النصف، بسبب شح الأدوية والأجهزة الكفيلة بالتخفيف من معاناتهم.

وتستقبل مراكز علاج السرطان نحو 7000 حالة سنوياً في عدد من المحافظات اليمنية، وفق تصريح للمتوكل نشره موقع قناة المسيّرة، التابعة للحوثيين.

 "يموت مرضى السرطان اليمنيون بصمت على أبواب المستشفيات وفي صالات المطارات المغلقة، وتلتزم المنظمات الدولية الصمت، ولا تقدم لهم شيئاً"

ويلقي مراقبون باللائمة على الحصار المفروض على اليمن براً وبحراً وجواً منذ 2015 في منع دخول المصادر المشعة والأدوية الكيميائية الخاصة بمرضى السرطان، والأجهزة الطبية، عدا منع المرضى من السفر للعلاج في الخارج.

ويشير أحمد العريقي إلى أن هناك المئات من الحالات غير قادرة على تلقي العلاج، بسبب ظروفها المعيشية الصعبة، وبعد مساكنها عن العاصمة صنعاء، وخاصة تلك التي تسكن في الأرياف والقرى.

ويختم العريقي: "ليس في اليمن كلها سوى مركز واحد متخصص بعلاج السرطان وهو في مركز الأورام بصنعاء، ويفتقر إلى الأجهزة الجديدة والعديد من الأدوية الضرورية للمرضى".

وكان لانهيار المنظومة الصحية في البلاد أثر كبير على مرضى السرطان، بعدما أدت الحرب إلى تدمير 60 في المئة من المرافق الصحية، بالإضافة إلى أن العشرات من المراكز أغلقت بسبب عدم توفر الكادر الطبي، والأدوية، وتردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية.

وتساءل حميد اليادعي، رئيس رابطة مرضى السرطان في اليمن عن دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في رعاية مرضى السرطان في اليمن، وتقديمات منظمة الصحة العالمية؟

ويلقي اليادعي بالمسؤولية أيضاً على منظمة الصحة العالمية، لكونها لم تف بالتزاماتها ووعودها نحو مرضى السرطان، إذ لم توفر جهاز المعجل الخطي، الذي يستخدم في العلاج الإشعاعي للسرطان، الذي وعدت به، وأجهزة الأخرى، إذ لا يوجد إلا جهاز واحد في اليمن، وهو خارج عن الخدمة، وفق حديث اليادعي لرصيف22.

ويوضح: "وضع مرضى السرطان يعد مأساة حقيقية، إذ يموتون بصمت على أبواب المستشفيات وفي صالات المطارات المغلقة، وتلتزم المنظمات الدولية الصمت، ولا تقدم لهم شيئاً".

وطالب اليادعي المنظمات الدولية بتوفير جهاز المعجل الخطي الموعود منذ سنوات، لأنه من أهم احتياجات مرضى السرطان في ظل الارتفاع الكبير لأعدادهم، بالإضافة إلى توفير الادوية الكيماوية والسماح بدخول اليود المشع الأساسي لإنقاذ مرضى سرطان الغدة الدرقية، وفتح مطار صنعاء حتى يتمكن المرضى من السفر للعلاج خارج اليمن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard