استعراض الحضارة الفرعونية لن يبيّض وجه حكم العسكر

الاثنين 12 أبريل 202101:27 م

رغم البهرجة التي ملأت الاحتفالات بنقل المومياوات الملكية في مصر في الثالث من نيسان/ أبريل الماضي، فإن ما يخفيه هذا الاستعراض هو حقيقة بشعة. السعي إلى ترميم وحدة وطنية بالتاريخ هو ترياق يعالج الأعراض لا الأسباب. فمصر اليوم ليست مصر الفراعنة وشتان بين الافتخار بتاريخ حضارة أنارت درب الإنسانية جمعاء، وبين الانخداع بالبهرجة ومنح صكوك غفران لفراعنة مصر الجدد. عبد الفتاح السيسي، الذي مجد نظامه المئات بل الآلاف بعد متابعة التغطية الإعلامية الضخمة للحدث، هو أعلى قمة في نظام عسكري. هذا النظام، على عكس ما تروج له بعض المنابر الإعلامية، يتخبط بين الفشل الاقتصادي والسياسي. فالانتعاش الاقتصادي الظاهري لم يشمل عامة الشعب، بل هو حاضنة لازدهار طبقة تحتكر ثروات البلاد فحسب.

في تقرير نشره البنك العالمي في نسيان/ أبريل سنة 2019، يذكر أن 60٪ من الشعب المصري هم من الفقراء والمستضعفين. فخلف الأضواء التي تخطف الأبصار، مصر منسية، مصر مكلومة ومهمشة. مصر الأحياء الأموات الذين لم يحنطوا بعد. الأموال التي أهدرت في البروباغاندا قد تستقطب السياح ذوي العقول المسلوبة والميول نحو مجد خلا. أما البقية، فيعلمون أن استعراض الحضارة الفرعونية لن يكفي لتبيض حكم العسكر.

شتان بين الافتخار بتاريخ حضارة أنارت درب الإنسانية جمعاء، وبين الانخداع بالبهرجة ومنح صكوك غفران لفراعنة مصر الجدد

في مصر السيسي، وعلاوة على السيطرة المباشرة للجيش، فإن أذرع النظام العسكري ممتدة داخل جميع القطاعات الحيوية. ثمة قطاعات اقتصادية ومناصب عليا في مجالس إدارة المؤسسات العامة والخاصة تحت طائلة كبار الضباط المتقاعدين؛ كلها ليست سوى نقطة في بحر الفساد المخفي. الفراعنة الجدد لمصر خلقوا مناخاً خانقاً لحرية الصحافة التي تكاد تكون منعدمة وللحرية الأكاديمية، ناهيك عن الحرية في المطلق التي مزق تعريفها من القاموس السياسي كأنها لم تكن.

من الغريب، إذن، أن نرى التفاعل الجماهيري والاحتشاد خلف شعارات مرتزقة تشيد بالنموذج المصري وفرعون مصر الجديد. امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بصور موكب نقل المومياوات. وتجندت أصابع روادها لنشر تعليقات تتراوح بين الفخر بالانتماء والتملق؛ أصابع تحركها أدمغة فاقدة للذاكرة نسيت شادي حبش الذي مات في سجن دفن فيه من أجل أغنية، وجيوليو رجيني الطالب والباحث الايطالي الذي قتل بسبب أبحاثه ومقالاته حول حقوق العمال والنقابات العمالية بمصر.

في مصر السيسي، وعلاوة على السيطرة المباشرة للجيش، فإن أذرع النظام العسكري ممتدة داخل جميع القطاعات الحيوية

أودى نظام السيسي بحياة الكثير من الشباب والكهول والشيوخ الذين لا نعرف أسماءهم. لكن الوعي السياسي في مجتمعاتنا العربية لم يرتق بعد إلى درجة إدراك أنه لا يمكننا أن نوهم أنفسنا بأننا أصبحنا أحراراً بمجرد اختفاء الإخوان. فقد تتغير عناوين الدكتاتورية وقد ترتدي أثواباً مختلفة، إلا أنها ما زالت تحوم كشبح الطاعون حولنا. تتغذى من مخاوفنا حول الثيوقراطية وتمنحنا بديلاً نقايض فيه الحرية بالأمان والعدالة بالسيادة والمجد، فتصبح أرض الوطن "ارض الخوف". شعوبنا لا تأخذ من التاريخ عبرة، فعلى غرار "فرعون مصر الجديد" قام شاه إيران في سبعينات القرن الماضي بإقامة احتفال ضخم بمناسبة ذكرى مرور 2500 سنة على تأسيس الإمبراطورية الفارسية. هو أيضاً أقام احتفالاً أضحت به إيران حديثاً على كل لسان. واجتمع فيه قادة العالم، بينما بلده يحتضر. المعظم الان ترك إيران الشاه لكرهه لإيران. لكن أليست كلاهما جحيماً للطبقات التي لا تملك حق الاختيار فحسب.

الحنين الكاذب إلى مجد خلا هو فقط غلاف لتبرير نزعة العبودية والراحة التي تأتي من تسليم رقابنا لمن يعدنا بوعوده الواهية. فمتى ينتهي حنين شعوبنا إلى الدكتاتورية؟ متى تصبح الحرية والشرعية مقدستين حتى يحرم مقايضتهما بالصور المفرغة عن النجاح السياسي؟ كما قال عادل امام في فيلم عمارة يعقوبيان "إحنا في زمن المسخ"؛ زمن تستباح فيه الحقيقة ويحل محلها وهم القائد الذي يمسك بزمام السلطة بقبضة من حديد؛ قبضة تخنق كل من يتجرأ على أن يصدح بكلمة حق، وتلف حبل المشنقة حول أعناق كل من يخرج عن سراطها.

الحنين الكاذب إلى مجد خلا هو فقط غلاف لتبرير نزعة العبودية والراحة التي تأتي من تسليم رقابنا لمن يعدنا بوعوده الواهية

الحرية والعدالة قبل السياحة والفخر بالانتماء. وما الفائدة من الطواف بكعبة تملؤها الأوثان؟ الربيع العربي مر بشعوبنا مرور الكرام وتركنا مع خريف أنظمة فاشية. وكأن الربيع لم يأت قط. تركنا مع شعوب يقف أبناؤها شامخين لمن يدعي إحياء العظام وهي رميم، بينما تزهق الأرواح باطلاً. أرواح أجداد المصريين العظماء لن تغفر لنظام السيسي جرائمه بالسهولة التي غفر له بعض أشباه البشر. وكما نجا يوسف بعد أن ألقى به إخوته في البئر، نأمل أن تنجو مصر من براثن الدكتاتورية العسكرية والدينية وأن تشفى شعوبنا من الحنين إلى الدكتاتورية. يبقى الأمل اليافع يجتاحنا ويغذي أشعاراً قرأناها كتلك التي يتلوها بابلو نيرودا "يُمكنك قطف وسحق كُل الزهور، لكن لن تستطيع أبداً أن تمنع الربيع من القدم".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard