شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
طرق الموت في البادية السورية... البحث عن المراعي بين الألغام والميليشيات الإيرانية

طرق الموت في البادية السورية... البحث عن المراعي بين الألغام والميليشيات الإيرانية

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

"إنها خيارنا الوحيد، هناك المئات من رؤوس من الأغنام، نحن بحاجة إليها ولو سلكنا دروب الموت هرباً من مصاريف العلف التي لا يقدر عليها أي مربٍّ أمام قطيعه الكبير".

بهذه الإفادة يبدأ أبو صالح الحمود الذي يعمل مربياً للأغنام حديثه لرصيف22، واصفاً البادية السورية التي تفوح منها في كل ربيع رائحة الموت، والتي تبتلع رعاة الأغنام وقطعانهم وجامعي الكمأة، أما من يحالفه الحظ وينجو منهم فستكون الألغام بانتظاره ليعود مبتور الأطراف. 

الجفاف يعني إما موتنا أو موت الأغنام 

تحت أشعة الشمس الحارقة، ينطلق الرجل الخمسيني بقطيعه الذي يبلغ 200 رأس باتجاه بوادي الجزيرة السورية (حداجة أو الروضة أو الخضرة)، وهي مناطق خاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية شرق سوريا، طالباً الكلأ والماء لقطيعه، وبرفقته عدد من المربيين والرعاة.

يضطرهم لهذا الخيار كذلك تراجع هطول الأمطار، وموجة الجفاف التي ضربت مناطق شمال شرق سوريا، وأدت لشح المياه، الأمر الذي أثر بشكل كارثي على قطاع الزراعة وأسعار أعلاف المواشي التي يعتمد عليها المربون اعتماداً بات يفوق قدرتهم على تحملها، ما يجبرهم على البحث عن مصادر جديدة بعد تراجع تربية المواشي في المنطقة التي تعد جزءاً من الهلال الخصيب، ومركزاً زراعياً حيوياً، وسلة غذاء السوريين. 

دفع الجفاف بمربي الأغنام في البادية السورية إلى اتخاذ طرق الموت حيث الألغام والمليشيات المسلحة للبحث عن المراعي، وزاد من صعوبة الوضع ارتفاع أسعار الأعلاف. 

"الجفاف يعني التقصير في تأمين الأعلاف، وأن نضطر لضمان بعض أراضي المحاصيل لكي ترعى قطعاننا فيها، لكن هذه العملية باتت اليوم مكلفة علينا، لا سيما في الشتاء ونحن ننتظر الربيع للمضي نحو البادية الشامية، والتي عادة ما تكون مراعيها أخصب من الجزيرة، هذا قبل أن تصبح اليوم مقبرة الداخل إليها" يشير الحمود. متابعاً بغصّة: "ليس أمامنا إلا الجزيرة التي تعج بالألغام ومخلفات الحرب وخلايا تنظيم داعش".

البادية السورية عالم مجهول

تمتد البادية السورية على مساحة تزيد عن 10 مليون هكتار، بنسبة 55% من مساحة سوريا، من شمال منطقة حوران، وشرق ريف دمشق وريفي حماة وحمص غرباً، إلى الحدود السورية العراقية شرقاً، ومن الحدود السورية الأردنية جنوباً، إلى أطراف محافظتي دير الزور، ووصولاً إلى الرقة وجنوبي حلب شمالاً.

وتقسم إلى بادية "الجزيرة" التي تقع شرق نهر الفرات، وتخضع لإدارة "قسد" الكردية. و"الشامية" غرب نهر الفرات والتي تخضع لإدارة قوات دمشق والميليشيات الإيرانية، والأخيرة تعد واحدة من أبرز المراعي الطبيعية في البلاد. نظراً لأنها مغطاة بالأعشاب والأشجار، وتعتبر مرتعاً خصباً لقطعان الأغنام والإبل وغيرها، وقد كانت توفّر قبل العام 2011 السلّة الغذائية للمواشي، وتغني المربين عن شراء العلف الصناعي.

تضم البادية كذلك حقولاً للنفط والغاز، ومنجماً للفوسفات في موقع (خنيفيس 5) . وتتواجد على أطرافها أكبر المطارات الحربية التابعة لنظام الأسد (التيفور والشعيرات والسين والناصرية)، ومنها يمر خط القوس الفارسي أو ما يسمى بالـ"هلال الشيعي"، من صحراء الأنبار العراقية، وصولاً إلى الحدود السورية العراقية، إلى مدينة السخنة، ثم تدمر باتجاه العاصمة دمشق. وقد بات هذا الخط اليوم  يستخدم لمرور شاحنات الأسلحة والعتاد العسكري والميليشيات الطائفية والصادرات الاقتصادية، إضافة إلى الزوار والحجاج الشيعة. 

مربي أغنام: "كنا ننتظر الربيع للمضي نحو البادية الشامية، والتي عادة ما تكون مراعيها أخصب من الجزيرة، هذا قبل أن تصبح اليوم مقبرة الداخل إليها،  لذا ليس أمامنا إلا الجزيرة التي تعج بالألغام ومخلفات الحرب وخلايا تنظيم داعش" 

كان يقطن تلك المناطق بدو رحل يتنقلون بقطعانهم وخيامهم حتى الحدود العراقية بحثاً عن المراعي ومصادر المياه لمواشيهم، ويقضون معظم أوقاتهم داخلها معتمدين على مراعيها الطبيعية، قبل أن يفرغها النزاع السوري من تركيبتها السكانية ويحولها لمحطة نزاع دولي.

وتعد بادية الجزيرة التي تنتشر فيها فلول قليلة من خلايا داعش أكثر أمناً –نسبياً- من البادية الشامية التي تكثر فيها حالات القتل والسلب، وتمتلئ بخلايا تنظيم داعش وبالميليشيات الإيرانية، إلى جانب ميليشيات النظام المحلية (الدفاع الوطني)، وقوات الفرقة الرابعة.

رصيف22 تواصل مع أبو الناصر السخني (اسم مستعار) المنحدر من منطقة السخنة في ريف حمص الشرقي، وهي منطقة يمكن تسميتها بـ"قلب البادية السورية"، إذ تقع على الطريق الدولي القادم من العاصمة دمشق باتجاه محافظة دير الزور في أقصى الشرق السوري، والذي يعتبر من أهم الطرق في سوريا، كما تجتمع فيها عدة طرق قادمة من محافظة الرقة وأرياف حلب وحمص وحماة، ما جعلها -إلى الآن- محط صراع دموي بين الميليشيات الإيرانية وتنظيم داعش الذي لم تغب عينه عنها.

يعمل السخني المقيم في ريف الرقة حالياً في مهنة رعي الأغنام منذ الصغر، وقد ورثها عن أجداده وآبائه، وله معرفة وافية بالبادية التي لا يكاد يخلو شبر واحد منها إلا وقد حلّ به برفقة أولاد عمومته، يسرحون بما يقارب خمسة آلاف رأس من الأغنام.

يشرح السخني الذي ما زال على تواصل مع أبناء عمومته في السخنة الواقعة تحت سيطرة قوات النظام والميليشيات الإيرانية أن المناطق الأقل خطراً التي يسرح فيها الرعاة بقطعانهم هي "غرب تدمر من الدوّة، التياس، فرقلس القريتين، مهين، البلعاس، عقيربات، سلمية حتى أثريا"، وهي مناطق خاضعة لقوات النظام بالإضافة إلى ميليشيات محلية بينها (الدفاع الوطني) ويتميز أهلها بعلاقاتهم الجيدة مع ضباط النظام الذين يتشاركون مع المربين أيضاً بقطعان كبيرة.

الميليشيات الإيرانية تقتل الرعاة والأغنام 

طالما كان رعاة الأغنام في عموم مناطق البادية السورية عرضة للقتل والاختطاف في "الشامية" بأرياف حمص وحماة والرقة ودير الزور الواقعة تحت سيطرة ميليشيات إيران المتصارعة فيما بينها، مثل ميليشيا لواء القدس، والباقر، وفاطميون، عدا عن الميليشيات التابعة للدفاع الوطني، وتلك التابعة لقوات النظام.

يقول الصحافي والناشط في ريف دير الزور الشرقي إبراهيم الحسين لرصيف22: "بحسب شهود عيان استطاع الرعاة الهروب من الميليشيات الإيرانية، فهذه الأخيرة هي التي تهاجم الرعاة وقطعانهم، وعادة يكونون ملثمين على دراجات نارية قادمة من جهة نقاط وتجمعات الميليشيات العسكرية". 

فوجئ بعض الرعاة الذين كانوا يسرحون بـ 700 رأس من الأغنام و400 من الإبل في دير الزور  بعناصر من داعش، وطلبوا منهم رأسَيّ غنم فقط كزكاة عن القطيع قبل أن يغادروا. 

آخر مجزرة حدثت في بادية الشامية كانت في 25 آذار/ مارس 2024، حيث اختطفت ميليشيات إيرانية 3 من رعاة الأغنام وقتلت أكثر من 400 رأس غنم في منطقة "جحار" في بادية حمص، حيث تقع بئر غاز "جحار 7" والمحاطة بقواعد للميليشيات الإيرانية.

وقد سبقها بقليل مجزرتان لهذا العام فقط، الأولى قُتل فيها خمسة أشخاص في منطقة "جب الجراح" في ريف حمص الشرقي بهجوم مسلّح نفذه مجهولون على مجموعة من رعاة الأغنام، والأخرى في بداية العام عبر هجوم شنه مسلحون مجهولون يرجح انتسابهم للميليشيات الشيعية، إذ استهدفوا به رعاة أغنام في محيط ناحية "السعن" في بادية حماة الشرقية، وأدى لمقتل طفل واحتراق 6 خيم وسيارتين وجرار زراعي وقتل 300 رأس غنم.

يتفق السخني مع الناشط الحسين بأن الميليشيات الإيرانية والموالية لها والمتمركزة في محيط "السخنة" هي المسؤول الأول عن عمليات القتل التي يقع ضحيتها رعاة الأغنام وجامعي الكمأة، لافتاً إلى أن عمليات القتل الممنهج تتركز على طريق "الرقة- حمص- أثريا" باتجاه الجنوب الغربي من الرقة بنحو 80 كيلومتر، إضافة إلى طريق "السخنة- دير الزور" باتجاه الحدود العراقية شمالاً، وجنوباً حتى مخيم الركبان على المثلث الحدودي العراقي الأردني السوري، ومن تدمر باتجاه الحدود العراقية نحو 160 كيلومتراً، فتلك المناطق تتركز فيها قوات النظام والميليشيات المحلية والإيرانية، فيما يتركز تنظيم داعش بثقله شرق تدمر في "السلاحيب والحماد والعطشان والمربعة والصرايم" غرب البوكمال، مع إمكانية توغل خلاياه بين الحين والآخر إلى مواقع الميليشيات الإيرانية وصولاً للسخنة، لوجود أوكار له هناك.

أما قوات النظام وقوات الدفاع الوطني فتتمركز على الطرق الرئيسية ضمن حواجز فقط، فارضة الأتاوات على المسافرين، بينما يقع عمق البادية تحت أعين الميليشيات الإيرانية، وهو مزروع بالألغام الذبن يمتلكون وحدهم خرائطها، ويعتبر هذا العمق عالماً مجهولًا، فحتى لو دخلت إليه قوات النظام فهي معرضة للإبادة من قبل الميليشيات.

يقول السخني: "منذ عام 2016 لم يدخل أحد إلى عمق البادية، حتى جامعي الكمأة يكتفون بالبحث على جانبي طريق تدمر- السخنة - دير الزور، بعمق 6 أو 7 كيلومترات، ورغم ذلك فهم معرضون للقتل، أما الدخول لعمق أكبر فهو مستحيل، لا يمكن لإنس ولا جن أن يدخله، ومن دخل من رعاة الأغنام وجامعي الكمأة خلال السنوات الماضية فقد قتل".

وبحسب الناشط الحسين، تقوم الميليشيات الإيرانية بمهاجمة جامعي الكمأة ورعاة الأغنام ثم تلصق التهمة بتنظيم "داعش"، أو تستهدفهم بالألغام المزروعة حديثاً، مشيراً إلى أن "قوات النظام وميليشيا الدفاع الوطني هدفها السلب والرغبة بالتمويل، فهي تستهدف فقط الرعاة وتسلب قطعانهم لبيعها، أما الميليشيات الإيرانية فهدفها القتل والانتقام لمجرد الانتقام، لأنها تستهدف الرعاة وأطفالهم وقطعانهم وتحرق سياراتهم، لإيصال رسالة مفادها أن المنطقة إيرانية بامتياز والدخول إليها خط أحمر".

وداعش تأخذ الزكاة من رؤوس الغنم

خلال سيطرة تنظيم الدولة على المنطقة كان يفرض الزكاة على مربي الأغنام، وفي المقابل كان الرعاة يسرحون حتى بادية العراق، إلى أن دخلت الميليشيات الإيرانية البادية وحولتها لحلبة صراع مع داعش يدفع ثمنها الرعاة وجامعو الكمأة، بعد أن غدوا ضحية تتضارب الروايات بشأن هوية قاتلهم الحقيقي. لكن يؤخذ في الاعتبار أن التنظيم يهتمّ بوجود الرعاة، كمصدر معلومات لهم في البادية، فضلاً عن إمكانية الاعتماد عليهم لتأمين المواد الغذائية وغيرها. 

منذ بداية العام اختطفت ميليشيات إيرانية 3 من الرعاة وقتلت أكثر من 400 رأس غنم،  ومن قبلها قُتل 5 أشخاص في "جب الجراح"، ومن قبلها شنّت ميليشيات شيعية هجوماً في بادية حماة الشرقية، أدى لمقتل طفل واحتراق 6 خيام وسيارتين وجرار زراعي وقتل 300 رأس غنم 

ويشير تقرير للمركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، بأن التنظيم يعتمد على سرقة آلاف الأغنام من الرعاة كنوع من التمويل "السهل والمربح"، حيث ينخرط في عملية بيع منظّمة للأغنام المسروقة في أسواق الماشية المحلية من قبل مقاتلين متنكرين في شكل رعاة.

الناشط الحسين والذي عايش التنظيم لسنوات عديدة في دير الزور استبعد مسؤولية داعش عن عمليات القتل في البادية، فمن الممكن بحسبه أن يأخذ داعش من الرعاة زكاة أو أموالًا لكنه لا يقتل الرعاة ولا قطيعهم ولا يسلبه، وعلى فرضية أنه المسؤول، فهو لا يقتل القطيع بل يأخذه للاستفادة منه، إنما في حال تأكدهم من أن الراعي متعامل مع النظام أو الميليشيات الإيرانية فسرعان ما يقتلونه بعد تصويره ويصدرون فيه بياناً عبر قنواتهم الرسمية ثم يصادرون أغنامه كغنيمة.

يذكر الحمود حادثة جرت مع بعض أقاربه الذين كانوا يسرحون بـ 700 رأس من الأغنام و400 من الإبل في دير الزور أنهم فوجئوا باقتراب عناصر مسلحين ملتحين من قطيعه عرّفوا عن أنفسهم بأنهم ينتمون للدولة الإسلامية في الشام والعراق، ثم طلبوا رأسَيّ غنم فقط كزكاة عن القطيع قبل أن يغادروا بسلام.

لكن، ورغم هذه الرواية وغيرها من الروايات والقصص التي سمعها الحمود، يصر على اتخاذ الاحتياطات رفعاً للعتب أكثر من كونها عملية ونافعة، فيرسل كشافة إلى البادية قبل أيام من التوجه إليها برفقة الرعاة الآخرين. وظيفتهم التماس درجة الأمان في المكان الذي سيحلون فيه، ومعرفة أماكن الرعي المناسبة، "كل ذلك لا يمنع وصول خلايا التنظيم العارفين بمسالك البادية وتشعباتها الدقيقة إلينا"، يختم الحمود حديثه.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

نؤمن في رصيف22، بأن بلادنا لا يمكن أن تصبح بلاداً فيها عدالة ومساواة وكرامة، إن لم نفكر في كل فئة ومجموعة فيها، وأنها تستحق الحياة. لا تكونوا زوّاراً عاديين، وساهموا معنا في مهمتنا/ رحلتنا في إحداث الفرق. اكتبوا قصصكم. أخبرونا بالذي يفوتنا. غيّروا، ولا تتأقلموا.

Website by WhiteBeard