"زعق الوابور على السفر"... كارثة مصر الجديدة

الثلاثاء 30 مارس 202103:29 م

فوق أنقاض "الوابور"، أي القطار بلهجة الصعيد، يظهر ما يشق القلب ويدمي الروح؛ كارثة لن يحتملها الشارع المصري، حتى أن الجمادات ثارت فلفظت عربات القطار الضحايا خارجها. أشلاء البشر من كل صنف ولون، وملائكة الموت ما زالت ظلالها تحوم هناك. رؤوس بشرية تحطمت قبل أن تعي ما يحدث، وشرايينها ما زالت عالقة بين جثثهم وآمالها الضائعة. هذا ما حدث في مركز طهطا؛ محافظة سوهاج صعيد مصر، بعدما اصطدم القطار رقم 2011 "القاهرة-أسوان" بالقطار المميز "سوهاج-إسكندرية" من الخلف، ما أدى إلى انفصال عدة عربات من عربات القطار فوراً وخروجها عن القضبان وانقلابها. سريعاً تدخل المواطنون المحيطون بالسكة الحديد مقدمين الدعم والمساعدة للضحايا.

هرعت بشكل مباشر سيارات الإسعاف من شتى المراكز المحيطة بالحادثة لتغطية احتياجات الضحايا، وكان على رأسهم القيادات والمسؤولين في السكة الحديد والصحة، لكن هذا لم يسعف في التخفيف من وَقْع المشهد على الأهالي والمحيطين وحتى متلقي الخبر عبر قنوات التلفاز أو الإذاعة.

تاريخ كوارث سكة الحديد لا يعد ولا يحصى فيها، تفرغ الأسباب دائماً وتنطلق داخل دائرة لا نهاية لها، حتى تسقط الحكومة فوقها خيمة القضاء والقدر والنصيب

يعتبر مشهد اللطم والعداد المشهد الأكثر تكرار في مصر، وللصعيد القسم الأكبر من هذه "التورتة" السوداء. فتاريخ كوارث سكة الحديد لا يعد ولا يحصى فيها، تفرغ الأسباب دائماً وتنطلق داخل دائرة لا نهاية لها، حتى تسقط الحكومة فوقها خيمة القضاء والقدر والنصيب، فتشلّ الحركة داخلها وتنتهي.

الصمت يعم، رجال الإسعاف والصحة ومساعدوهم من المواطنين يجمعون أجساد الضحايا لتجهيزهم للدفن، خرجت الجنائز بشكل جماعي، وخلفها حلقات من نساء القرية والقرى المجاورة في ثياب سوداء، يتجمعن بشكل عشوائي وحزين. يشبهن بقايا كورال ضربته قنبلة أثناء تأديته أغنية مقاومة. يجمعن بقايا أغراض الضحايا، يكتشفون أحلامهم ويستنشقون ماضيهم عبر دمائهم المخلوطة بالتراب والإهمال، وهم ينوحون ويندبون فوق رؤوس جثث العساكر والأطفال والسيدات، ودموعهم السوداء من أثر الكحل تأبى أن تشد الستائر فوق هذا الفراق المحتوم.

يرددون بلكنات صعيدية وأصوات قروية مذبوحة: "نوح يا غراب ع اللي قتلته الغربة والحكومة والكربة". "وصيت عليا مين وسافرت يا محبوبي، ووصيت عليا مين، أنا وصيت عليك السيد ورب العالمين".

"زعق الوابور على السفر أنا قولت رايحين فين؟ رايحين تغيبوا سنة ولا تغيبوا سنين، رايحين نغيبوا سنين ما تنوحيش يا عين".

"وجاني يودعني، وبكى وبل محارم وأنا قولت إيه يعني! قولت البكا صنعتك ولا جلع يعني؟ قالي البكا صانعتي ولا حد جلعني، والله فراق الأحباب مر يوجعني".

خرجت الجنائز بشكل جماعي، وخلفها حلقات من نساء القرية والقرى المجاورة في ثياب سوداء، يتجمعن بشكل عشوائي وحزين. يشبهن بقايا كورال ضربته قنبلة أثناء تأديته أغنية مقاومة

كلمات تأن من الألم، تجعل حديد القضبان ينصهر،. هكذا عتمت النساء الأرامل والثكالى الصورة، ووصلت المأساة والحزن للذروة، عبر أصواتهم المخنوقة بغنائهم المفجوع، ليجتاح الضباب سماء سوهاج، ويصب مطره الحمضي فوق رؤوس القيادات البالية، الذين يقفون أمام عتاب عداد العجائز كأطفال مخطئين. فمن أين لهم بمبرر يرفع رؤوسهم المشنوقة على صدورهم؟ من أين لهم بمبرر يخرس غناء الثكالى الذي اجتاح ضميرهم وعشش داخل آذانهم الصماء.

رفع الشباب في شوارع محافظات الصعيد شعاراً يحمل صورة فقراء مكدسين فوق بعضهم على سطح عربة قطار متهالك، وتحته كتب بالخط العريض: "أهلا بك في صعيد مصر... حيث مشقة السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل والولد"، معلنين حدادهم وطالبين القصاص.

أما رواد السوشيال ميديا فتبادلوا بعض مشاهد فيلم "ساعة ونص"، وهو فيلم تدور أحداثه حول حادث قطار في مصر. يرصد معاناة المصريين ومشاكلهم، من خلال قصص وحكايات مختلفة لركاب القطار المتجه إلى الصعيد. ما حدث هو نسخة عن فيلم سينمائي، اعتبره الكثيرون أيقونة للألم والإحباط من فرط تراجيديته وأحداثه المؤسفة، وهذا ما جعله يعود لذاكرة المصريين بقوة. يتداول الرواد أيضاً بعض الحوارات بين أبطال الفيلم اللذين تخبطوا ما بين الفقر والمرض، البطالة والهجرة خارج البلاد وإهمال الحكومات، إلى أن وقع حادث أليم قضى على كل من في القطار. صورة دامية من خيال مؤلف تنفجر اليوم بشكل واقعي، على أرض سوهاج.

يعتبر "قطر الغلابة" صورة مصغرة عن حياة هؤلاء البسطاء، فهو يسير بشكل عبثي عشوائي مهمل، يشبه قاصديه إلى حد كبير

جسد الفيلم كارثة القطار المميز والمعروف بين الشعب باسم "قطر الغلابة"، لرخص سعر تذكرته التي ما زالت ضئيلة. يعتبر "قطر الغلابة" صورة مصغرة عن حياة هؤلاء البسطاء، فهو يسير بشكل عبثي عشوائي مهمل، يشبه قاصديه إلى حد كبير. يغيب فيه أي دعم أو حماية للمواطنين أو اهتمام براحتهم، حتى أنه يمكن للمواطن أن يظل واقفاً داخله حوالي 10 أو 12 ساعة حتى يصل وجهته. لا شبابيك أو كراسي كافية، لا حمامات أو مكيفات، وأحياناً لا يقف على رصيف المحطات، فيقفز الركاب منه وهو يسير عند وصولهم وجهتهم.

ملأت الحادثة وتفاصيلها طول وعرض البلد. ووصلت صرخات الضحايا وذويهم سابع سماء. وأعلنت برامج الأخبار إهمال القيادات والمسؤولين. وجاءت أسماء الضحايا والمفقودين والمصابين والناجين في كل الصحف. لكن بعد أيام، سيتم لفّ هذه الصحف على شكل قراطيس، ليأخذ الشعب فيها الطعمية الساخنة والبطاطس المقلية، ليفطر ويبني صحته استعداداً ليصبح ضحية الغد، وخبر صحيفة ملطخة بزيت أسود فقير تنزفه أقراص الطعمية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard