مصر القديمة في عيون مؤرخي الإسلام

الثلاثاء 6 أبريل 202101:55 م

في 1799م، عثر أحد الجنود الفرنسيين في مدينة رشيد، على حجر دوّنت عليه بعض النصوص بلغات غير مفهومة.

الجندي التابع للحملة الفرنسية البونابارتية على مصر، سارع بإبلاغ رؤسائه بأمر هذا الحجر، ولم يمر وقت طويل حتى نُقل الحجر لأوروبا، ليعكف البعض من أهم علماء الآثار واللغات على سبر أغواره وكشف غوامضه، قبل أن يعلن الفرنسي جان فرانسوا شامبليون، عن نجاحه في فك شيفرة اللغة الهيروغليفية في عام 1822م.

الكشف الذي أعلن عنه شامبليون، أتاح الفرصة للتعرف على تاريخ عشرات القرون من الحضارة المصرية القديمة، وهو التاريخ الذي كان منسياً ومجهولاً بشكل كامل لفترة طويلة.

أحد الأسئلة المهمة هنا هو ذلك الذي يبحث عن طبيعة تفاعل المؤرخين المسلمين الأولين مع التاريخ المصري القديم. كيف فهم هؤلاء المؤرخون تلك الحضارة العتيقة التي تتبدى آثارها العظيمة أمام عيونهم صباح مساء؟ وكيف تعرضوا لحلقات الاتصال التي وقعت بين هذا التاريخ من جهة، وما ورد في النصوص المقدسة من جهة أخرى؟ وكيف ظهرت ملامح الثقافة العربية الإسلامية في مدوّناتهم التاريخية التي حكت عن تاريخ المصريين القدماء؟

في هذا المقال، سنحاول الإجابة على تلك الأسئلة من خلال المرور سريعاً على بعض ما سجّله خمسة من أهم المؤرخين المسلمين، وهم ابن عبد الحكم، في كتابه "فتوح مصر والمغرب"، ابن جرير الطبري في كتابه "تاريخ الرسل والملوك"، ابن كثير الدمشقي في كتابه "البداية والنهاية"، عبد الرحمن بن خلدون في كتابه "العبر والمبتدأ والخبر"، وأخيراً جلال الدين السيوطي في كتابه "حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة".

 كيف تفاعل المؤرخون المسلمون التاريخ المصري القديم؟ وكيف تعرضوا لحلقات الاتصال التي وقعت بين هذا التاريخ ، وما ورد في النصوص المقدسة؟ وكيف ظهرت ملامح الثقافة العربية الإسلامية في مدوناتهم التاريخية التي حكت عن تاريخ المصريين القدماء؟

كيف بدأ عمران مصر؟

كعادة المصادر التاريخية الإسلامية، والتي درج أصحابها على الربط بين كل مظهر من مظاهر العمران الإنساني من جهة والرسالات السماوية من جهة أخرى.

فإن جلال الدين السيوطي قد ذكر في كتابه "حسن المحاضرة"، أن الله لما خلق آدم، أطلعه على الدنيا كلها، فلما رأى آدم مصر أعجبه ما فيها من خير ونماء، "فدعا في النيل بالبركة، ودعا في مصر بالرحمة والبر والتقوى، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات، وقال: يا أرض فيك الخباء والكنوز، ولك البر والثروة، سال نهرك عسلاً، كثر الله زرعك، ودر ضرعك، وزكى نباتك، وعظمت بركتك وخصبت؛ ولا زال فيك الخير ما لم تتجبري وتتكبري، أو تخوني وتسخري، فإذا فعلت ذلك عراك شر، ثم يعود خيرك".

طبعاً، يظهر من الجزء الأخير من تلك الدعوة المُتخيلة، أن صاحبها قد أراد بها الإشارة إلى الحقبة الموسوية في مصر، وكيف أن البلاد المصرية سوف تنال حظها الوافر من الخير، ثم يلحق بها الشر عندما تتجبر وتتكبر وتسخر -وهي الأوصاف التي وصف بها فرعون موسى في القرآن الكريم- ثم يعود الخير لها في نهاية المطاف.

أشار السيوطي إلى أن مباركة الأنبياء لمصر قد تكرّرت مرة أخرى على لسان النبي نوح، إذ يقول إن مصر بن بيصر بن حام بن نوح كان نائماً ذات يوم إلى جنب جده حام، "فلما سمع دعاء نوح على جده وولده، قام يسعى إلى نوح فقال: يا جدي، قد أجبتك إذ لم يجبك أبي، ولا أحد من ولده، فاجعل لي دعوة من دعوتك. ففرح نوح، فوضع يده على رأسه، وقال:

اللهم إنه قد أجاب دعوتي؛ فبارك فيه وفي ذريته وأسكنه الأرض المباركة، التي هي أم البلاد وغوث العباد، التي نهرها أفضل أنهار الدنيا، واجعل فيها أفضل البركات، وسخر له ولولده الأرض وذللها لهم، وقوِّهم عليها".

 ذكر جلال الدين السيوطي في كتابه "حسن المحاضرة"، أن الله لما خلق آدم، أطلعه على الدنيا كلها، فلما رأى آدم مصر أعجبه ما فيها من خير ونماء، فدعا في النيل بالبركة، ودعا في مصر بالرحمة والبر والتقوى، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرات

وفي السياق نفسه، ذكر السيوطي ما يُفهم منه أن عمران مصر قد وقع بعد عمران بلاد ما بين النهرين، إذ قال "إن سبب سكنى مصر الأرض التي عرفت به وقوع الصرح ببابل فإنه لما وقع، تفرق من كان حوله ممن تناسل من أولاد نوح، فأخذ بنو حام جهة المغرب، إلى أن وصلوا إلى البحر المحيط".

نسب مصر إلى أحد أبناء أو أحفاد النبي نوح، أكّد عليه ابن خلدون في تاريخه، كما نقله عن بعض المؤرخين القدامى كالمسعودي والسهيلي، فنجده يقول "ونسبهم –أي المصريون- في المشهور إلى حام بن نوح، وعند المسعودي إلى بنصر بن حام، وليس في التوراة ذكر لبنصر بن حام وإنما ذكر مصرايم وكوش وكنعان وقوط. وقال السهيلي إنهم من ولد كنعان بن حام، لأنه لما نسب مصر قال فيه: مصر بن النبيط أو ابن قبط بن النبيط من ولد كوش بن كنعان".

أما عن الاسم القديم لمصر، فيعرفه السيوطي بأقسوس، وهي كلمة غامضة غير معروفة، وتقترب كثيراً من كلمة حق خاسوت، وهو الاسم الذي عُرف به الهكسوس الذين احتلوا جزءاً من مصر في عصر الدولة الوسطى، ويتحدث بعدها عن التنوع الإثني لسكان تلك البلاد، فيؤكد على أن أهلها كانوا موزعين ما بين القبطي واليوناني والعمليقي، "إلا أن جمهورهم قبط".

نسبُ مصر إلى أحد أبناء أو أحفاد النبي نوح، أكّد عليه ابن خلدون في تاريخه، كما نقله عن بعض المؤرخين القدامى كالمسعودي والسهيلي، فنجده يقول "ونسبهم –أي المصريون- في المشهور إلى حام بن نوح، وعند المسعودي إلى بنصر بن حام

وعندما يتحدث عن أهرامات الجيزة –وهي أهم الآثار التي جذبت انتباه العرب المسلمين بعد دخولهم مصر- ينقل جلال الدين السيوطي ما زعمه المندائيون قديماً من أن هرمي مصر؛ أحدهما قبر شيث والآخر قبر إدريس. ولكنه يستدرك على تلك المقالة، فيقول مصححاً: "الأصح ما هو إدريس؛ إنما هو مصر بن بيصر بن حام بن نوح".

أما ابن عبد الحكم في كتابه "فتوح مصر والمغرب"، فيقع في مغالطة واضحة في سياق حديثه عن عمران المدن المصرية، فينسب تأسيس مدينة الإسكندرية إلى فرعون موسى، إذ يقول: "كان أوّل شأن الإسكندرية أن فرعون اتّخذ بها مصانع ومجالس، وكان أوّل من عمرها وبنى فيها، فلم تزل على بنائه ومصانعه، ثم تداولها الملوك، ملوك مصر بعده...".

النبي إبراهيم وسارة والجبار

أهتم الإخباريون والمؤرخون المسلمون بتفصيل الحديث عن دخول أبي الأنبياء، النبي إبراهيم، إلى مصر، فحكوا عن قصة الملك الجبار الذي أُعجب بسارة زوجة إبراهيم، وكيف أن خليل الله قد قال له إنها أخته، فطمع الجبار فيها وأتى بها إلى قصره وضمّها إلى حريمه.

هذه القصة التي ورد ذكرها في سفر التكوين من العهد القديم، حظيت بموثوقية المدونات الحديثية الإسلامية، حتى أوردها محمد بن إسماعيل البخاري في صحيحه، مرفوعة إلى الرسول عن طريق الصحابي أبي هريرة.

رغم الشكوك الكثيرة التي تحيط بتلك القصة، والتي دفعت ببعض العلماء المسلمين لتكذيبها، ومنهم على سبيل المثال فخر الدين الرازي في كتابه "مفاتيح الغيب"، إلا أن الإخباريين المسلمين قد أهتموا بتوضيح أدق تفاصيلها.

فتحدثوا كثيراً عن جمال سارة، وأنها كانت أجمل النساء اللاتي خُلقن منذ حواء وحتى زمن النبي إبراهيم، واختلفوا في تحديد اسم جبار مصر، ففي حين يذكر السيوطي أن اسم هذا الجبار هو طوميس، فإن ابن خلدون يقول "إن الملك الّذي أراد سارة هو سنان بن علوان... والظاهر أنه من ملوك القبط".

أهتم الإخباريون والمؤرخون المسلمون بتفصيل الحديث عن دخول أبي الأنبياء، النبي إبراهيم، إلى مصر، فحكوا عن قصة الملك الجبار الذي أُعجب بسارة زوجة إبراهيم، وكيف أن خليل الله قد قال له إنها أخته، فطمع الجبار فيها وأتى بها إلى قصره وضمّها إلى حريمه

ويتفق المؤرخون المسلمون مع بعضهم البعض على أن الجبار لم يتمكن من سارة، لأنه كلما همّ بالاقتراب منها، وجد جسمه وقد ثقل وعجز عن تحريكه، فيما يذكر ابن كثير أن النبي إبراهيم كان يرى ما يحدث في بيت الجبار بعدما أزيلت الحجب من أمامه، في معجزة إلهية نادرة الحدوث.

 المصادر تحدثت أيضاً عن إطلاق الجبار لسارة، وأنه أهداها هاجر لتكون جارية لها، وكيف أنه توفي بعد فترة قصيرة، ليخلفه واحد من العماليق على حكم مصر، وهو المسمى بالوليد بن دومغ.

بحسب السيوطي، فإن الوليد هذا كان عظيم البنية، ولما آذاه ضرسه ذات مرة، نزعه، "فكان وزنه ثمانية عشر منّاً وثلثي منّ"، وإن هذا الضرس قد بقي موجوداً بين الناس لقرون طويلة، حتى "رئي بعد فتح مصر يوزن به في ميزان الوكالة".

السمة الأسطورية تظهر على القصة السابقة بشكل واضح، إذا عرفنا أن المنّ الواحد يعادل أربعة كيلوجرامات على أقل تقدير، بما يعني أن ضرس الوليد المذكور ها هنا كان وزنه يزيد عن السبعين كيلوجراماً!

 النبي يوسف والريان بن الوليد

يذكر ابن جرير الطبري قصة دخول النبي يوسف إلى مصر، ويتطرّق لعلاقة يوسف بالملك المصري وقتئذ، وكيف أنه قد تمكن من تحويله لاعتناق الإسلام قبل وفاته، فيقول: "فلما تمت له ثلاثون سنة –يقصد يوسف- استوزره فرعون ملك مصر، واسمه الريان بن الوليد بن ثروان... وأن هذا الملك آمن، ثم مات...".

تحدث ابن خلدون عن دور يوسف في عمران مدينة الفيوم، فقال "ودبّر له يوسف الفيوم بالوحي والهندسة، وكانت أرضها مغايض للماء فأخرجه وعمّر القرى مكانه على عدد أيام السنة..."

أما ابن خلدون فقد تحدث عن دور يوسف في عمران مدينة الفيوم، فقال "ودبّر له يوسف الفيوم بالوحي والهندسة، وكانت أرضها مغايض للماء فأخرجه وعمّر القرى مكانه على عدد أيام السنة...".

فيما نسب السيوطي ليوسف بعض من أهم الآثار الحضارية التي اختصت بها مصر: "وكان أول من قاس النيل بمصر، يوسف عليه الصلاة والسلام، ووضع مقياساً بمنف".

أما عن المكان الذي سكن فيه يوسف واخوته من بني إسرائيل في مصر، بعد أن قدموا من الصحراء، فإن السيوطي حدده في تلك المنطقة الواقعة "ما بين عين الشمس إلى الفرما".

ويفسر الطبري التحول الكبير في تعامل ملوك مصر مع بني إسرائيل، بوفاة الملك المؤمن الوليد بن ريان، وبوصول الملك الكافر قابوس إلى العرش "...ثم ملك بعده قابوس بن مصعب بن معاوية... وكان كافراً، فدعاه يوسف إلى الإيمان بالله فلم يستجب إليه..."، وهو الأمر الذي مهّد فيما بعد للمعاملة القاسية التي سيلقاها بنو إسرائيل من المصريين في عهد النبي موسى.

فرعون موسى وعوج بن عنق

تُعدّ قصة النبي موسى وخروج بني إسرائيل من مصر إلى أرض فلسطين، أهم القصص التي تعرّض لها المؤرخون المسلمون في مقام حديثهم عن مصر قبل الفتح الإسلامي لها.

من الملاحظ أن هناك اختلافاً واسعاً حول اسم فرعون موسى، ففي حين يسميه ابن خلدون بلهوب، أو الوليد بن مصعب، فإن السيوطي سماه طلما، وقال إنه كان من العماليق وأنه قد عاش لمدة خمسة قرون، حتى غرق في مياه البحر.

 السيوطي حاول أن يتتبع أثر ترقّي هذا الفرعون في السلطة، وكيفية تحوله من إنسان بسيط الحال إلى حاكم طاغية، فيقول إنه كان "نجاراً تقلب حاله إلى عرافة الحرس، ثم تطور إلى الوزارة، ثم إلى الاستبداد".

فيما يذكر ابن عبد الحكم قصة أخرى عن مسيرة فرعون إلى الحكم المطلق، وملخصها "أن ملك مصر توفي، فتنازع المُلك جماعة من أبناء الملك- ولم يكن الملك السابق قد عهد لأي منهم بخلافته- ولما عظم الخطب بينهم تداعوا إلى الصلح، فاصطلحوا على أن يحكم بينهم أول من يطلع من الجبل".

فكان فرعون- واسمه في هذه الرواية الوليد بن مصعب- هو أول من ظهر على الجبل "، وكان قصيراً أبرصاً، يطاطئ في لحيته فاستوقفوه، وقالوا: إنا جعلناك حكماً بيننا فيما تشاجرنا فيه من الملك، وآتوه مواثيقهم على الرضا. فلما استوثق منهم، قال: إني قد رأيت أن أملك نفسي عليكم؛ فهو أذهب لضغائنكم، وأجمع لأموركم، والأمر من بعد إليكم. فأمّروه عليهم لمنافسة بعضهم بعضاً، وأقعدوه في دار الملك بمنف".

الملاحظة المهمة هنا، أن هذه الرواية الغريبة لا تحكي قصة فرعون المصري بقدر ما تحكي قصة أحد صعاليك الجاهلية في بلاد العرب، من الذين خدمتهم ثنائية الحظ والدهاء، فرفعتهم من مقام الصعلكة إلى مقام السلطنة، بمعنى أن المؤرخ العربي المسلم كان يقص التاريخ المصري القديم وفق تصوراته العقائدية والمفاهيمية المنبثقة من تاريخه هو، ومن هنا لم يكن التأريخ الإسلامي لمصر القديمة إلا إعادة إنتاج لتاريخ الجاهلية العربية، وإن استبدلت الأسماء بما يتفق مع عجمة القبط.

كان المؤرخ العربي المسلم يقص التاريخ المصري القديم وفق تصوراته العقائدية والمفاهيمية المنبثقة من تاريخه هو، ومن هنا لم يكن التأريخ الإسلامي لمصر القديمة إلا إعادة إنتاج لتاريخ الجاهلية العربية، وإن استبدلت الأسماء بما يتفق مع عجمة القبط

في نسق روائي آخر، يتحدث الطبري عن القوة العظيمة التي اجتمعت لفرعون موسى إبان استعداده للحاق ببني إسرائيل، فيقول: "وتبعهم فرعون، وعلى مقدمته هامان، في ألف ألف وسبعمائة ألف حصان"، ويبالغ ابن عبد الحكم في إظهار مكانة فرعون موسى في قومه، فيقول إنه قد أصبح يوم خرج للحاق ببني إسرائيل، "فأمر بشاة فأتى بها فأمر بها تذبح ثم قال: لا يفرغ من سلخها حتى يجتمع عندى خمسمائة ألف من القبط فاجتمعوا إليه"، وهلكوا جميعاً بعد انطبق عليه البحر بحسب القصة المشهورة.

وهكذا تتبدل تصورات المؤرخين المسلمين القدامى عن فرعون موسى، فتتخيله مرة قصيراً مكيراً يصل إلى هدفه بالحيلة والخداع، كما تتصوره مرة أخرى قوياً باطشاً لا تُردّ له كلمة.

وفي الحالتين تستدعي الذاكرة العربية قوالب ونماذج جاهزة من حكايات العرب الشفاهية القديمة، لملء الفراغ التاريخي لسيرة الفرعون المصري؛ وإذا كان قصير الوارد في قصة الزباء جاهزاً لسد حاجة النموذج الأول، فإن عنترة وعمرو بن كلثوم جاهزان لسد حاجة النموذج الثاني. ولكن ما كان مصير مصر بعد هلاك فرعون، إذا كان كل الرجال قد قُضي عليهم؟

يقول ابن عبد الحكم في محاولة للإجابة على هذا السؤال، إن مصر لم يبق بها إلا النساء والعبيد،  فاتفقت النساء من علية القوم  على أن يولين امرأة منهن يقال لها دلوكة بنت زباء –لاحظ هنا تشابه الاسم مع الزباء ملكة تدمر في القصص العربية- "وكان لها عقل ومعرفة وتجارب.

وكانت في شرف منهن وموضع، وهي يومئذ بنت مائة سنة وستين سنة، فملكوها، فخافت أن يتناولها ملوك الأرض فجمعت نساء الأشراف، فقالت لهن: إن بلادنا لم يكن يطمع فيها أحد، ولا يمد عينيه إليها، وقد هلك أكابرنا وأشرافنا، وذهب السحرة الذين كنا نقوى بهم، وقد رأيت أن أبني حصناً أحدق به جميع بلادنا، فأضع عليه المحارس من كل ناحية، فإننا لا نأمن أن يطمع فيها الناس".

ويذكر ابن عبد الحكم أن ملوك الأرض لما عرفوا ما وقع بمصر وخلوها من الرجال، طمعوا في حكمها، فأرسلت دلوكة إلى إحدى الساحرات فصنعت مجموعة من الصور السحرية التي تتحرك لما يقترب العدو من مصر "فلما دنا العدو من مصر، تحركت تلك الصور التي في البر، فطفقوا لا يهيجون تلك الصور، ولا يفعلون بها شيئاً إلا أصاب ذلك الجيش الذي أقبل إليهم مثله؛ من قطع رؤوسها أو سوقها أو فقء عينها، أو بقر بطونها. وانتشر ذلك...".

على أن قصة موسى مع فرعون لم تكن هي القصة الوحيدة التي اهتم بها المؤرخون المسلمون في تلك الفترة، إذ نجدهم يذكرون بعض الروايات عن قصة قارون الوارد ذكره في القرآن الكريم، وقصة عوج بن عنق الوارد ذكرها في المصادر اليهودية.

فيما يخص قارون، يذكر ابن كثير أنه كان ابن عمّ موسى، "فهُوَ قَارُونُ بْنُ يَصْهَرَ بْنَ قَاهَثَ، وَمُوسَى بْنُ عِمْرَانَ بْنِ قَاهَثَ"، كما يذكر أن ما وقع له من خسف الأرض به قد وقع في مصر قبل خروج بني إسرائيل منها. ويفسر صاحب البداية والنهاية ما وقع لقارون "بأنه كان على دين فرعون وملائه".

أما فيما يخص قصة عوج بن عنق، فيختلف المؤرخون المسلمون في التعريف به، وأغلبهم يذهب إلى أنه أحد أحفاد آدم، وأنه كان عملاقاً جباراً بأرض مصر، وأن النبي موسى قد قضى عليه بضربه بعصاه في قدمه، وهو التصور الذي يتشابه كثيراً مع الكيفية التي قُتل بها البطل اليوناني الأسطوري أخيل في ملحمة الإلياذة الهوميرية.

بحسب ما ذكر ابن عبد الحكم فقد "كان طول سرير عوج الذي قتله موسى ثمانمائة ذراع وعرضه أربعمائة، وكانت عصا موسى عليه السلام عشرة أذرع، ووثبته حين وثب إليه عشرة أذرع، وطول موسى كذا وكذا، فضربه فأصاب كعبه، فخرّ على نيل مصر، فجسّره للناس عامة يمرّون على صلبه وأضلاعه".

المسيح في مصر

تتفق أكثرية المصادر التاريخية على أن مريم العذراء قد حملت ابنها عيسى وفرت به إلى مصر هرباً من الملك الظالم الذي كان يبحث عنه ليقتله، فعلى سبيل المثال يذكر ابن كثير: "قِيلَ لَهَا –أي مريم- إِنَّ رُسُلَ مَلِكِ الشام إنما جاؤوا لِيَقْتُلُوا وَلَدَكِ فَاحْتَمَلَتْهُ فَذَهَبَتْ بِهِ إِلَى مِصْرَ، فأقامت به حتى بلغ عمره اثنتي عَشْرَةَ سَنَةً، وَظَهَرَتْ عَلَيْهِ كَرَامَاتٌ وَمُعْجِزَاتٌ فِي حَالِ صِغَرِهِ".

تتفق أكثرية المصادر التاريخية على أن مريم العذراء قد حملت ابنها عيسى وفرت به إلى مصر هرباً من الملك الظالم الذي كان يبحث عنه ليقتله، فعلى سبيل المثال يذكر ابن كثير:"ذَهَبَتْ–أي مريم- بِهِ إِلَى مِصْرَ، فأقامت به حتى بلغ عمره اثنتي عَشْرَةَ سَنَةً، وَظَهَرَتْ عَلَيْهِ كَرَامَاتٌ وَمُعْجِزَاتٌ فِي حَالِ صِغَرِهِ"

من تلك المعجزات التي وقعت على يدي عيسى وهو في مصر، ما ذكره ابن كثير من أن المسيح قد سكن مع أمه عند أحد السادة الذين يتعهدوا الفقراء والمساكين والعجزة بالرعاية.

وذات يوم، اكتشف هذا السيد أنه قد سُرق، فبات كل من عنده في حزن وهمّ إشفاقاً على هذا الرجل الطيب، فلما رَأَى عِيسَى ذَلِكَ، "عَمَدَ إِلَى رَجُلٍ أَعْمَى، وَآخَرَ مُقْعَدٍ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ هُوَ مُنْقَطِعٌ إِلَيْهِ فَقَالَ لِلْأَعْمَى: احْمِلْ هَذَا الْمُقْعَدَ وَانْهَضْ بِهِ فَقَالَ: إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ فَقَالَ بَلَى كَمَا فَعَلْتَ أَنْتَ وَهُوَ حِينَ أَخَذْتُمَا هَذَا الْمَالَ مِنْ تِلْكَ الْكُوَّةِ مِنَ الدَّارِ، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ صَدَّقَاهُ فِيمَا قَالَ وَأَتَيَا بِالْمَالِ فَعَظُمَ عِيسَى فِي أَعْيُنِ النَّاسِ وَهُوَ صَغِيرٌ جِداً".

ومن تلك المعجزات، أن ابن السيد الذي كانا يسكنان في معيته، قد أراد أن يقيم الاحتفال ابتهاجاً باتمام طهور أبنائه.

فلما أراد أن يسقي الخمر لجميع الحاضرين، اكتشف أن الكمية غير كافية، وأن جرار الخمر فارغة "فَلَمَّا رَأَى عِيسَى ذَلِكَ مِنْهُ قَامَ فَجَعَلَ يَمُرُّ عَلَى تِلْكَ الْجِرَارِ وَيَمُرُّ يَدَهُ عَلَى أَفْوَاهِهَا، فَلَا يَفْعَلُ بِجَرَّةٍ مِنْهَا ذَلِكَ إِلَّا امْتَلَأَتْ شَرَاباً مِنْ خِيَارِ الشَّرَابِ. فَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ جِداً وَعَظَّمُوهُ وَعَرَضُوا عَلَيْهِ وَعَلَى أُمِّهِ مَالاً جَزِيلاً فَلَمْ يَقْبَلَاهُ وَارْتَحَلَا قَاصِدِينَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ".

من المهم هنا ملاحظة أن بعض المصادر، ومنها "حسن المحاضرة" على سبيل المثال، قد أشارت إلى أن المسيح قد ولد في مصر، إذ يذكر السيوطي نقلاً عن بعض الإخباريين القدامى قولهم: "ورأيت في بعض الكتب أن عيسى ولد بمصر بقرية أهناس، وأنه نشأ بمصر، ثم سار على سفح المقطم ماشياً..."، وهو الخبر الذي يمكن تفسيره بمحاولة المؤرخين المصريين لاستغلال أي فرصة ممكنة للإعلاء من شأن بلدهم، حتى لو كانت الرواية التي يلجؤون إليها ظاهرة الزيف.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard