يحبّون "الليالي السود"... فلّاحو تونس وأحاسيس خاصة بالزمن

السبت 23 يناير 202105:16 م

على عكس "السواد" الذي يخيّم على العالم هذه الأشهر جراء تفشي فيروس كورونا، وظهور سلالات جديدة كبحت فرحة المواطنين باللقاح الجديد، يعيش المزارعون في تونس "ليالٍ سود"، ولكنها مبشرة، ومفرحة، ومثيرة لاهتمامهم، يتوسمون فيها الخير، والبركة، ويعتبرونها طريقاً سالكاً نحو عام مليء بالخيرات والمسرَّات.

"الليالي السود يفتح فيها كل عود".

الليالي السود وفق التقويم الفلاحي "الأمازيغي" الذي يستعمله سكان شمال أفريقيا، وهي أيام وليالٍ تكون شديدة البرودة نهاراً، ودافئة ليلاً، ويستبشر بها الفلاحون لأنها أيام مباركة، ويضربون المثل، قائلين: "الليالي السود يفتح فيها كل عود"، وقيل في هذه الليالي أيضاً: "إذا تكلّم السّحاب في اللّيالي، سجّل اللوح والمداري، ووين تحطّ رزقك يحالي".

يقول حمد حميدة (54 عاماً)، يعمل بالفلاحة، إن أجدادنا كانوا يستعملون التقويم الفلاحي لتنظيم المواسم والأعمال الفلاحية، "وهو عبارة عن استقراء لحالة الطقس، ولا يخضع للقاعدة العلمية نفسها التي يعتمدها علماء المناخ، ويحمل في طياته أسماء غريبة نوعاً ما بالنسبة للأجيال الحالية وسكان المدن، مثل الليالي البيض، قرة العنز، العزارة، الحسوم، جمرة الماء، وصولاً إلى أيام الصيف الساخنة، وحرارة أوسو".

علم الأجداد

لم يستعمل الأجداد قاعدة علمية لمعرفة حالة الطقس أو التكهن بالتغيرات المناخية، لكنهم اكتسبوا من خلال تجربتهم، وارتباطهم الوثيق بالطبيعة خبرة مكَّنتهم من تفصيل أيام السنة بما يتناغم مع حياتهم، وأعمالهم الفلاحية، التي كانت خبزهم اليومي، ومورد رزقهم الوحيد، بحسب حميدة.

يقول العم صالح (67 عاماً) فلاح من محافظة باجة في شمال غرب جمهورية تونس، إن التقويم الفلاحي من الموروث الشعبي لسكان شمال أفريقيا، وتُروى حكايات عن راعي إبل اخترعه، يدعى غيلان، لأنه كان يتنقل كثيراً، وهو يرعى إبله وسط تونس، وقد اكتسب ذلك بتراكم التجارب ومرور السنين.

يحبون الليالي السود، التي يغيب فيها القمر بسبب الغيوم، أسماء مثل "الليالي الملاح"، وأقاويل شاعرية مثل "الليالي السود يخضار فيها كل عود"

ويُقال عن غيلان إنه هو من وضع حساباً دقيقاً يضبط فيه أيام كل فصل من فصول السنة بكل دقة، إذ تحكي الأسطورة أن عدداً من الخبراء في التقويم جاءوا من المغرب الأقصى لمناقشته حول التقويم، فأكرمهم، وأحسن ضيافتهم، وبحلول الفجر غادرهم، فاحتلب ناقة له، ووضع حليبها في قربة، وخرج لرعي الإبل، وعاد إليهم في المساء، واحتلب الناقة مرة أخرى، ووضع حليبها في قربة أخرى، ولما لاحظ في وجوههم علامات الضجر، قال لهم: "سريع مطيع، مشيت في الشتاء وعدت في الربيع"، أي أنه غادرهم شتاءً، وعاد لهم في فصل الربيع، ثم مد لهم إبريقين من الحليب، فلاحظوا فرقاً واضحاً في الحليبين.

ويحتل التقويم الفلاحي صدارة اهتمام المزارعين في تونس، رغم التطور التكنولوجي والعلمي، وظهور آليات وتجهيزات جديدة، بواسطتها يتم رصد الوضع المناخي، بما يوافق الدورة النباتية.

ليالي الشدة

حسب التقويم الفلاحي، تنطلق أيام الشتاء في بداية الليالي البيض، تمتد من 25 كانون الأول/ ديسمبر إلى 13 كانون الثاني/ يناير، وسميت بالليالي البيض لأن لياليها تكون بيضاء بضوء القمر، وتكون أيضاً قليلة الغيوم والسحب، ومن أهم خصائصها المناخية أن البرودة تكون فيها شديدة ليلاً، ويصحبها نزول الصقيع، و"الندى"، بينما هي دافئة نسبياً في النهار.

يقول بوبكر الثابتي (53 عاماً)، فلاح من محافظة باجة، لرصيف22: "أيام الليالي البيض تنكمش فيها الأرض، ولا تنمو فيها النباتات والأعشاب بالنسق المعتاد، ويقل الكلأ، وهي أصعب أيام السنة على الفلاحين، إذ يضطر معظمهم إلى شراء الأعلاف، وعدم المجازفة بإخراج الأغنام صباحاً للرعي، خوفاً من سم الصقيع، الذي يتسبب في موت الخراف".

أما الليالي السود، فتستمر 20 يوماً، من 14 كانون الثاني/ يناير إلى 2 شباط/ فبراير، طقسها شديد البرودة نهاراً، ودافئ ليلاً، وخلال هذه الفترة تبدأ المزروعات في النمو، بعد مرحلة سبات عاشتها في "الليالي البيض"، وينشط فيها المزارعون كثيراً، إذ ينطلقون إلى غرس شتول الأشجار المثمرة.

ويلفت الثابتي إلى أن الفلاحين يستبشرون كثيراً بهذه الليالي، لأنها تعيد الحياة للأرض بعد جمودها خلال الليالي البيض، وتفتح فيها الأزهار، وتخضر الأشجار، يقول: "كان أجدادنا يطلقون عليها الليالي الملاح، ويقولون أيضاً الليالي السود يخضار فيها كل عود".

الحرب على الماعز

في نهاية الليالي السود ندخل مرحلة "العزارة"، التي تدوم عشرة أيام، من 3 شباط/ فبراير، إلى 13 منه، وأصل كلمة "العزارة" هي "العزري"، بالمفهوم العامي التونسي أي الأعزب، (الشاب غير المتزوج يسمونه" العزري") وتكون حالة الطقس في هذه الفترة متقلبة، فتارة يكون جميلاً وأخرى يكون بارداً وممطراً، وهو ما يتوافق تقريباً مع حالة بعض العزاب "العزرة".

ويعدّ يوم عيد الحب، الذي ينشر الفرحة، والود، والتقارب بين الناس نذير شؤم بالنسبة للفلاحين، الذين يتخوفون منه كثيراً، ويطلقون عليه "قرة العنز"، ويكون ذلك اليوم شديد البرد، وعاصفاً، وتتساقط فيه الثلوج أحياناً، ويكون خطراً على الحيوانات، وكثيراً ما ينفق الماعز بوجه خاص لكونه حيواناً هزيلاً يتأثر كثيراً بالبرد القارس.

ويمكن أن تمتد "قرة العنز" من 14 شباط/ فبراير إلى 19 منه، ويعود أصل التسمية إلى كلمة "قِرّة"، وهي البرد الشديد، وفي رواية أخرى فإن أصل الكلمة "ڤرة" (بالفرنسية: guerre)‏ وتعني الحرب، وهو ما ذهب إليه البعض بأن هذه الفترة من السنة، هي حرب مناخيّة على فصيلة الماعز، ويتداول الأمازيغ قصة أسطورية بين الماعز وشهر كانون الثاني/ يناير.

"مطر مارس ذهب خالص"

بعد مرور "قرة العنز"، تبدأ أحوال الطقس في التحسن، وتدريجياً يعم الدفء، ويتلاشى الهواء البارد، لذلك أطلقوا على تلك الأيام أيام "نزول جمرة الهواء"، وذلك بين 20 و 26 شباط/ فبراير، ثم تنزل جمرة الماء يوم 27 منه، فتدفأ مياه الأنهار والبحار والأودية، بعد تلك الفترة يدخل الربيع، الذي يتوافق مع نزول جمرة التراب، فتدفأ الأرض، وتشرع النباتات والأعشاب والحبوب في النمو بسرعة أكبر.

يؤكد محمد العويني (45 عاماً)، فلاح من محافظة الكاف، أن نزول جمرات الهواء والماء والتراب يمثل إعلاناً عن تهيّؤ الأرض لإنبات الزرع، وفيها يكون الوقت مناسباً لغرس شتول الأشجار المثمرة.

"في تلك الأيام تهيج القطط في الشوارع، وتطلق أصواتاً غريبة طلباً للتزاوج، وهو ما يطلق عليه بفورار، حينها نتأكد رسمياً من حلول الربيع"، يشرح العويني لرصيف22.

ويهل "الحسوم" بعد تلك الفترة، من 10 إلى 17 آذار/ مارس، وتهب فيها الرياح كثيراُ، بحسب العويني، لأن في ذلك "حكمة كبيرة، إذ تتلاقح الأشجار والنباتات، وبعد تلك الفترة يأتي اعتدال الربيع في 21 آذار/ مارس، أي يتساوى الليل والنهار، وقد كان الأجداد يطلقون على هذه الفترة المثل الآتي: "في الحسوم نحي دبشك وعوم، وزيد أربعين يوم"، كما كان الأهالي يستبشرون بنزول الأمطار في شهر آذار/ مارس، ويقولون المثل الشعبي "مطر مارس ذهب خالص"، كما يمثل نزول الثلوج في هذا الشهر مؤشراً على أن الموسم سيكون استثنائياً (العام صابة)، ويردد سكان محافظة جندوبة هذا المثل "حك الشيب على الشيب"، أي أن الثلوج تنزل على النباتات المزهرة التي يميل لونها إلى شيب الشعر.

ويقول المثل الشعبي أيضاً "أول مارس مهري البرانص، وآخر مارس يخلي اللبن قارس"، والمقصود أنه من شدة البرد في بداية آذار تهترئ الملابس والمعاطف، أما في آخره فتنعكس الأحوال والأجواء، وترتفع درجة الحرارة، ويقال أيضاً "مارس بو الثلوج، وأبريل بو العسلوج"، أي أن آذار/ مارس يتميز بهطول الثلوج، بينما نيسان/ أبريل يتميز بخروج نبتة العسلوج الربيعية".

"في تلك الأيام تهيج القطط في الشوارع، وتطلق أصواتاً غريبة طلباً للتزاوج، وهو ما يطلق عليه بفورار، حينها نتأكد رسمياً من حلول الربيع"

أما "أوسو" وهو فترة من فترات الصيف حسب التقويم الفلاحي، ويمتد بين 25 تموز/ يوليو و2 أيلول/ سبتمبر، فيعرف بقيظه الشديد، وارتفاع نسبة الرطوبة في الجو.

في ما يتصل بأصل التسمية فإن "أوسو" كلمة أمازيغية تتكون من كلمتين "أوي"، بمعنى خذ، و"سو" بمعنى اشرب، وتشير إلى فقدان الإنسان الكثير من السوائل في الجو الحار، وما يترافق مع انتهاء أعمال الزراعة، والفلاحة، وهما من المهن الرئيسية لمعظم سكان المنطقة قديماً وحديثاً.

وخلال أيام الصيف الحارة تلك، يتوجه تونسيون إلى البحر للتداوي بالمياه، والرمال الساخنة، ويقيمون احتفالاً في محافظة سوسة، يحضره سنوياً آلاف المواطنين.

تجانس مع العلم

يقول الاختصاصي في علم المناخ بجامعة تونس، زهير الحلاوي، لرصيف22 إن التقويم الفلاحي "هو تراكم خبرات متتالية جمعها الفلاح عبر ملاحظته للطبيعة، والتغيرات التي تحدث في الجو، وعلاقتها بالنشاط الذي يقوم به، وبالتالي لا يمكن أن ترتبط بشخص معين، خلافاً للأساطير التي ربطتها براعي الإبل غيلان".

ويشير إلى أن الفلاح التونسي وضع إستراتيجية خاصة لتمرير تلك المعلومات الخاصة بالمناخ للأجيال التي نشأت بعده، وذلك عبر الأمثال الشعبية، مثل "الليالي السود يخضار فيها كل عود" و "مطر مارس ذهب خالص".

وينفي الحلاوي وجود تطابق بين التقويم الفلاحي والمعطيات العلمية، ولكن هنالك "نسبة كبيرة في التجانس، بين المعرفة التقليدية للتغيرات المناخية من خلال التقويم الفلاحي، وما يحدث في البلاد التونسية، من هنا بات الاعتماد على هذا المنهج في ملاحظة النشاط الفلاحي، بالاستئناس فقط بمعارف المزارعين كمرحلة أساسية في فهم طبيعة المناخ".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard