الكروشيه والبحث سعادة حقيقية عنوانها الألوان

الأربعاء 24 مارس 202110:49 ص

طوال عمري وأنا ألوم أمي لأنها لم تعلمني شغل الكروشيه، كلما رأيت أحد الأغطية زاهية الألوان التي اشتغلتها قبل عشرات السنوات لا يزال محافظاً على رونقه، أشعر بنار تأكلني لأن أمي هي من صنعته، في حين أتحرّق، أنا ابنتها، لمعرفة سر هذه الصنعة العجيبة.

كبرت وكبر غيظي، لا سيما وأنني أصبحت مهتمة أكثر بهذا الفنّ الساحر، أقف مندهشة أمام ما يمكن لإبرة قد لا تتجاوز الـ 3 ملم وخيط لطيف أن يصنعاه في حال اتحادهما.
لا يمر يوم دون أن أدخل إلى بعض صفحات الكروشيه الكثيرة التي أصادفها على فيسبوك، وأستمتع بألوان مشغولاتها فأحفظ الكثير من الصور على هاتفي، وألوك أمنيتي القديمة المتجددة ذاتها، مع شعور بغيض وغريب بانتقاص في أنوثتي.

محاولات التعلّم

قبل سنوات، حاولت إحدى السيدات الماهرات تعليمي مسك إبرة الكروشيه، فوجدت الموضوع مستحيلاً، فيما رحتُ أتأمّل يديها وهما تحيكان القطعة بانسيابية مدهشة، ودون أن تنظر إليهما حتى فيما تحيك!
المرّة الثانية التي حاولتُ إعادة المحاولة كنت حاملاً بابني في الشهر التاسع، حيث عجزت آخر فترة عن الحركة وكدت أفقد أعصابي من شدة تعبي وقلقي، فشاهدت أحد فيديوهات تعليم الكروشيه للمبتدئين، ورحت أحاول مسك الإبرة التي كنت قد اشتريتها مع بعض الخيطان، لكن عبثاً فعلت، إذ أخذ كل من الإبرة والخيط ينزلقان من بين أصابعي، وفشلت في فهم وضعية الأصابع المطلوبة مع تفاقم توتري الذي انقلب غضباً، فقررت بعدها أن أستسلم لفكرة أنني غير قادرة على هذا العمل الذي يتطلب قدرة عجيبة لفعله، ورميت الإبرة وكرة الخيوط في صندوق كبير، لتغورا في أعماقه بعيداً عن عيني.

السرّ في الأصابع... في اليدين اللتين يقول لي أبي دائماً إنهما أغلى ما لدى الإنسان، فالعمل بهما يدع كل الحواس تستيقظ، ويستنهض العقل والخيال. أبي الذي يقضي حياته وفياً ليديه لذا لم تخوناه حتى هذه اللحظة التي يقترب فيها من الثمانين

مرت سنوات بعد المحاولة الثانية، لكنّ أمنية الطفلة التي أصبحت أمّاً لطفلة وطفل ظلّت تنبض بداخلي، فيما ذاكرة صور الكروشيه تأخذ بالاتساع في هاتفي، وشغفي بالانتماء إلى هذا العالم الزاهي الرّحب، بل غير المحدود، يكبر، بمقابل انضغاط الوقت حد الاختناق يوماً بعد يوم أكثر، إلى أن بدأ زمان الجائحة والحجر المنزلي.
في الأسبوع الأول وجدت نفسي أعود إلى سابق عهدي مع القراءة والكتابة والنشر، وظللت هكذا حوالي الشهر، إلى أن بدأت دفة قيادة البيت والأولاد تهتز بين يدي نتيجة الضغط الذي حمّلته لنفسي وجسدي، وبالطبع حين سأرى عائلتي في كفة ميزان مقابل شيء آخر، سأضع ثقلي كلّه في كفته الثانية كي تكون الراجحة، عائدة لطي صفحة الكتابة، مجنّبة عائلتي تقصيراً ما، ونفسي المزيد من عقد الذنب.
شيئاً فشيئاً بدأ الخواء يأكلني. لا أستطيع تحديد ما أريد، اشتريت الكثير من الألعاب بحجة محاولة تسلية الأطفال، عدت لألعاب بطاقات الشدّة العديدة التي أعشقها، وعلّمتُ ابنتي لعبة الكون كان. طبخت وحضّرت العديد من أصناف الطعام والحلويات، وأكلت منها وزاد وزني بضعة كيلو غرامات. شكرت ربي كل دقيقة على كل شيء رغم كل شيء. مارست هواية "الدي جي" التي أتقنها جيداً، ورقصنا كلنا على الأغاني التي أختارها. لا بدّ من أمر جديد... لا بدّ أن أجد ضالتي في شيء أحبّه، ولماذا لا يكون الكروشيه؟ ألستُ عاشقة لتصميم الإكسسوارات ونجحت في ذلك حين حاولت؟ ألست من هواة إعادة التدوير وقد قمت بتجديد العديد من القطع التي كانت ذاهبة للرمي في النفايات، وتحويلها إلى أشياء مفيدة وجميلة؟ أو لم أتعلم حياكة الصوف بالسنارتين مذ كنت في الثامنة من عمري، أو لم أزلّل عقبات عوالم الفلسفة الوجودية على مدى أشهر ستة قبيل خوضي في بحث الماجستير؟

التعلم من خلال فيديو للمبتدئين

رحت أشجّع نفسي، ووجدتني أخرج الخيوط والإبرة وألجأ مباشرة إلى يوتيوب، وأباشر التعلم من خلال فيديو للمبتدئين.
سرعان ما استقرت الإبرة بين أصابعي كما يوضح الفيديو والخيط كذلك، ورحت أحيك أول سلسلة بسلاسة أصابع الأنثى التي أعرفها فيّ، الأنثى التي لم تخذلني حين علمت أن الكتابة قدري مذ كنت طفلة. نعم، هي الكاف مجدداً، كافُ إبداعٍ إنجازه لا يقلّ في نفسي سعادةً عن سعادتي بإنجاز نصّ، أو إصدار كتاب.
السرّ في الأصابع، في اليدين اللتين يقول لي أبي دائماً إنهما أغلى ما لدى الإنسان، فالعمل بهما يدع كل الحواس تستيقظ، ويستنهض العقل والخيال. أبي الذي يقضي حياته وفياً ليديه لذا لم تخوناه حتى هذه اللحظة التي يقترب فيها من الثمانين.

الآن أكتشف ذلك الدعم الأنثوي المبطّن الذي تلمّستُه في عالم الكروشيه اللامتناهي، من خلال صفحات الكروشيه على فيسبوك ومن خلال دعم بعض الصديقات حين عرفن أنني أنوي  دخول هذا العالم. عالم بدأت رحلة غوصي فيه بحثاً عن سعادة حقيقية عنوانها الألوان

السرّ في اليدين اللتين حين تصنع بهما ابنتي جنى شيئاً مدهشاً، تعلّق بالقول: لست أنا من فعلتُ هذا بل يدي، تركتهما تشتغلان بمفردهما ففعلتا.
تلك الطاقة السحرية التي تختزنها الأصابع هي القادرة على الفعل.
الآن فقط أكتشف رموز الماضي، وأفكك ألغازاً من خيطان ملونة كانت تذهل تلك الطفلة حين تتأمّل بالأغطية الكثيرة التي تراها في دروج أمّها.
الآن أكتشف ذلك الدعم الأنثوي المبطّن الذي تلمّستُه في عالم الكروشيه اللامتناهي، من خلال صفحات الكروشيه العديدة على فيسبوك بشكل عام، وبشكل شخصي، من خلال دعم بعض الصديقات لي حين عرفن أنني بدأت وأنوي المضي في هذا العالم. عالم بدأت رحلة غوصي فيه بحثاً عن سعادة حقيقية عنوانها الألوان، التي لا أريد الانتماء إلى غيرها على هذه الأرض.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard