"في بيتنا متوحّد"... بين معاناة الأسر وصحراء التشخيص في المغرب

الجمعة 2 أبريل 202106:05 م

بالصراخ والعصبية والكثير من الدموع واجه طه زيارة طبيب الأسنان. هكذا تتذكر والدة الشاب الذي يعيش في طيف التوحد آخر زيارة لعيادة الطبيب بغرض إزالة ضرس أوجعه لأيام.

"كان الأمر أشبه بحصة تعذيب أكثر منه إزالة ضرس. إذ تحولت زيارة طه لعيادة الطبيب إلى جحيم لا يطاق. يتكرر الأمر في كل مرة يواجه فيها العالم الخارجي، لأن ابني يرفض أن يلمسه أحد فما بالك بأن يفتح فمه أمام أجنبي"، تحكي أم طه لرصيف22 عن معاناتها.

ارتفاع نسبة القلق لدى البعض منهم تؤدي إلى حدة في التصرف اتجاه الغير أو حتى اتجاه أنفسهم، توصف  "بالسلوك العنيف". 

الأمر نفسه يتكرر مع هنية شكري وهي أم طفلين مصابين بالتوحد. تعزو الأسباب لجهل الكثير من الأطباء للطريقة المثلى لمعاملة الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، "خاصة أن أطفالنا يعانون من فرط الحركة والخوف الشديد الذي يصل أحيانا للرهاب، مما يجعلنا نضطر لتخدير كلي أو استعمال القوة لتثبيتهم في مكانهم من أجل خلع الأسنان".

طارق الرحماني طبيب أخصائي في طب أسنان الأطفال بالدار البيضاء يوضح لرصيف22 أنه لا يتم اللجوء إلى التخدير الكلي في جميع الحالات بل "بحسب حدة التوحد، ويتم اعتماد التخدير بشكل خاص لأولئك الذين لا يقبلون التواصل بشكل نهائي أو الذين يلجؤون أحيانا للعنف أو من يحتاج لعلاجات كثيرة دفعة واحدة قد تستغرق مدة طويلة".

ما ينعت بـ"العنف"، ليس لطبيعة عنيفة في هؤلاء الأطفال، ولكن لأن من يعيشون داخل اضطرابات طيف التوحد، خاصة ما يعرف بـ"متلازمة كانر"، يشعرون بقلق كبير من التعامل مع العالم الخارجي وأشخاص لا يعرفونهم. ومن أبرز محددات الطيف هو عدم القدرة على التواصل مع الآخرين، ما يؤدي إلى ارتفاع نسبة القلق لدى البعض منهم وأحيانا كثيرة إلى حدة في التصرف اتجاه الغير أو حتى اتجاه أنفسهم، توصف من الأشخاص الذين يعيشون خارج طيف التوحد "بالسلوك العنيف".

عزلة العائلات و"صحراء التشخيص"

لا توجد دراسات أو أرقام رسمية في المغرب حول عدد من يعيشون هذا "الاختلاف" كما يفضل  تسميته الأشخاص الذين يعيشونه، خاصة في دول غربية، بدل تسميته بالمرض أو الإصابة وهو ما أصبح متعارفا عليه في لغات كالإنجليزية أو الفرنسية.

ووفق ما أكدته سمية العمراني، رئيسة "تحالف الجمعيات العاملة في مجال إعاقة التوحد" لرصيف22،  فإن السلطات لا تجمع البيانات الخاصة بالموضوع. وتقول العمراني "لا يمكننا الحديث عن رقم رسمي وصريح. لكن باعتماد النسبة الدولية المقدرة بـ1 في المئة من السكان، فإن الأشخاص ذوي التوحد في المغرب يتراوح عددهم ما بين 300 ألف و400 ألف شخص".

وتعرف منظمة الصحة العالمية اضطرابات طيف التوحد بأنها "طائفة من الاعتلالات" تظهر في ضعف السلوك الاجتماعي والقدرة على التواصل والمهارات اللغوية إلى حد ما. كما يتسم المصاب بالتوحد بضيق نطاق اهتماماته وأنشطته التي يميل في الغالب إلى التمسك بها وتكرارها.

وتشير الدراسات إلى أن نسبة 1 في المئة تتعلق بجميع من يعيشون داخل "طيف التوحد"، بحسب تعريف "الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية" الشهير بـ DSM-IV. وقد غيّر الدليل، في نسخته الخامسة الصادرة عام 2015 من التقسيم القديم للتوحد الذي كان يُصَنَّفُ ضمن متلازمتين هما متلازمة كانر ومتلازمة أسبرجر.  الدليل الذي تنشره "جمعية الطب النفسي الأمريكية" ويُعْتَمَد بشكل كبير في الأوساط الطبية عبر العالم، أصبح يتحدث عن "اضطرابات طيف التوحد" أي عن طيف واسع من الاضطرابات التي تدخل في مجال التوحد. أما الخلاف بين متلازمتي كانر وأسبرجر، فهو أن الأولى يرافقها "إعاقة ذهنية" أمّا أسبرجر فيبدو من يعيش داخلها "عاديا" وفق معايير المجتمع. وكثيرا ما لا يستطيع هو بدوره أن يضع اسما على معاناته ويعيش ما يوصف في الأوساط العلمية الغربية بـ"صحراء التشخيص".

علي (استم مستعار) شاب يعيش اليوم في كندا. لم يعرف الكثير عن التوحد قبل إقامته هناك، ولا أنه داخل الطيف (متلازمة أسبرجر). خلال طفولته كان متفوقا في المدرسة ولم يكن يجد أي صعوبة في الحصول على علامات عالية وفي أن يندمج في المجتمع. وكان يلعب أحيانا مع أقرانه رغم أنه كان يجد متعة أكبر في الحديث مع البالغين. لكنه شعر باختلاف جعله دوما على مسافة من الآخرين، وأصبح هذا الشعور أكثر حدة في سن المراهقة. "صرت أبتعد عن باقي الأطفال أكثر فأكثر، وكان الخروج من البيت ولقاء الناس أمرا مقلقا للغاية"، يقول لرصيف22.

يتذكر أنه بكى حين أخبره الطبيب بأنه "متوحد". ليس حزنا ولكن من الفرح. "صحراء التشخيص" ومعاناة أسر المتوحدين في المغرب واقع يومي

 توقف علي عن الخروج للعب مع أطفال الحيّ، وأصبحت علاقاته محدودة تدريجيا مع الآخرين. يقول مازحا "ما أنقذني هو حبي للكتب وأفلام الخيال العلمي، التي كنت مهووسا بها. لكنني كنت أحس بحزن عميق وكآبة لجهلي أحيانا كيفية التواصل مع الآخرين وعدم قدرتي على ربط صداقات رغم أنني كنت أرغب في ذلك. كان السبب أن اهتماماتي لم تشبه اهتمامات باقي المراهقين. وحين أصبحت راشدا أدرس في الجامعة كنت أجد صعوبة أكبر في التأقلم. مع أجواء العمل، عجزت عن خلق علاقة هادئة مع زملائي ورؤسائي رغم أنني لم أكن أنوي أن أكون صداميا".

عدم القدرة على "التواصل" سببت له مشاكل فرغم أنه كان يؤدي مهامه كما يجب، كان يلام من الآخرين على طريقته في التعامل معهم. كانوا يصفونه بالمتعجرف، في حين يقول الآن وهو يفهم جيدا وضعه السابق، "كنت صادقا مع الآخرين وعقلانيا في وصفي للأمور وأصر على وجهة نظري أكثر من اللازم، وهذه من خاصيات التوحد. لكن المجتمع المهني يحتاج إلى بعض المحاباة والنفاق والمرونة مع الآخرين. وحين تقول أمرا موضوعيا للآخر يشعر أنك أهنته رغم أن هذا ليس هو الهدف من كلامك".

فرصة الهجرة إلى كندا جعلته يعيش في مجتمع من أكثر المجتمعات تقدما في البحوث في مجال طيف التوحد. وهناك تعرف عليه بالصدفة في أحد البرامج التلفزيونية. يضيف "حين شاهدت البرنامج كان الأشخاص الذين قدموا شهادتهم يشبهونني كثيرا في شخصيتي وذكرياتهم كانت تتقاطع مع مواقف عشتها سابقا سواء في الحياة أو العلاقة مع الآخرين، كالعجز عن التعبير عن المشاعر وعدم القدرة على التعبير عن الحب وفشل العلاقات العاطفية أو المشاكل مع الزملاء في العمل. لطالما اعتقدت أن التوحد ترافقه دوما إعاقة ذهنية لكن الأمر اختلف كليا بعدها. تواصلت مع مركز طبي وبعد أشهر قليلة حصلت على التشخيص. كان هذا تحررا من ثقل كبير".

منظمة الصحة العالمية اضطرابات طيف التوحد بأنها "طائفة من الاعتلالات" تظهر في ضعف السلوك الاجتماعي والقدرة على التواصل

يتذكر أنه بكى حين أخبره الطبيب بتأكيد التشخيص "وأنه يدخل في الخانة". ليس حزنا ولكن من الفرح. فمعاناته في التواصل مع الآخرين جعلته يلوم نفسه ويعتقد أن "المشكلة منه".

يحاول الشاب اليوم أن يُصلّح الكثير من الآثار النفسية التي ترتبت عن "صحراء التشخيص"، لكن آخرين يقيمون في المغرب لا يملكون هذه الفرصة. فقلة قليلة من الأطباء يقومون بالتشخيص وجلهم يعملون في القطاع الخاص، كما أن العائلات نادرا ما تنتبه إلى "اختلاف أبنائها" وتعزوه إلى الخجل أو هدوء الطفل، ويتعمق الأمر أكثر عند النساء، إذ أن دراسات غربية تشير إلى أن التشخيص في أوساطهن أقل مما هو عليه لدى الرجال لأسباب اجتماعية وطبيعة الطرق المستعملة في التشخيص.

إيمان حادوش المكلفة بالتواصل في "جمعية سفراء التوحد" وهي إطار مدني يضم متطوعين وعائلات متوحدين، اعتبرت في تصريح لرصيف 22 أن الأرقام الحكومية  المعلن عنها غير دقيقة ولا تعكس أبدا حقيقة التوحد "لأنها تفترض وجود تشخيص، وفي العديد من الحالات يصعب التشخيص، أو ترفض الأسر القيام به أو تقوم بالتستر على وضع الطفل، ناهيك عن الحالات في المجال القروي، حيث يتم دمج الطفل مبكرا ويتم تقبله بشكل طبيعي في حالات الطيف الخفيف، أو يصنف كمس من الجن وغيره من المعتقدات الشعبية".

التعليم لمن استطاع إليه سبيلا

زيارة الأطباء أو الخروج في نزهة عائلية ليست الأمر الوحيد الذي يرهق أسر المصابين بالتوحد هنا في المغرب. بل إن التعليم يشكل واحدا من بين هواجسهم الأكبر.  "لا تشكل المدرسة العمومية المغربية بيئة مناسبة للطفل المتوحد نظرا لعدم تكوين الأساتذة في المجال واعتماد مناهج غير ملائمة مع هؤلاء الأطفال. إذ لا يمكن أن تعتمد التلقين والشرح الحسيّ لأطفال بصريين ويتعاملون فقط مع الملموس والمعنوي. حتى الامتحانات لا تلائم وضعهم"، توضح هنية شكري.

محنة كورونا زادت من عزلة مرضى التوحد، حيث وجدوا أنفسهم محاصرين داخل "قفص دون سابق إنذار". 

الأم العصامية رفضت أن تترك ابنيها للضياع والجهل، وتعلمت برفقة زوجها تقنيات تحليل السلوك التطبيقي من خلال بعض الكتب المتخصصة والإنترنت لتطبيقها على طفليها، تفاديا لتكاليف التدريب والورشات الباهظة السعر التي تفرضها بعض الجمعيات والمؤسسات الخاصة وتصل أحيانا إلى ألفي درهم (200 دولار تقريبا) للحصة الواحدة. كما أن المدارس الخاصة بدورها لا تقدم عرضا تعليميا للأطفال الذين يعيشون في طيف التوحد، إذ أن "المدارس الخاصة تعتمد مناهج ومقررات ولغات كثيرة، فيجد الأطفال أنفسهم وسط دوامة لا يستطيعون مسايرتها فهم يحتاجون مناهج مبسطة ومشروعا تربويا خاصا بكل طفل بحسب حاجياته ووضعه"، تقول الأم.

وفيما تقدم الدول المتقدمة دعما خاصا للأسر يتمثل في صرف راتب لمرافِقٍ اجتماعي يساعد الطفل الواحد في التعلم خلال الحصص التعليمية، ويحرص على تلقينه المعلومات بشكل جيد، فإن الأطفال المتوحدين في المغرب يعانون الأمَرَّين مع المدارس التي تطردهم أحيانا لاختلافهم.

بصوت مخنوق، تشير أم طه وهي مطلقة وتعيل ابنها بنفسها من مشروع خياطة إلى أنها اضطرت قبل سنوات عدة لإخراج ابنها من المدرسة لأن الأستاذ كان يضربه بسبب فرط حركته، كما تضطر لربطه بسلسلة في المنزل لإكمال طلبات الزبائن "لم يكن الأمر سهلا ولن يكون، وأتساءل أحيانا أش ذنبو وذنب اللِّي بْحَالُو (ما ذنبه وما ذنب أمثاله)".

نعيمة وهي ربة أسرة، قررت أن تقوم بأمر مختلف كليا. إذ بعد أن وجدت طفلتها صعوبات في السنة الأولى من التعليم الابتدائي اتخذت قرارا جريئا. تواصلت مع مسؤولي التعليم في المدينة ومدير المدرسة وطلبت أن ترافق ابنتها إلى كل الحصص ووافقوا بعد إصرار منها. بهذا ضمنت أن تكون الطفلة "أقل حركية وأن تتابع الدروس وتفهمها بشكل جيد وهي الآن تحصل على علامات جيدة، واعتاد الأطفال الآخرون على قبولها وسطهم"، تقول الأم لرصيف22.  هذا التقبل للطفل من أقرانه ليس مهما فقط لتعليمه بل لتقبله داخل المجتمع، فالأطفال الآخرون يتعلمون مهارات التعامل معهم من خلال التعايش معهم.

حادوش تعتبر أن المدرسة يمكن أن تشكل بيئة مناسبة في المطلق لاندماج الأطفال المتوحدين في المجتمع وتقبلهم من طرف الأطفال الآخرين. وذلك بدليل نجاح بعض تجارب الفصول الدراسية التي تدمِجهم وسط الأطفال الآخرين. وتقول المتحدثة: "يجب أن تستثمر المؤسسات في التدريبات الخاصة بالسلوكيات لفائدة المدرِّسين، خصوصا أن تعديل السلوك هو طريقة تربوية تيسر العلاقات وتسهل التعامل مع أي إنسان سواء كان متوحدا أم لا، سواء كان طفلا أو مراهقا أو حتى راشدا، بمعنى أنه طريقة تربوية تبقى مكسبا لأي شخص يضطلع بمهمة التربية ومرافقة المتعلِّمين".

كورونا وحّدت الآلام

رغم أن جائحة كورونا ألقت بظلالها على العالم بأكمله إلا أنها جعلت أطفال التوحد "أكثر توحدا"، وتؤكد أم طه أن ابنها عانى كثيرا خلال الحجر الصحي وكان أحيانا يبكي لساعات دون انقطاع وأردفت "لم أعرف كيف أتعامل مع الأمر وظللت أحاول تهدئته. بعد مدة بدأ يشاهد الرسوم المتحركة يضحك ويتحرك ويتحدث معها أحيانا. كانت هذه طريقته لتحدي العزلة".

وتشير هنية إلى  أن محنة كورونا زادت من عزلة مرضى التوحد، حيث وجدوا أنفسهم محاصرين داخل "قفص دون سابق إنذار مما شكل للبعض منهم صدمة كبيرة. بالنسبة لطفليّ ولأن نسبة إدراكهما أكثر من زملائهما، أصبحا يعانيان من الخوف الشديد من الأمراض وأصبحا يغسلان أيديهما عشرات المرات دون سبب. ناهيك عن صعوبة أو استحالة تعلمهما عن بعد".

وفي نفس السياق تقول إيمان حادوش "العزلة أثرت طبعا على الأسر التي لم تعد تستطيع اصطحاب أطفالها للأنشطة المعتادة، لكن ربما هي مناسبة لتختبر باقي الأسر معاناة المتوحدين وأسرهم. لقد كان هؤلاء يعيشون نفس العزلة حتى قبل الحجر الصحي، وعلى مر سنين طويلة. لنقل إن أسر المتوحدين كانت دائما في عزلة تشبه فترة الحجر الصحي التي عشناها جميعا".

وتتلقى الحكومة المغربية انتقادات عدة فيما يتعلق بالاهتمام بمرضى التوحد، حيث أكدت حادوش أن المجهودات الحكومية لغاية اليوم، مازالت في طور الحلول المؤقتة التي تشبه المسكِّنات، "لأن الجمعيات وإن كنا من ضمنها، لن تكون أبدا حلا، ولذلك وضعنا ضمن أهدافنا في الجمعية تفادي الدعم والحلول المؤقتة، مع التركيز على الترافع دستوريا".

وتعتمد الدولة المغربية سياسة تجعل من عائلات المتوحدين المسؤول الأول عن تربيتهم ومتابعتهم. إذ بدل أن تفتح مراكز للتشخيص والتطبيب والدعم النفسي للأطفال وعائلاتهم، وأن تسن سياسة صحية واضحة في المجال، تدعم المؤسسات الحكومية جمعيات للأسر تنطلق من مبادرات حسنة النوايا لدعم الأطفال، لكن لا يمكنها أن تحل مكان الدولة في تقديم خدمات لمواطنين لهم كامل الحقوق وتدفع بهم إلى التهميش والصمت والشعور بالذنب أحيانا.

وتردف حادوش "الطفل المتوحد هو مواطن مغربي في الأصل وله نفس حقوق باقي الأطفال في التعليم والصحة وغيرها من الحقوق. الحل النهائي في نظري، هو الترافع من أجل قوانين دامجة في المؤسسات، تمنع إقصاء الأطفال المتوحدين من التعليم، بشكل قانوني واضح وعبر مساطر لا جدال فيها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard