"جنس ومال وتسلّط لدراسة الماجستير"... أستاذ يفضح اختلالات الجامعة المغربية

الأحد 28 مارس 202103:54 م

كثيرا ما تكتب الصحافة المغربية عن اتهامات لأساتذة في جامعات مغربية مختلفة باستغلال سلطتهم لإجبار طلبة على دفع رشاوى وابتزاز طالبات بالجنس مقابل علامات عالية في الامتحانات. بعض هذه الأخبار تصل إلى المحاكم وأخرى يلفها النسيان. الأستاذ الجامعي المغربي المختص في القانون عبد الكبير الصوصي العلوي، لا يصمت أمام الكثير من الاختلالات في جامعات مغربية وفي معايير اختيار الطلاب خاصة في سلك الماجستير، ويرى أن سببها الرئيس هو وضع "الأستاذ" داخل المؤسسات الجامعية الذي يمنحه سلطات واسعة إلى جانب النصوص القانونية المنظمة للدراسات. لكن آراءه المزعجة أدت إلى توقيفه من العمل، والتلويح بمحاكمته.

لا أهاب المتابعة

"هناك من لم يستوعب بعدُ رياح التغيير التي واكبت الربيع العربي"، يقول الأستاذ الصوصي العلوي، ردا على كل من يتهمه بالتحامل على المؤسسات الجامعية، التي لا يكف عن انتقاد وضعها التنظيمي والتعليمي، كلما سنحت له الفرصة بذلك.

"ابن الساحة والنضال"، كما يفضل أن يُعرِّفَ نفسه، يرفضُ أن تنحصر مهمته في تلقين الدروس الجامعية، دون المساهمة في النقاش المجتمعي والمشاركة في تقييم السياسات التعليمية العمومية. يقول في حديث مطول مع رصيف22 "أرفض أن أكون أستاذا يُدرِّسُ ثم ينصرف إلى بيته، أنا أنتقد المنظومة التي أنتمي إليها، وما يجري من تَدافع بين المسؤولين في الجامعة قد لا يظهر لعموم الناس".

أساتذة في جامعات مغربية يستغلون سلطتهم لإجبار طلبة على دفع رشاوى وابتزاز طالبات بالجنس مقابل قبولهم لدراسة الماجستير. أستاذ يفضح المسكوت عنه

انتشر اسم الصوصي العلوي في المجتمع المغربي بعد جدل الاختلالات الذي فجّره في وجه وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي، في تشرين الأول/أكتوبر الماضي. إذ لم يتردد في فضح ما وصفه بسوء التدبير الذي ينخر الجامعات المغربية، لافتا إلى أن "الفساد" الذي يعرفه منهج اختيار الطلاب في الماجستير يحكمه منطق الإرضاء والتسويات الشخصية في بعض الحالات، وفي البعض الآخر يلتحق طلاب بالدراسات داخل الجامعات العمومية مقابل الجنس أو المال.

يقول أستاذ القانون الجنائي بكلية الحقوق بمدينة مكناس المغربية، إن "الاقتراب من الطلاب والاحتكاك بهم هو ما جعلني أنتقد اختلالات الماجستير بالمغرب، تعبتُ من سماع هموم وآلام الطلبة الذين يجولون المغرب من الشمال إلى الجنوب ويجتازون على الأكثر سبع مباريات ويتم إقصاؤهم".


عبد الكبير الصوصي العلوي

العرض المحدود الذي تعرفه منظومة الماجستير بالمغرب قد يكون أحد الدوافع وراء الابتزاز الذي يخضع له الطلاب، وهو ما يجعل الأستاذ يدعو إلى تقديم عرض جامعي أكبر يستجيب للطلب الكبير في أوساط الطلاب. ولا يتوانى المتحدث في التأكيد على أن الاختلالات التي تشوب عملية انتقاء وتقييم الطلبة لا تقتصر على سلك الماجستير بل تصل إلى الدكتوراه أيضا.

الحديث عن كواليس وعيوب "صناعة" الماجستير في المغرب، فتحَ على الأستاذ بابا من الاتهامات بإفشاء السر المهني، بعدما أصدرت اللجنة العلمية لشعبة القانون الخاص بالكلية التي يعمل فيها قرارا تأديبيا بتوقيفه عن إلقاء الدروس النظرية في جميع المسالك والمواد التي كان يدرسها.

لكن بالنسبة إليه فإنه لا يهاب الإجراءات ولا التهديد بمتابعته عبر القضاء. وسبق أن عبّر على صفحته الرسمية على فيسبوك، بأنه لم يفعل شيئا غير نشر معلومات طبعت في الجريدة الرسمية، ولا يحاط الحديث عنها بالسرية، موضحا أن "السر المهني هو أن تُطْلِع (الآخرين) على أمور تخص مداولات ومشاريع قرارات للعموم قبل إصدارها بشكل قانوني".

صناعة "المشاكل"

في السنوات الأخير طفت إلى السطح العديد من القضايا، وأصبح الكلام "مباحا" عن الوضع. صفحات على فيسبوك رأت النور، يقدم فيها طلبة وطالبات شكاواهم وحكاياتهم. وفيما يرى البعض أن هناك تواطؤا بين بعض الأساتذة وطلاب وطالبات يرون أن النجاح هو الأهم مهما كلف الثمن، فإن آخرين، يعتبرونها ممارسة يجب أن تخضع للحساب، لوقف منظومة فساد، تمس جزءا من المجتمع الجامعي المغربي.

الحديث عن كواليس وعيوب "صناعة" الماجستير في المغرب، فتحَ على الأستاذ بابا من الاتهامات بإفشاء السر المهني. الأساتذة يبتزون الطلاب

من جهته يرى الصوصي العلوي أن هذا الفساد في سلك الماجستير يعود إلى أسباب موضوعية أكثر منها ذاتية. فالقرار المنظم من وزير التربية الوطنية والتعليم العالي للماجستير، الذي يصادق أيضا على "دفتر الضوابط البيداغوجية"، من ضمن أسباب المشاكل التي يعيشها القطاع الجامعي. فبالنسبة إليه "القرار مع الدفتر لم يُفصِّلا في أمور كثيرة منها معايير اختيار الطلاب. إذ يترك القَرار الوزاري الحرية في تحديد المعايير للجهة التي تحرر الدفتر البيداغوجي"، مُشيرا إلى أن أستاذ التعليم العالي الذي يشرف على الماجستير هو من يقوم بإعداد المشروع ويُضمِّنهُ معايير انتقاء الطلاب إلى جانب المواد التي ستُدرَّس لهم، من دون أي معايير واضحة، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لانتشار الفساد.

يشدد أستاذ القانون الجنائي على أن إعادة النظر في هذه الطريقة المتبعة في "صناعة" التعليم الجامعي في المغرب لا تستجيب للقرن الحادي والعشرين "ولا تتفاعل مع متطلبات وطموحات الجيل الجديد، وقد آن الأوان لمراجعتها وتعديلها".

وحول الإشكاليات التي تحيط لجن مباريات اختيار الطلاب، يستنكر الأستاذ الجامعي احتكار بعض الأساتذة للجان ويضيف "هناك من تتكرر أسماؤهم داخل اللجنة لأزيد من 8 أو 10 سنوات. فما هي معايير انتقاء عدد من الأساتذة للإشراف على المباريات ومبررات إقصاء أستاذة آخرين؟ ما الذي يعرقل تحقيق التناوب على اللجان؟".

الأستاذ... أُسُّ المشكلة؟

انتقادات الصوصي العلوي تجاوزت معايير انتقاء الطلبة إلى الأساتذة المكلفين باختيارهم والسهر على تدبير المباريات. ويرى أن هناك خللا في الجمع بين المهام لا سيما أن المؤسسات الجامعية تقدم تعويضا عن الساعات الإضافية وعن مسؤولية تنسيق الماجستير أو لجنة معينة.

ويشير الأستاذ إلى أن عددا كبيرا من الأساتذة يحتكرون الكثير من المهام، ويجمعون تعويضات بدون سند قانوني يفوق الراتب الشهري القانوني للأستاذ الجامعي، وهو ما يعتبره "ريعا" يجب محاربته والتنديد به، لأن فيه استغلالا للقانون"، بحسب رأيه.

يجب توزيع المسؤوليات والمهام على مختلف أساتذة الكلية لتحقيق التناوب بعيدا عن صراعات المواقع والمصالح

ويضيف المتحدث بغضب واستنكار شديدين "لا يعقل أن يتقاضى عميد مؤسسة جامعية راتبه الشهري كمستحقات على عمل يؤديه من الإثنين إلى الجمعة، وخلال الأسبوع نفسه يبرمجُ ساعات أخرى لتدريب الطلبة ويتقاضى عنها تعويضات، هذا الريع سأنتقده ولن أسكت عنه".

ويرى أنه من المهم أن يتم تنويع الأساتذة في لجان الانتقاء قائلا: "أطالب دوما بالفصل بين الجهة التي تضع سؤال المباراة والجهة التي تصحح أوراق الطلبة ثم الجهة التي تُشرف على المباراة الشفهية. مدخل حسن تدبير المباريات ينطلق من الفصل بين مختلف المتدخلين قبل ولوج الطلبة إلى سلك الماجستير، ومادام الأمر كما هو عليه فـستبقى الأمور مختلة، وستلاحقها العيوب وستطالها الانتقادات دائما". ويرى الأستاذ أنه يجب توزيع المسؤوليات والمهام على مختلف أساتذة الكلية لتحقيق التناوب بعيدا عن صراعات المواقع والمصالح التي أصبحت وبالا على الجامعة.

 يقول الأستاذ "أنا لا أعطي حسن السيرة لكلية معينة، ولا يمكنني كذلك تحديد أسماء الأساتذة المسؤولين عن سوء التدبير الجامعي، لأنني أستاذ القانون الجنائي، وأعرف جيدا ضوابط ممارسة حرية التعبير حتى لا أسقط في التشهير أو القذف". لكنه يناقش بكل حرية مع طلبته موضوع الفساد الذي يؤرق بالهم، ووجد في فيسبوك متنفسا. يعتبر  الأستاذ دوما في نقاشه مع الطلبة أن السبب وراء الظاهرة هو غياب الحوكمة وعدم وضوح القانون وسوء التدبير، الذي ينعكس سلبا على البحث العلمي. ويشدد على أن "الجامعة مرفق عمومي يجب أن يُدبَّر جيدا، ويكون فيه ربط المسؤولية بالمحاسبة، وأن يتم السعي إلى تفتيشها من أجل الوصول إلى الحقائق التي تترتب عنها المسؤوليات".

حملة تفتيش وزارية

في الآونة الأخيرة انتشر في وسائل إعلام وعلى صفحات مواقع التواصل الاجتماعي خبر مفاده أن وزارة التعليم العالي تقوم بحملة تفتيش في الجامعات، للبحث في قضايا فساد.

هل المفتش عنده صلاحيات ليقوم بتفتيش المباريات؟ هل عنده صلاحية الاطلاع على أوراق تصحيح مباريات ولوج الماجستير والذهاب إلى قاعات التدريس وملاحظة مستوى الطلبة المقبولين ومقارنتهم بمستوى الطلبة الذين تم إقصاؤهم من المباريات؟

ورغم أن مصادر من وزارة التعليم العالي نفت في تصريح لرصيف22 أن تكون هناك حملة تقودها المفتشية العامة للتعليم العالي "لأكثر من 10 مؤسسات للتعليم العالي للتحقيق في مساطر انتقاء طلبة الماستر والدكتوراه"، إلا أن كثيرين يقولون إنها ستكون مبادرة جيدة ورحبوا بها ومن ضمنهم الصوصي العلوي.

هذا الأخير، نشر في فيسبوك مع انتشار الخبر  مطالب "بفضح اختلالات شُعب الماجستير والدكتوراه إلى جانب كواليس توظيف الأساتذة الجامعيين".

لكن بالنسبة إليه فكل "حملة تفتيش لم تراقب واقع الاختلالات داخل الجامعة، ولم تراقب الإجراءات ومختلف المحاضر، تبقى مجرد خطوة شكلية لن تغير أي شيء"، ويتساءل "هل المفتش عنده صلاحيات ليقوم بتفتيش المباريات؟ هل عنده صلاحية الاطلاع على أوراق تصحيح مباريات ولوج الماجستير والذهاب إلى قاعات التدريس وملاحظة مستوى الطلبة المقبولين ومقارنتهم بمستوى الطلبة الذين تم إقصاؤهم من المباريات؟"

ويضيف "هل للمفتش صلاحية التحقيق حول أهلية الأستاذ لتدريس المواد التي يكلف بها؟ وما هي صلاحيات تفتيش الجامعة إذا لم تمتد إلى مراقبة السلطة التقديرية للجان المكلفة بالمباريات؟ لأن لها سلطة تقديرية مطلقة، وتجنب الرقابة عليها لن يحقق أي تغيير".

صوتُ الأستاذ المنتقد لواقع الجامعة يعتبره المتحدثُ "صوتا ما زال في البدايات" و "ليس غائبا ولا مُغيّبا، ولكنه يجتهد لرفع الغبار عن فساد المنظومة" كما يقول. ويوضح في هذا الصدد "هناك من الأساتذة من يفضل الصمت المُطبق حتى لا يضيع فرصة الترقية المهنية، وهي اعتبارات تبدو لي ضيقة، لأنه بالنسبة لي لا تهمني الترقية ولا أريدها، ما يهمني هو تحسين وضع الجامعة". لكنه يؤمن أن أساتذة آخرين سينددون في المستقبل بكل اختلال لدى زملائهم.

وحول نتائج ترافعه لصالح الطلبة، يقول الصوصي العلوي "من نتائج نضالي أن الكلية التي أعمل فيها رفعت عدد مقاعد الدكتوراه، إذ أصبح عدد الذين تم انتقاؤهم خلال هذه السنة 35 طالبا باحثا مقارنة بالسنة الماضية التي لم يتجاوز خلالها عددهم العشرين".  مكسب صغير لكنه رمزي في معركة طويلة النَفَس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard